مأزق “الكانتون الأخير”: السويداء ومصير حكمت الهجري في ضوء هندسة الاندماج الوطني وسقوط صيغة “روجاڤا” الشيخ حكمت الهجري، في أعقاب الإعلان التاريخي عن حل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) واندماجها الكامل في بنيان الدولة السورية. وانتقال الاستعصاء المحلي من شمال شرق سوريا إلى جنوبها، في تضاؤل هامش المناورة لدى فصائل “الحرس الوطني” المحلية، والأثر البنيوي لتصريحات الهجري الأخيرة المثيرة للجدل حول العلاقة مع إسرائيل، وصولاً إلى استشراف السيناريوهات المتوقعة لمعالجة هذا الملف العالق الأخير.
أولاً: انكشاف الجغرافيا السياسية وتأثير “دومينو الاندماج”
شكل الإعلان الرسمي عن حل “قسد” في 25 آب/أغسطس 2026 هزة ارتدادية أصابت كافة المشاريع اللامركزية أو الانفصالية في الجغرافيا السورية. فمنذ اندلاع المرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، اعتمدت المرجعيات المحلية في السويداء، وتحدييداً الشيخ حكمت الهجري، على توازن قوى مشروط بوجود كيانات موازية صلبة في الشمال الشرقي تمنح خيارات “التقسيم الإقليمي الذاتي” شرعية موضوعية.
ومع تفكيك صيغة “الإدارة الذاتية” وتحوّل مظلوم عبدي إلى مستشار رئاسي ببدلة مدنية، تحولت السويداء فجأة من طرف في معادلة توازن واسعة إلى “الجيوب الأمنية المعزولة”. هذا التبدل الهيكلي أفقد فصائل “الحرس الوطني” التابعة للهجري عمقها الاستراتيجي الداخلي، وباتت المحافظة تواجه بشكل مباشر استحقاق “احتكار الدولة لوسائل العنف الشرعي”.
ثانياً: استراتيجية “الهروب إلى الأمام” وورقة العلاقات الخارجية
في محاولة استباقية لمواجهة الضغوط المتزايدة لدمج الفصائل المحلية السويداء في مؤسسات الدولة، لجأ الشيخ حكمت الهجري إلى خيار سياسي حاد أثار انقساماً مجتمعياً عميقاً. تمثّل ذلك في تصريحاته العلنية التي وصفت الموحدين الدروز بأنهم “جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل”، مروجاً لـ “كيان درزي مستقل” أو رابطة فكرية وعقائدية موازية.
منظور العلوم السياسية يفسر هذا التحرك بوصفه محاولة لـ “استدعاء الحماية الخارجية” لتعويض الضعف الهيكلي الداخلي. إلا أن هذه الخطوة أنتجت مفاعيل عكسية:
- التآكل الشرعي الداخلي: صدور بيانات حادة من فاعليات وطنية وأكاديمية (لا سيما في الجولان المحتل والسويداء) ترفض هذا الطرح وتجرّد الهجري من احتكار التمثيل السياسي للطائفة.
- انكشاف الأداة الإسرائيلية: تأكيد المقاربات التحليلية على أن التلويح الإسرائيلي بحماية الجبل (مثل تصريحات يسرائيل كاتس) لا يمثل التزاماً بنيوياً دائماً، بل هو “ورقة تكتيكية مرنة” تخضع للتفاهمات الأمنية بين دمشق وتل أبيب برعاية دولية.
ثالثاً: المسارات المستقبلية ومصير حكمت الهجري
يضع تفكيك الحالة المسلحة لـ “قسد” الشيخ حكمت الهجري أمام ثلاثة مسارات حتمية ترسم ملامح المرحلة القادمة:
1- مسار “نموذج الجزيرة” (التسوية التوافقية): وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى المتوسط؛ حيث تجبر الضغوط الإقليمية والدولية (خاصة مع تراجع الاهتمام الأمريكي الكثيف بنمذجة الانفصال) الهجري على الدخول في مفاوضات سرية أو معلنة مع دمشق. يفضي هذا المسار إلى تسليم معاقل السيطرة وحل “الحرس الوطني” مقابل دمج محلي للأجهزة الأمنية، وضمانات حماية ثقافية وإدارية للمحافظة، مع احتفاظ الهجري بموقعه الديني التقليدي دون صلاحيات سيادية.
2- مسار “التجميد والاستنزاف الهادئ”: مراهنة حكومة دمشق على عامل الوقت لترك السويداء تواجه أزماتها المعيشية والأمنية تحت وطأة الفوضى الداخلية وتصارع الأجنحة المحلية (مثل التيار المؤيد لدمشق والمدعوم من فصائل محلية موازية)، مما يؤدي إلى تآكل نفوذ الهجري تدريجياً واضطراره للاستسلام الإداري لاحقاً.
3- مسار “الصدام الصفري”: حدوث انفجار أمني ميداني نتيجة تعنت المواقف أو حدوث استقطاب طائفي حاد. هذا الخيار تراهن عليه قوى الراديكالية لجر إسرائيل للتدخل العسكري المباشر، إلا أن كلفته العالية وتغيّر الحسابات الإقليمية يجعلانه مغامرة غير مأمونة النتائج قد تنتهي بإنهاء المظلة الأمنية للهجري بالكامل.
رابعاً: تثبت التجربة السورية المعاصرة في عهدها الانتقالي الحالي أن السياسة لا تعترف بالتحالفات الثابتة بل بالمصالح الديناميكية المتبدلة، إن مصير الشيخ حكمت الهجري بات مرتبطاً بمدى عقلانيته في قراءة المشهد الجديد؛ فإما اللحاق بقطار “التسويات الهيكلية المرنة” على غرار ما فعله مظلوم عبدي للحفاظ على خصوصية الجبل الثقافية والأهلية داخل الدولة، أو الاستمرار في الرهانات الخارجية التي قد تحوّل السويداء إلى مساحة استنزاف معزولة تفقد قدرتها على المناورة مع أول تفاهم أمني كبير بين القوى الإقليمية ودمشق.