تعد اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة في 7 آب 2026 بين دول تركيا والسعودية وباكستان نقطة تحول كبيرة في سياسة العلاقات بين الدول الإسلامية، حيث تتجاوز تلك الاتفاقية سياسة العلاقات القائمة على المصالح المشتركة، وتؤسس سياسة جديدة قائمة على التقاطع في الأهداف، وتعزيز الدفاع والتعاون المشترك، تلك النقطة التي تبرز أهمية تلك الاتفاقية على الصعيد الإقليمي والدولي.
وفي ظل الصراعات والتحولات التي تشهدها المنطقة العربية والإسلامية، بدءا من طوفان الأقصى -الذي أثبت عجز العالم العربي والإسلامي والغربي عن نصرة أهل غزة- وصولا إلى الحرب الإيرانية الأميركية التي لم تحسم لصالح طرف ضد الآخر إلى الآن، وفشل القواعد الأجنبية في حماية الدول التي تنزل بها من الهجمات المدمرة، وجدت بعض الدول ضرورة إعادة النظر في سياسة العلاقات والتحالفات، مما دفع تركيا والسعودية وباكستان إلى إبرام اتفاقية مكة التي لم يسبق لها مثيل.
وتشكل هذه الاتفاقية مصدر أمل لكثير من الشعوب العربية والإسلامية، تلك الشعوب التي تتطلع إلى نهضة بلادها واستقلالها من سيطرة القوى الغربية عليها، حيث يعتبر البعض هذه الاتفاقية بداية تحرر من قيود الأعداء، ومنطلقا للنهضة والقوة التي تعيد للبلاد الإسلامية مكانتها ومجدها.
ويمكن القول -من وجهة نظر الكاتب- إن هذه الاتفاقية هي نواة مبدئية للتحالف الإسلامي الذي تطمح إليه شعوب المنطقة، بالإضافة إلى أنها نموذج مصغر نسبي عن مشروع الاتحاد الإسلامي الذي وضع أسسه الإمام سعيد النورسي عام 1911م، ذلك الاتحاد الذي يؤسس للأمة الإسلامية وحدتها، ويزيد قوتها، ويجعلها أكثر صلابة في مواجهة التحديات والمخاطر.
يتميز النورسي بأفكاره المعاصرة التي تنطلق من المصلحة العامة للأمة الإسلامية، وخطابه الجامع الذي لا يعرف الحدود والفروق بين الشعوب المسلمة، ذلك أن رؤيته في الاتحاد الإسلامي انطلقت بعد معاصرة الواقع المرير الذي حل في الأمة الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، إذ يحاول النورسي من خلال مشروع الاتحاد الإسلامي تبسيط الطريق أمام الدول الإسلامية للتحرر من ضعفها وهوانها، وتمكينها من الدفاع عن نفسها ومقدساتها.
إن مشروع الاتحاد الإسلامي الذي يؤسس له النورسي ليس حدثا مفاجئا بالضرورة، وإنما هو خطة يمكن أن تتحقق من خلال مراحل متدرجة، تبدأ بالتعارف والتقارب، ثم التعاون والتضامن، ثم التكامل في المصالح والمواقف. وفي هذا السياق يمكن قراءة اتفاقية مكة باعتبارها إحدى صور التعاون بين دول إسلامية، لا باعتبارها تحققا نهائيا لمشروع الاتحاد الإسلامي الذي يجمع كل الدول الإسلامية.
ومن منظور النورسي، فإن اتفاقية مكة لا تمثل تحققا مباشرا كاملا لمشروع الاتحاد الإسلامي، وإنما تعكس مثالا معاصرا وجزئيا على إمكانية انتقال العلاقات بين الدول الإسلامية من مجرد الخطاب عن التضامن والوحدة إلى تطبيق عملي من التعاون والتنسيق ووحدة الصف. ومن ثم يمكن قراءة الاتفاقية باعتبارها إرهاصا جزئيا لمسار التعاون الذي يمكن أن يتطور، ليشمل دولا إسلامية أخرى بمجالات متعددة، نحو الصورة الأوسع التي تطلع إليها النورسي.
وإن المتعمق في فكر النورسي لا يمكنه الفصل بين اتفاق مكة، وبين رؤية النورسي في مشروع الاتحاد الإسلامي، وذلك لتشابه الأسباب التي دفعت تلك الدول إلى التعاون في قضية الدفاع المشترك، وطبيعة تلك الاتفاقية وحدودها، والهدف منها، والأسباب التي اعتبرها النورسي مبررا لتأسيس اتحاد إسلامي عام.
لذا تعتبر اتفاقية مكة تلبية للحاجة الماسة التي تشعر بها الدول الإسلامية، سواء في مواجهة العدوان الخارجي تجاه البلاد، أو في تحقيق التطور والتميز والاكتفاء الذاتي من مقومات الحضارة والقوة المعاصرة.
