لم تعد العلاقة بين دمشق وطهران بعد سقوط نظام بشار الأسد مجرد ملف دبلوماسي يحتاج إلى إعادة تفعيل، بل أصبحت واحدة من أكثر العلاقات الإقليمية تعقيداً في مرحلة إعادة تشكيل سوريا والمنطقة.
فإيران التي كانت لسنوات أحد أبرز الداعمين الإقليميين لنظام الأسد، وجدت نفسها أمام واقع سياسي جديد في دمشق لا يشبه المرحلة السابقة، بينما وجدت الحكومة السورية الجديدة نفسها أمام سؤال بالغ الحساسية: كيف يمكن لسوريا أن تتعامل مع إيران دون العودة إلى علاقة تقوم على النفوذ والتبعية، ودون أن تتحول القطيعة معها إلى مصدر دائم للتوتر؟
الإجابة التي بدأت دمشق تقدمها تبدو واضحة: لا عودة إلى العلاقة السابقة، ولكن لا إغلاق نهائي لباب الدبلوماسية.
وهنا تحديداً تبدأ ملامح العلاقة السورية–الإيرانية الجديدة.
فدمشق لا تبدو معنية بإعادة إنتاج تحالفات المرحلة السابقة، ولا تبدو في المقابل راغبة في فتح جبهة عداء دائمة مع طهران. إنها تحاول نقل العلاقة من نموذج النفوذ إلى نموذج الدولة، ومن التحالف القائم على شبكات أمنية وعسكرية إلى علاقة يمكن أن تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل للسيادة.
الاعتراف أولاً… ثم السياسة
تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني خلال زيارته إلى باكستان في آب/أغسطس 2026 حملت دلالة واضحة في هذا الاتجاه.
فالشيباني قال إن أي تحسن في العلاقات مع إيران يحتاج إلى أن تعترف طهران بما فعلته في سوريا وبما تعرض له السوريون، موضحاً أن دمشق لا تبحث حالياً عن تحسين العلاقات مع إيران، لكنها لا تمانع في أي دور مستقبلي إذا تغيرت السياسة الإيرانية وتوافرت شروط الحوار. وفي الوقت نفسه، نفت دمشق أن تكون هناك وساطة باكستانية رسمية جرى الاتفاق عليها خلال تلك الزيارة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام احتمال قيام إسلام آباد بدور في المستقبل.
وهذا التفصيل مهم للغاية.
فدمشق لا تقول إن الدبلوماسية انتهت، وإنما تقول إن الدبلوماسية لا تعني تجاوز الماضي.
إيران، من وجهة النظر السورية الجديدة، ليست دولة جارة عادية؛ فقد كانت طرفاً أساسياً في الحرب السورية، وارتبط حضورها العسكري والأمني والسياسي بنظام الأسد. ولذلك فإن إعادة بناء الثقة لا يمكن أن تبدأ من نقطة الصفر وكأن السنوات الماضية لم تحدث.
لكن الاعتراف وحده لن يكون كافياً.
فأي مفاوضات مستقبلية ستحتاج إلى معالجة ملفات أكثر تعقيداً: الوجود الأمني والعسكري، شبكات النفوذ، الحدود، ممرات السلاح، العلاقات الاقتصادية، الملفات الإنسانية، وضع الجماعات المسلحة، وعدم استخدام الأراضي السورية في صراعات إقليمية.
ولهذا فإن المصالحة السورية–الإيرانية، إن حدثت، لن تكون حدثاً واحداً، بل عملية سياسية طويلة ومتدرجة.
من الوساطة إلى إعادة تعريف العلاقة
وهنا تبرز أهمية الحديث عن باكستان.
فزيارة الشيباني إلى إسلام آباد في آب/أغسطس كانت أول زيارة لوزير خارجية سوري إلى باكستان منذ تشكيل الحكومة السورية الجديدة، وشهدت بحث تعزيز التعاون السياسي والأمني والاقتصادي والمؤسساتي. كما أكدت باكستان دعمها لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، ودعت إلى توسيع التعاون بين البلدين في مجالات متعددة.
وفي سياق التوترات الإقليمية، كانت إسلام آباد قد أكدت أيضاً استعدادها للقيام بدور بنّاء في جهود خفض التصعيد والحوار الإقليمي.
ومن هنا، فإن قيمة باكستان بالنسبة إلى دمشق لا تختصر في إمكانية لعب دور بين سوريا وإيران.
الأهم أن سوريا تنظر إلى باكستان باعتبارها بوابة إلى فضاء آسيوي أوسع.
