تعالوا إلى كلمة سواء.. سوريا لا تُبنى بمنطق “نحن وهم” بل بدولة تحمي الجميع
إن اعتزاز الإنسان بمدينته وبيئته التي ينتمي إليها جزء طبيعي من ذلك التنوع السوري الجميل، لكن ظاهرة المناطقية التي نشهدها اليوم لم تعد جزءاً من هذا التنوع، فقد تحولت في بعض صورها إلى جدار اجتماعي يفصل السوري عن أخيه السوري.
لا تبدأ المشكلة عندما يعتز الفرد بمدينته أو منطقته، وإنما عندما يتحول هذا الاعتزاز إلى معيار للحكم على الآخرين، وعندما يصبح الانتماء الجغرافي سبباً للانتقاص أو التخوين أو الاتهام، فالمناطقية عندما تتحول إلى خطاب كراهية، لا تبقى مجرد اختلاف في الانتماءات، وإنما تصبح عاملاً يهدد التماسك المجتمعي ويعمق حالة عدم الثقة بين أفراد المجتمع.
وعندما تتحول كلمات الغضب إلى تحريض وتهديد ذوي طابع مناطقي، علينا أن نقف جميعاً لنسأل أنفسنا: إلى أين سنصل إذا استمررنا بهذه العقلية؟
لقد مزقت الحرب أواصر السوريين بكل أطيافهم وألوانهم، ولا ينبغي لنا أن نسمح لآثارها بأن تتحول إلى واقع جديد ودائم، نحن اليوم بحاجة ملحة إلى أن نقول: تعالوا إلى كلمة سواء.
تعالوا لنضع قواعد متينة نبني عليها سوريا الجديدة، قال تعالى: “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، فلا أحد يدان لأنه ينتمي إلى جماعة معينة أو منطقة ما، ولا يجوز أن يحمل أحد مسؤولية فعل أو جريمة لم يرتكبها، كما لا ينبغي أن تتحول الخلافات الفردية إلى خصومات بين الجماعات والمناطق.
الاحتكام إلى القانون:
لا بد لنا من إعادة بناء الثقة بالقانون وبمؤسسات الدولة، فبذلك يمكن أن نضع حداً للمناطقية وخطابات الكراهية، والقانون الذي نريده ليس ذلك الذي تنتصر فيه جماعة على أخرى، ولا الذي يحمي طرفاً ويعاقب آخر بحسب هويته أو منطقته، وإنما القانون الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع، فيحاسب المعتدي وينصف الضحية بصرف النظر عن هويتها.
ولا يمكن أن تبنى الثقة بالقانون من خلال النصوص وحدها، بل من خلال شعور المواطن بأن القانون يطبق عليه وعلى غيره بالمعيار نفسه، وأن الدولة ومؤسساتها قادرة على إنصاف الجميع.
إن غياب القانون الذي نريده يفتح الباب أمام الفوضى، حيث تسود العصبية والمناطقية، ويحل منطق الجماعة محل منطق الدولة، وينتشر السلاح ومنطق “نحن وهم”.
ولعل التوترات التي شهدتها مناطق سورية مختلفة خلال الفترة الماضية تكشف مدى خطورة هذا المسار، وكيف يمكن للخلافات أن تتجاوز حدودها الفردية عندما تحمل أبعاداً مناطقية أو جماعية.
مواجهة المشكلة مسؤولية مشتركة:
لا تستطيع الدولة الجديدة بمفردها معالجة آثار وندوب الحرب التي مزقت نسيج المجتمع، كما لا يستطيع رجال الدين ووجهاء المجتمع وحدهم القيام بهذه المهمة، فالمسؤولية تقع على عاتق الجميع.
ولا تقل مسؤولية المجتمع والإعلام والخطاب العام أهمية عن مسؤولية مؤسسات الدولة، فالكلمات التي تقال في لحظات التوتر يمكن أن تهدئ الخلاف أو تزيده اشتعالاً، خصوصاً عندما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة لتداول الاتهامات والتعميمات والتحريض.
نحن اليوم بحاجة إلى خطاب سياسي وإعلامي واع ومسؤول، كما نحتاج إلى دور فعال للمؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية، بالتوازي مع إعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة.
حق المواطن يجب أن يكون مكفولاً بقانون الدولة، لا بقانون شيخ العشيرة أو الطائفة، وبناء الثقة بالدولة ليس شعاراً يرفع وإنما اعتراف جماعي وممارسة على أرض الواقع.
إذاً مواجهة المناطقية لا تكون فقط برفض خطابها، وإنما أيضاً بإيجاد مساحات مشتركة تجمع السوريين حول مصالحهم وحقوقهم وقضاياهم اليومية، فالمجتمعات التي خرجت من حروب ونزاعات تحتاج إلى استعادة الروابط التي مزقتها الحرب، وإلى مؤسسات محلية ووطنية قادرة على إدارة الخلاف بالحوار والمشاركة والمساءلة.
تعالوا إلى كلمة سواء:
تعالوا نتفق على أن دم السوري على السوري حرام.
تعالوا نتفق على أن كرامة السوري لا تتغير بتغير مكان ولادته، وأن الاختلاف بين المناطق ليس سبباً للعداء.
تعالوا نتفق على أن العدالة مكفولة بقانون الدولة، لا بالثأر.
تعالوا نتفق جميعاً كسوريين، على أن الدولة هي مظلتنا جميعاً، وأن منح الثقة لمؤسساتها ودعمها في أداء دورها هو انتصار لكل السوريين.
تعالوا لنبن دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون؛ دولة لا يحاسب فيها الإنسان على منطقته، ولا يكرم بسببها، ولا يحمل فيها الفرد وزر جماعة لم يرتكب أفعالها.
فإما أن نحول جراح الحرب إلى درس يقودنا نحو دولة تجمعنا، أو نترك أحقادها تنتقل إلى أجيال لم تعش الحرب، لكنها قد ترث آثارها.
سوريا التي نريدها لا تحتاج إلى مزيد من الجدران بين أبنائها، بل إلى دولة تجمعهم تحت مظلة القانون والعدالة والمواطنة، فلنضع خلافاتنا جانباً، ولنبحث عن الكلمة التي تجمعنا، قبل أن يصبح “نحن وهم” هوية جديدة لسوريا.