ويرى النورسي -في كتاب صيقل الإسلام، ص 379- أن في الإسلام استعداد معنوي للرقي المادي بمختلف مجالاته، ذلك الرقي الذي يطلبه الواقع ولا مبرر للتخلف عنه، وإن هذا الرقي يتطلب تضافرا وتعاونا بين البلاد الإسلامية ليظهر بأفضل أشكاله، وليكون على استعداد تام لمواجهة التحديات.
ويؤكد النورسي أن تشكل الشخصية المعنوية للعالم الإسلامي لا يمكن أن يتحقق من دون الوحدة والتعاون، ويحدد لهذه الشخصية خمس قوى لا تقهر، ويرى أنها تمثل مقومات أساسية لوحدة المسلمين وتعاونهم، وتلك القوى هي:
- “الحقيقة الإسلامية” التي هي أستاذ جميع الكمالات والمثل، التي توحد المسلمين وتجعلهم جسدا واحدا، وذلك من مقتضى الأخوة الإيمانية، وتجهزهم بالمدنية الحقيقة والعلوم الصحيحة.
- “الحاجة الملحة” التي هي الأستاذ الحقيقي للمدنية والصناعات المجهزة بالوسائل والمبادئ الكاملة.
- “الحرية الشرعية” التي ترشد البشرية إلى سبل التسابق والمنافسة الحقة نحو التعالي والمقاصد السامية، والتي تمزق أنواع الاستبداد وتشتتها، والتي تهيج المشاعر الرفيعة لدى الإنسان، والحرية الشرعية تعني التحلي بأسمى ما يليق بالإنسانية من درجات الكمال.
- “الشهامة الإيمانية” والمجهزة بالشفقة والرأفة، أي ألا يرضى الذل لنفسه أمام الظالمين، ولا يلتحق بالمظلومين.
- “العزة الإسلامية” التي تعلن إعلاء كلمة الله، والتي تتوقف على التقدم المادي، والدخول في مضمار المدنية الحقيقية.
وإذا كان النورسي يرى أن تشكل الشخصية المعنوية للعالم الإسلامي يستند إلى مجموعة من القوى التي تمنح الأمة قدرتها على الوحدة والتعاون، فإن اتفاقية مكة تتيح الفرصة لقراءة هذا التصور في سياق عملي معاصر، من خلال البحث في مدى تجسيدها لبعض مقومات القوة الجماعية والتعاون بين الدول الإسلامية. ومن ثم لا تطرح الاتفاقية بوصفها تحققا مباشرا لرؤية النورسي، وإنما باعتبارها نموذجا معاصرا يمكن من خلاله معرفة مدى حضور بعض مبادئ تلك الرؤية في الواقع السياسي الإسلامي.
كما يؤكد النورسي -في كتاب السيرة الذاتية، ص 140- على ضرورة تجاوز المدنية الغربية التي ألحقت الظلم بالعالم الإسلامي، ويجعل من الاتحاد الإسلامي سبيلا لتحقيق المدنية الإسلامية، ويشترط لذلك الالتزام بالأسس القويمة التي تضعها الشريعة الإسلامية، وهي:
- إقامة الحق على أساس العدل لا القوة، ويعتبر ذلك هو نقطة استناد الاتحاد الإسلامي.
- تحقيق الفضيلة في المصلحة العامة بدلا من المصلحة الشخصية، والتي تكون على حساب مصلحة الأمة، حيث يعتبر ذلك هو الهدف الأسمى للاتحاد الإسلامي.
- تعزيز الروابط الدينية بدلا من القومية، إذ من شأن الرابطة الدينية تحقيق الأخوة والتساند، ويعتبر ذلك هو جهة الوحدة في الاتحاد الإسلامي.
- التعاون بدلا من الصراع، وتجاوز الخلافات الشخصية في سبيل المصلحة العامة للأمة الإسلامية، ويعبر التعاون هو دستور الاتحاد الإسلامي.
وإذا كان النورسي قد أقام تصوره للمدنية الإسلامية على أربعة أسس قويمة، هي 1. إقامة الحق والعدل بدل القوة، 2. تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، 3. تعزيز الرابطة الدينية بدل القومية، 4. التعاون بدل الصراع، فإن هذه الأسس لا تقتصر على بناء دولة إسلامية من الداخل، وإنما يمكن استحضارها في قراءة العلاقات الخارجية بين الدول الإسلامية.
ومن هنا تبرز اتفاقية مكة بوصفها نموذجا عمليا معاصرا يمكن من خلاله بحث مدى حضور هذه المبادئ في واقع العلاقات بين الدول الإسلامية، فمبدأ العدل يمكن قراءته في إطار الشراكة المتوازنة، والمصلحة العامة في إطار المصالح المشتركة، والرابطة الدينية في إطار التقارب والأخوة بين الدول الإسلامية، والتعاون في إطار التنسيق والعمل المشترك.
ولا يعني هذا الربط أن الاتفاقية تمثل تحققا كاملا للمدنية الإسلامية التي تصورها النورسي، وإنما يتيح النظر إليها باعتبارها تجربة معاصرة يمكن من خلالها اختبار مدى قابلية رؤية النورسي للتجسد في العلاقات بين الدول الإسلامية.