فإعادة بناء العلاقات مع إسلام آباد تفتح مجالاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً جديداً أمام دمشق، وتساعدها على تنويع خياراتها الخارجية، بدل أن تبقى علاقاتها محصورة في الدائرة الجغرافية التقليدية المحيطة بها.
وهذا يقود إلى تحول أوسع في السياسة السورية: آسيا لم تعد هامشاً في السياسة الخارجية السورية، وإنما أصبحت جزءاً من إعادة تعريف الموقع السوري.
سوريا تتجه شرقاً… ولكن ليس نحو محور جديد
خلال المرحلة الجديدة، بدأت دمشق في تطوير علاقاتها مع عدد من الدول الآسيوية، من باكستان إلى أذربيجان وأوزبكستان، مع تنامي التواصل مع كازاخستان وغيرها من دول آسيا الوسطى.
وهذه العلاقات لا تحمل أهمية سياسية فقط.
فآسيا الوسطى تمثل فضاءً جيوسياسياً واقتصادياً مهماً، وترتبط تاريخياً وجغرافياً بشبكات التجارة الممتدة عبر طرق الحرير، بينما تستطيع سوريا، بحكم موقعها على المتوسط وقربها من العراق وتركيا، أن تكون جزءاً من مسارات جديدة تربط آسيا بالبحر المتوسط والأسواق العربية والأوروبية.
ولهذا فإن الانفتاح السوري على أذربيجان وأوزبكستان وكازاخستان وغيرها يمكن قراءته ضمن سياسة أوسع لتنويع الشركاء.
وإذا نجحت دمشق في تطوير شبكة متوازنة من العلاقات مع تركيا ودول الخليج وآسيا الوسطى وباكستان وأوروبا، فإنها ستصبح أقل اعتماداً على أي قوة إقليمية منفردة.
وهنا تتغير معادلة العلاقة مع إيران.
فكلما اتسعت شبكة العلاقات السورية، أصبح بإمكان دمشق أن تتعامل مع طهران من موقع تنويع الخيارات، لا من موقع الحاجة إلى الحماية.
تركيا… البعد الأمني في إعادة ترتيب الإقليم
إلى جانب باكستان، تلعب تركيا دوراً مهماً في البيئة الجديدة المحيطة بسوريا.
أنقرة تؤكد بصورة متكررة أهمية التعاون مع سوريا والعراق في قضايا الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وقد بحث المسؤولون الأتراك والسوريون في آب/أغسطس 2026 التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والتطورات الإقليمية، بما في ذلك عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
كما أن الخطاب التركي حول بناء منطقة خالية من الإرهاب، وتعزيز التعاون مع دول الجوار، يفتح نقاشاً أوسع حول إمكانية قيام ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
وهنا يمكن فهم فكرة التعاون بين سوريا والعراق وتركيا وإيران في مكافحة الإرهاب وأمن الحدود باعتبارها إحدى الصيغ التي قد تجعل التواصل السوري–الإيراني جزءاً من ترتيبات أمنية إقليمية محددة، بدل أن يكون عودة إلى تحالف سياسي شامل.
والفرق جوهري.
فقد تتعاون دولتان في مكافحة الإرهاب أو حماية الحدود أو تبادل المعلومات، من دون أن تتحولا إلى حليفتين في كل الملفات.
وهذا هو النموذج الذي يمكن أن تحتاج إليه المنطقة في المرحلة المقبلة: التنسيق الإجباري في الملفات المشتركة، مع بقاء الاختلاف السياسي قائماً حيث توجد مصالح متعارضة.
تركيا وإيران وسوريا: هل يمكن أن يتحول الأمن إلى جسر؟
المفارقة أن التوترات الإقليمية نفسها قد تدفع الخصوم إلى التواصل.
تركيا وإيران دولتان متنافستان في بعض الملفات، لكنهما تدركان في الوقت نفسه أن أمن الحدود ومحاربة التنظيمات المسلحة واستقرار العراق وسوريا قضايا لا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضهما.
وقد أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في حديثه عن العلاقات مع إيران، أهمية استمرار الاتصالات بين البلدين بالنسبة إلى الأمن والازدهار الإقليميين.
ومن هنا يمكن أن تصبح سوريا جزءاً من منظومة أوسع من الاتصالات الأمنية.
لكن دمشق، في المقابل، تريد أن يكون أي تعاون من هذا النوع قائماً على مؤسسات الدولة السورية، لا على السماح لقوى خارجية بإعادة بناء نفوذ مستقل داخل الأراضي السورية.
