شهد الثاني عشر من تموز من هذا العام أول جلسة لمجلس الشعب السوري بعد الثورة السورية (الدولة السورية الثالثة) التي أنهت أحد أحلك الحقب التاريخية في التاريخ السوري، التي لم يشهد مثلها إلا في مذابح التتار.
حقبة نزف فيها الدم السوري واختلطت أوراق المجتمع من طائفية ومناطقية وثارات سيستمر أثرها لأعوام مديدة. الإشكاليات الشتى التي نجمت عن المذبحة التي قام بها نظام الأسد لا يستطيع تحملها إلا رجال وطنيون عاشوا وعانوا وآمنوا بقضية هذا الشعب، فكان لزامًا وضع قوانين ناظمة تتكفل بترشح الوطنيين له دون القتلة والمجرمين.
إن تأسيس مجلس الشعب كركن تشريعي خطوة هامة في الطريق الصحيح لدعم الاستقرار ولتستكمل الدولة أركانها الثلاثة من ركن تنفيذي وآخر قضائي وثالث تشريعي، ليصبح مجلس الشعب هو الركن العتيد الذي تتكئ عليه الدولة في أزماتها. سيكون عمله صعب واستثنائي نظراً لتحديات المرحلة المقبلة وتحديات المرحلة الأسدية البائسة التي أسست لشرخ كبير وعميق ضمن استراتيجية البقاء التي اتبعها النظام البائد. الجميع يعلم عدد الملفات الثقيلة كما هي الجبال التي تنتظر هذا المجلس، من عدالة انتقالية، وقانون الاجتثاث السياسي، وملفات اقتصادية وقضائية وغيرها.
إن ملف العدالة الانتقالية لوحدة هو ملف مرهق متعب، ويجب أن تستلمه الهيئة القانونية التي ستتشكل في المجلس، هنا تبرز خيارات أمامهم من تصحيح للقوانين الجنائية لتشديد العقوبات وسد الثغرات القانونية لكي ينال مجرمو الحرب جزاؤهم العادل أو من إقامة محاكم خاصة بجرائم الحرب والعدالة الانتقالية لما لهذه الخطوة أهمية في دعم الاستقرار المجتمعي، فالدولة السورية تعلم علم اليقين أن لا استقرار دون عدالة انتقالية، و لا تقدم وتطور ومجرمو الحرب يرتعون ويهددون، ولا استقرار والضحايا ترى قتلة أباءهم وأمهاتهم وأطفالهم تتجول بكل أريحية، فما الحرب العالمية الأولى إلا طلقة واحدة كانت كفيلة بإشعالها وحصدت أرواح الملايين من البشر، فهنا تبرز أهمية هذا الملف لدعم جهود الاستقرار بكل أشكاله، ولتخفيف الاحتقان الذي يسري في الجسد السوري المتعب، ولكي لا تتآكل محبة الشعب.
ولا ننسى أن ملف الاجتثاث السياسي أو تجريم الأسدية (سمها ما شئت فليس للاسم أهمية بقدر ما للمضمون من الأهمية) هو خطوة قد تكون الأهم لدعم الاستقرار السياسي لترسيخ أركان الدولة وللوصول لأهداف الثورة التي بدون هذا القانون سيتسرب الشبحية والقتلة – كما هو الحال حاليًا للأسف – لمناصب عليا وسيعرقلون خطوات البناء، فليس من الممكن وضع عقلية هدامة وقفت مع القتل والإجرام لبناء دولة جديدة على أسس العدالة والتنمية والتطور، ففاقد الشيء لا يعطيه.
أما الحياة السياسية التي قُتلت على مدى عقود بيد البعثية والأسدية فمن الواجب إعادة إحيائها، فملف الأحزاب والانتخابات هو ملف مهم وشاق لا يقل أهمية عن بقية الملفات التي تبرز في الوقت الحالي، فإعادة الحياة السياسية هي كعملية انعاش للحياة الطبيعية التي لأغنى عنها، وهي سد وحائط لمنع عودة الديكتاتورية والتسلط على رقاب الشعب السوري، فمن غير المقبول إعادة الديكتاتورية والسيناريو الأسدي تحت أي مسمى آخر، لأنه بقتل الحياة السياسية هو قتل للوطنية التي تسعى لبناء سوريا الجديدة التي نحلم بها، لتكون كالمجهر الذي يتقصى الخلل ويسارع لكشفه والسعي سوية لسد هذه الثغرات، فنحن ضعفاء بتفرقنا وأقوياء ببعضنا، فالعين الواحدة قد لا ترى موضع الخلل ولكن اجتماع العديد منها يكشف ما لا تستطيع العين الواحدة اكتشافه.
والناظر لما حدث في ذلك اليوم التاريخي من حياة سورية ( الدولة السورية الثالثة) من رسالة، وكان مفادها انتخاب الدكتور عبدالحميد العواك كرئيس لمجلس الشعب وهو الخبير والفقيه الدستوري الذي كان ضمن الفقهاء الدستوريين الذين صاغوا الدستور المؤقت كانت واضحة وجلية، بأن سوريا تحتاج للكفاءات وللتكنوقراط لتقود المرحلة الانتقالية لما لها من أهمية في وضع أسس الاستقرار ولقدرتها على علاج وإدارة الملفات بطريقة احترافية وذكية لتسهيل الطريق أمام هذه المرحلة الحساسة، فما التزكيات – المعمول بها الآن- إلا وجه بائس من أوجه الفساد الإداري و التي هي نسخة بائسة من نسخة الوساطات الأسدية. نضيف لذلك أن كتلة مدينة الحسكة هي من أضعف الكتل النيابية ورغم ترشح أحد أعضاء كتلة حلب الذي لم ينجح للوصول إلى رئاسة مجلس الشعب رغم قوة الكتلة الحلبية – إن صح التعبير- هذا دليل آخر من أدلة الوعي السياسي لأعضاء مجلس الشعب.
في الختام نقول إن ما ينتظر السيدات والسادة أعضاء مجلس الشعب من ملفات هي حمل ثقيل وأمانة وطنية وحمل تاريخي يؤسس لدولة العدالة والتنمية.