المنطق الاستراتيجي للصندوق السيادي السوري

في عالم بات فيه النفوذ يقاس بشكل متزايد ليس بالأراضي المحتلة، بل برأس المال المستثمر، تعيد صناديق الثروة السيادية صياغة قواعد القوة.
قد لا تلوح هذه الصناديق بالأعلام، لكنها تحركها بهدوء فوق ناطحات السحاب والشركات الناشئة وبورصات الأوراق المالية، فمنذ صدور المرسوم الرئاسي رقم 113 لعام 2025، الذي أعلن عن إحداث الصندوق السيادي السوري، برز هذا الكيان كأحد أبرز المشاريع الاقتصادية المطروحة في مرحلة ما بعد الحرب، مع رغبة بتحويله إلى أداة رئيسية لإعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد الوطني.

 

يستند الصندوق في تأسيسه إلى فكرة إدارة الأصول الحكومية واستثمارها بكفاءة، عبر مشاريع تنموية وإنتاجية تهدف إلى تحقيق عوائد مستدامة وتحريك الاقتصاد، كما يسعى إلى استغلال الموارد غير المفعلة وتحويلها إلى أدوات إنتاج، وفي ظل الحديث الرسمي عن رؤية طويلة الأمد لتحويله إلى صندوق إقليمي رائد في مجال الاستثمار، ليس الصندوق مجرد مؤسسة مالية، ولا حساباً مصرفياً ضخماً، ولا آلية تقنية لإدارة الأصول، إنه تعبير عن فكرة أخلاقية قبل أن يكون أداة اقتصادية: أن ثروة سوريا ليست ملكاً لجيل واحد، ولا لحكومة واحدة، ولا لمرحلة عابرة، بل هي حق مشترك لكل السوريين، ولمن سيولدون بعد عشرات السنين.

 

إن بروز الصندوق السيادي كمستثمر محلي استراتيجي بما في ذلك في قطاع البنية التحتية له آثار بالغة الأهمية على استخدام عائدات الموارد في السنوات المقبلة، ومن المأمول أن يسهم في إضفاء قدر من الانضباط على استخدام هذه الموارد، ومساعدة سوريا على تجنب “لعنة الموارد”، إلى جانب تمتّعه بالاستراتيجية الفعالة في العديد من الخصائص اللازمة لأداء دور هام في التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون بكونه يجمع بين هدفين رئيسيين: تحقيق عوائد مالية وتحقيق أهداف سياسية.

يركز الصندوق السيادي على الاستراتيجية المرتبطة بالسوق المحلية، ويسعى إلى حشد رؤوس الأموال الخاصة للاستثمار في القطاعات والمناطق ذات الأولوية، ويمكنه المساهمة في هذا التحول من خلال توفير رأس المال الاستثماري.

 

مبادئ سانتياغو حوكمة عالمية وتكيّف محلي:

يأتي المنطق الاستراتيجي للصندوق السيادي بقواعد ملزمة النهج التوجيهي لتصميم المبادئ من خلال وضع معايير حوكمة شاملة مع السماح بالتنفيذ الخاص، حيث يحاكي هذا النهج القائم على المبادئ أطراً دولية ناجحة أخرى مثل مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للشركات متعددة الجنسيات، أو مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول، وترسّخ مبادئ سانتياغو معايير مشتركة قابلة للتكيف مع سياقات متنوعة، ويظهر هذا الإطار قابلية التطبيق: إذ يكيف الصندوق السيادي السوري الاستراتيجية التي يركز بها على التنمية المحلية لمبادئ الحوكمة؛ مع مراعاة أهداف السياسة العامة.

 

تتناول المبادئ الأربعة والعشرون لهذا الإطار الجوانب الأساسية – الوضوح القانوني، والأهداف المحددة، وهياكل المساءلة، وإدارة المخاطر، والشفافية المناسبة – دون فرض تفاصيل تشغيلية.

 

يمكن هذا التوازن للصندوق السيادي السوري استقرار يركز على دعم الميزانية من تبني المبادئ نفسها التي تتبناها شركات الاستثمار في أصول استراتيجية، حيث يطبق كل منهما هذه المبادئ بما يتناسب مع مهامه، كما ستواصل مبادئ سانتياغو توفير إطار لإعادة تدوير الفوائض بطرق تخدم الأهداف السيادية والاستقرار النظامي على حد سواء. وسيكون ذلك إرثاً جديراً بالدفاع عنه والبناء عليه.

وفي خضم هذه الديناميكيات يبرز دور منطق قيمة المساهمين الذي تستخدمه الدولة بشكل متزايد عبر مؤسسات استثمارية جديدة، والذي يستند إلى منطق سياسي أكثر جوهرية ويسبقه، وفي سياق تحليل هذا الأساس السياسي يمكن التركيز على ثلاثة منطقات استراتيجية: منطق التنمية، ومنطق الحفاظ على النظام، ومنطق الشرعية الجيوسياسية، ويُتيح الرجوع إلى هذه المنطقات الاستراتيجية فهماً أكثر دقة وشمولية لتأثير التمويل على التنمية الرأسمالية التي تقودها الدولة من خلال صناديق الاستثمار الحكومية، والتي قد توحي بديناميكيات التقارب الكامنة في تبني الممارسات المالية التقليدية وتوقعات تعظيم قيمة المساهمين.

 

تستحق مبادئ سانتياغو التقدير باعتبارها هيكلاً شاملاً للحوكمة وقانوناً دولياً غير ملزم، لا مجرد مبادئ توجيهية قديمة للشفافية، فقد دمجت هذه المبادئ حوكمة الصندوق السيادي ضمن أطر الاقتصاد الكلي والمالي مع مراعاة التنوع السيادي، كما أنها حققت التوازن بين المساءلة المحلية والشرعية الدولية، وحققت التعاون متعدد الأطراف من خلال الدبلوماسية الوقائية.

وانطلاقاً من هذه الأهمية، يبرز الصندوق السيادي السوري كحالة تستدعي النظر في مدى قابلية هذه المبادئ للتكيف مع السياقات المحلية، فبعد سبعة عشر عاماً أثبتت المبادئ جدواها ليس من خلال الالتزام الصارم بها، بل من خلال التكيف القائم على المبادئ.

والسؤال ليس ما إذا كانت المبادئ بحاجة إلى مراجعة، بل كيف يمكن لإطارها التطوري أن يرشد الجيل القادم من الأدوات المالية المملوكة للدولة.؟!

 

وفي الختام، يمكن القول إن تعددية الأقطاب والتنافسية في السياسة العالمية، قد تزداد أهميتها بالنسبة لدولة ذات النفوذ العسكري أو السياسي المحدود كسوريا، ويعد صندوق السيادة السوري سلاحاً استراتيجياً صامتاً، لا يعمل في ساحات المعارك، بل في موازنات القوى.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

اتفاق طهران وواشنطن يقوم على تخفيف التوتر وإعادة ضبط ميزان القوى في الشرق الأوسط، مقابل مكاسب اقتصادية ورفع جزئي للعقوبات…
تتجه الدبلوماسية السورية نحو تعزيز حضورها في إفريقيا عبر شراكات تقوم على التنمية والاستقرار واحترام سيادة الدول، مستفيدةً من انفتاحها…
تقليص برنامج الأغذية العالمي لمساعداته في سوريا يهدد بتفاقم أزمة الأمن الغذائي ودفع ملايين السوريين نحو مستويات أشد من الجوع…

القائمة