وهذا يفسر جوهر الموقف السوري:
التنسيق نعم، الوصاية لا.
التعاون نعم، النفوذ الموازي لا.
العلاقات نعم، العودة إلى نموذج ما قبل سقوط الأسد لا.
العراق ولبنان: استعادة الدولة تعيد تشكيل الأوراق الإيرانية
هناك تحول آخر بالغ الأهمية يتعلق بالعراق ولبنان.
فدمشق تعمل على بناء علاقات رسمية مع بغداد وبيروت، بما يجعل الحكومات والمؤسسات الرسمية هي الإطار الأساسي للعلاقات، بدل أن تكون الفصائل والقوى غير الحكومية هي قنوات التواصل الرئيسية.
وهذا التحول يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى إيران، لأن جزءاً من نفوذها الإقليمي خلال السنوات السابقة كان يعتمد على شبكة من الفواعل غير الحكومية في عدد من دول المنطقة.
أما سوريا الجديدة، فتبدو أكثر تمسكاً بمبدأ مختلف:
التعامل مع الدولة باعتبارها الدولة، ومع الحكومة باعتبارها الحكومة، ومع المؤسسات باعتبارها الإطار الشرعي للعلاقات.
وبالتالي فإن تعامل دمشق مع الفصائل العراقية المرتبطة بإيران، وكذلك تعاملها مع حزب الله، يأتي ضمن مفهوم أوسع هو حصر السلاح والقرار الأمني ضمن مؤسسات الدولة.
وهذا لا يعني بالضرورة إعلان مواجهة مفتوحة مع إيران أو مع حلفائها، لكنه يعني تضييق المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها شبكات النفوذ خارج المؤسسات الرسمية.
وبذلك تتغير إحدى أهم قواعد اللعبة الإقليمية.
فما كان يُدار سابقاً عبر النفوذ غير المباشر، تحاول دمشق الجديدة أن تعيده إلى طاولة العلاقات بين الدول.
لبنان والعراق والأردن: سوريا تعيد بناء محيطها
في الوقت نفسه، تعمل دمشق على تحسين علاقاتها مع محيطها العربي والإقليمي.
العراق يمثل عمقاً شرقياً اقتصادياً وأمنياً.
الأردن يمثل بوابة جنوبية مهمة نحو الخليج والأسواق العربية.
لبنان يمثل امتداداً جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً لا يمكن تجاهله.
وتركيا تمثل بوابة شمالية كبرى وممراً إلى أوروبا وآسيا.
وبالتالي فإن سوريا لا تعيد بناء علاقاتها مع إيران من فراغ؛ بل تفعل ذلك في الوقت نفسه الذي تعيد فيه ترتيب علاقاتها مع محيطها كله.
وهذا يمنحها هامشاً استراتيجياً مختلفاً.
فالعلاقة مع إيران لم تعد هي العلاقة التي تحدد موقع سوريا الإقليمي، وإنما أصبحت واحدة من مجموعة علاقات تعمل دمشق على إدارتها بالتوازي.
لماذا تحتاج إيران إلى دمشق؟
إيران نفسها تواجه بيئة إقليمية مختلفة.
فتراجع نفوذها في سوريا بعد سقوط الأسد، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة، يجعل الحفاظ على قنوات اتصال مع دمشق أكثر أهمية من السابق.
كما أن استمرار التوترات الإقليمية يفرض على طهران التعامل مع جغرافيا لا يمكن تجاوزها.
فسوريا تقع على تقاطع طرق بين العراق وتركيا ولبنان والأردن والبحر المتوسط، وأي تغير في موقعها الإقليمي ينعكس على موازين القوى في المنطقة.
ولهذا فإن إيران قد تكون معنية بإعادة فتح قناة سياسية مع دمشق، حتى لو كانت العلاقة الجديدة أقل عمقاً بكثير من العلاقة التي كانت قائمة في عهد الأسد.
لكن المشكلة بالنسبة إلى طهران هي أن دمشق لم تعد تتعامل معها من الموقع نفسه.
فالدولة السورية الجديدة تحاول إعادة بناء مؤسساتها، وتوسيع علاقاتها الخارجية، وجذب الاستثمارات، وفتح الأسواق، وترميم علاقاتها العربية والدولية.
وهذا يعني أن العلاقة مع إيران لن تكون علاقة حماية، وإنما علاقة مصالح.
ولماذا تحتاج سوريا إلى عدم قطع العلاقة نهائياً؟
في المقابل، لا تملك دمشق مصلحة واضحة في تحويل إيران إلى خصم دائم.
