لم يكن الانفجار الضخم الذي هزّ بلدة “العيس” في ريف حلب الجنوبي، فجر اليوم الاثنين (21 أيلول/سبتمبر 2026)، مجرد حادث ميداني عابر أو نتيجة خطأ فني في مخزن ذخيرة ثانوي. الحقيقة أن التوقيت وحده كفيل بإعطاء الحدث أبعاداً استراتيجية بليغة؛ إذ جاء بعد أيام قليلة فقط من خطوة أمريكية غير مسبوقة، تمثلت في رفع قيود حظر السلاح والتمويل العسكري الأجنبي (FMF) عن دمشق، بدعوى خدمة “الأمن القومي الأمريكي”.
هنا تحديداً تبرز المفارقة الصارخة: بينما تلوح واشنطن بـ “الجزرة القانونية” وفتحات الأمل للتقارب مع سوريا الجديدة، تتوالى النيران الغامضة لتلتهم أربعة مواقع عسكرية كبرى خلال شهر واحد؛ من بنّش وسرمدا في إدلب، إلى عياش بدير الزور والضمير بريف دمشق، وصولاً إلى العيس اليوم. هذا التناقض يدفعنا فوراً لتفكيك المشهد وقراءة ما يجري خلف كواليس القوى الإقليمية والدولية، وعلى رأسها واشنطن وتل أبيب.
ليلة الرعب في ريف حلب:
بدأت القصة بعد منتصف الليل بانفجار مرعب في منطقة “الهضبة” غربي بلدة العيس، وهي نقطة استراتيجية تبعد نحو 35 كيلومتراً عن قلب حلب وتطل عسكرياً على خطوط تماس شديدة الحساسية. وكما أوضحت البيانات الرسمية لوزارتي الدفاع والطوارئ، فإن هذا الانفجار الأول تلاه اشتعال حاد أسفر عن سلسلة انفجارات متلاحقة للمقذوفات والصواريخ، والتي تطايرت شظاياها لعدة كيلومترات ليصل صداها إلى أحياء مدينة حلب وريفها الغربي والشمالي.
الميدان شهد حالة استنفار قصوى؛ وزارة الداخلية أغلقت طريق دمشق-حلب الدولي (M5) كإجراء احترازي لحماية المسافرين من القذائف العشوائية، فيما واجهت فرق الدفاع المدني والإسعاف صعوبات جمة في الدقائق الأولى للوصول إلى الموقعة بسبب تطاير الشظايا. وبينما أسفرت الحصيلة الأولية عن إصابة أربعة أشخاص ونزوح عدد من العائلات المتاخمة، وجّه محافظ حلب عزام الغريب تحذيرات صارمة للأهالي بالتزام منازلهم وعدم التصوير لمنع تداول معلومات قد تضر بالأمن العملياتي.
تقاطع المصالح بين واشنطن وتل أبيب : مسح الماضي
من زاوية التحليل الاستراتيجي، فإن تكرار هذه الحوادث في أربعة مستودعات ضخمة خلال شهر واحد يتجاوز بمراحل أفكار “الصدفة الفنية”. وبينما تبحث وزارة الدفاع في الأسباب اللوجستية والأمنية، تقودنا القراءة الجيوسياسية إلى نتيجة واحدة: نحن أمام عملية “تطهير مجبرة” للمسرح العسكري السوري تتقاطع فيها أدوار واشنطن وتل أبيب بشكل وثيق.
* *الرؤية الأمريكية (واشنطن):* تدرك إدارة البيت الأبيض أن فتح الباب القانوني لشرعنة السلاح والتكنولوجيا العسكرية لدمشق لا يمكن أن يتحقق واقعياً بينما لا تزال القواعد العسكرية متخمة بأطنان من الذخائر والصواريخ الموروثة عن الحقبة السوفيتية أو القادمة عبر شبكات الإمداد الروسية والإيرانية القديمة. واشنطن تريد إعادة بناء مؤسسة عسكرية سورية خالية من السلاح القديم وتخضع لمعايير الرقابة والتحقق الدولية.
* *البصمة الإسرائيلية (تل أبيب):* تل أبيب، التي تُصعّد من عملياتها وتوغلاتها مؤخراً، تخدم هذه المعادلة عبر “الضربات الجراحية الصامتة”. إسرائيل لا تريد القبول ببقاء ترسانة صواريخ قديمة أو غير منضبطة في الجغرافيا السورية، وترى في تدمير هذه المخازن—أو حتى الاستفادة من تهالك بنيتها التحتية لتسهيل اشتعالها—فرصة لفرض واقع أمني جديد يضمن تحييد أي تهديد موجه نحو حدودها الشمالية.
التنافس الخفي: هواجس تل أبيب من “الجيش السوري الجديد”
رغم التقاطع الحاصل في تصفية الترّكة القديمة، إلا أن هناك خط تماس وتناقض مكتوم بين واشنطن وتل أبيب يطفو على السطح:
واشنطن تسعى لصناعة جيش سوري موحد ومحترف ومجهز بتكنولوجيا غربية، يكون شريكاً في استقرار المنطقة ومحاربة الإرهاب.
وتل أبيب تنظر بعين الريبة والتحفظ لهذه الرؤية؛ إذ تخشى أن أي بناء عسكري سوري متطور ومُعطى غطاءً أمريكياً قد يقلب موازين القوى على المدى البعيد، ويعيد تقييد حرية الحركة العملياتية التي اعتادت عليها إسرائيل في السماء والجغرافيا السورية، لذلك تسعى تل أبيب عبر القوة العسكرية إلى فرض شروط أمنية قاسية تجعل أي تسليح سوري آتٍ تحت مظلة واشنطن مقيداً بضمانات أمنية صارمة لصالحها.
ضغط الشارع وقطع شريان الإمداد:
التداعيات الميدانية لانفجار العيس تتجاوز الخسارة المباشرة للعتاد؛ فالبلدة تعتبر الشريان اللوجستي المحرك لمحاور الشمال المحاذية لإدلب. ونسف هذا المخزون يُضعف مؤقتاً القدرة النارية للجيش في هذا القطاع، مما يقلل من الدعم العملياتي للفصائل والقوات الحليفة التي تسعى واشنطن لإبعادها عن المشهد كشرط أساسي لتسييل إعفاءات العقوبات.
على الجانب الآخر، فإن تساقط الصواريخ فوق بيوت المدنيين وتعطيل حركة الطريق الدولي (M5) خلقا حالة من الغضب والضغط الشعبي المحلي. هذا الغضب يتحول اليوم إلى مطالب علنية بإخلاء القرى والبلدات من المظاهر المسلحة ومستودعات الذخيرة، وهو ما يضع القيادة العسكرية في موقف أحكمت حلقاته؛ إذ تضطر لتفكيك نقاط إمدادها القريبة من الجبهات، مما يحدّ من مرونتها وحركتها السريعة إذا ما انقلبت المعادلة الميدانية فجأة.
الحسابات التركية: عين على الفرصة وأخرى على التوجس
شمالاً، تدور هذه التطورات داخل أروقة القرار في أنقرة بقراءات حذرة تجمع بين الفرص والمخاوف:
مساحة الاستثمار: ترى تركيا في تهاوي مستودعات التخزين الشرقية وتراجع نفوذ حلفاء إيران وروسيا فرصة لا تُفوّت لتثبيت الاستقرار وتأمين حدودها الجنوبية، مما يقلل من احتمالية أي عمل عسكري مفاجئ باتجاه مناطق نفوذها.
مبعث التوجس: في الوقت ذاته، يثير قرار رفع حظر السلاح الأمريكي قلقاً تركياً مكتوماً يشبه إلى حد كبير هواجس إسرائيل؛ فأنقرة لا ترغب في رؤية تحول نوعي عسكري في دمشق يحد من نفوذها الإقليمي، مما يدفعها لجهود دبلوماسية مكثفة لتضمن لنفسها دور “العراب” في المرحلة الانتقالية لحماية أمنها القومي.
الخلاصة:
في المحصلة، لا يبدو انفجار مستودع العيس مجرد حادث طارئ، بل هو ترجمة عملية للصراع المحتدم حول شكل ومستقبل سوريا. واشنطن تفتح باب إعادة التسلح والتمويل باليد اليمنى عبر التشريع والمال، بينما تتكفل النيران الصامتة—التي تبدو تل أبيب القوة الأبرز خلفها—باليد اليسرى بمسح ركام الماضي وسلاحه القديم. والنتيجة الدائمة لهذه التفاعلات هي دفع سوريا قسراً نحو التخلي عن عشوائية التخزين وعقيدة المحاور السابقة، والانتقال نحو مؤسسة عسكرية نظامية خاضعة للمواصفات الدولية؛ وسط تجاذب حاد بين واشنطن التي ترسم المخطط، وتل أبيب وأنقرة اللتين تحاولان ضبط إيقاعه لضمان مصالحهما الأمنية والإقليمية.