إيران دولة إقليمية كبيرة، ولها حدود مع العراق، وتأثير في ملفات أمنية وسياسية متعددة، وقدرة على التأثير في الإقليم.
والدولة التي تريد بناء سياسة خارجية مستقلة لا تحتاج إلى تحويل كل خلاف إلى قطيعة.
بل تحتاج إلى القدرة على التحدث مع الجميع.
ولهذا فإن إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحاً يمكن أن يكون جزءاً من استراتيجية سورية أوسع لإدارة الخلاف.
فالقناة الدبلوماسية لا تعني الموافقة على سياسات الطرف الآخر، كما أن التواصل لا يعني المصالحة الكاملة.
وفي العلاقات الدولية، قد يكون وجود قناة اتصال في لحظة التوتر أكثر أهمية من وجود علاقة جيدة في لحظة الاستقرار.
إسرائيل… العامل الذي يعيد فرض التنسيق الإقليمي
لا يمكن فصل كل ذلك عن التطورات المرتبطة بإسرائيل.
فالمنطقة دخلت خلال 2026 في مرحلة أمنية شديدة التعقيد، فيما لا تزال سوريا تحاول منع تحول أراضيها إلى ساحة للصراع الإقليمي. وفي الوقت نفسه، بقيت المفاوضات الأمنية السورية–الإسرائيلية مرتبطة بقضايا الحدود والوجود العسكري والضمانات الأمنية.
وهنا تبرز مفارقة مهمة.
فحتى الدول التي تختلف سياسياً مع بعضها قد تجد نفسها مضطرة إلى التنسيق عندما تواجه تهديدات عابرة للحدود.
ومن هذه الزاوية، فإن استمرار التوتر الإقليمي قد يدفع سوريا وإيران وتركيا والعراق إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ولو في الحد الأدنى.
لكن هذا التنسيق لا يعني عودة المحاور القديمة.
بل قد يكون تنسيقاً وظيفياً حول ملفات محددة: أمن الحدود، مكافحة التنظيمات المسلحة، منع الفوضى، حماية طرق التجارة، وإدارة الأزمات.
خمسة سيناريوهات للعلاقة السورية–الإيرانية
أولاً: المصالحة المشروطة
وهو مسار يقوم على اعتراف إيران بإرث المرحلة السابقة، واحترام سيادة سوريا، وعدم إعادة بناء شبكات نفوذ عسكرية أو أمنية خارج المؤسسات السورية، مقابل فتح دمشق تدريجياً أبواب العلاقات السياسية والاقتصادية.
في هذه الحالة، يمكن أن تبدأ العملية بإعادة تفعيل القنوات الدبلوماسية، ثم تطوير الاتصالات السياسية، وصولاً إلى التعاون الاقتصادي والتجاري.
لكن العلاقة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل سقوط الأسد.
بل ستكون علاقة جديدة بين دولتين تتفقان في بعض الملفات وتختلفان في ملفات أخرى.
ثانياً: التطبيع البارد
قد تنجح الدبلوماسية في منع القطيعة، لكنها لا تنجح في بناء ثقة كاملة.
فتبقى السفارات والاتصالات الرسمية، وربما تنمو التجارة، بينما تبقى الملفات الأمنية والسياسية محل خلاف.
وهذا النموذج لا يعني فشل الدبلوماسية.
فليس مطلوباً أن تتحول دمشق وطهران إلى حليفتين لكي تنجحا في إدارة خلافاتهما.
ثالثاً: الوساطة الإقليمية
إذا تعثرت المفاوضات المباشرة، يمكن أن تظهر أدوار لدول تمتلك قنوات مع الطرفين.
وتبدو باكستان من الدول التي تملك مؤهلات سياسية لذلك، إلى جانب العراق أو سلطنة عُمان أو قطر بحسب طبيعة الملف.
لكن الوساطة، في حال حدوثها، ينبغي أن تكون لتقريب المواقف لا لفرض ترتيبات على دمشق.
وتبقى تصريحات الشيباني في إسلام آباد مهمة هنا: دمشق لم تعلن قبول وساطة رسمية، لكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام دور باكستاني مستقبلي إذا تغيرت الظروف.
رابعاً: التنافس غير المباشر
قد لا تعود إيران إلى سوريا رسمياً بالطريقة السابقة، لكنها قد تحاول الحفاظ على قنوات تأثير سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
وفي المقابل، تعمل دمشق على تعزيز مؤسسات الدولة ومنع أي نفوذ خارجي من التحول إلى قوة موازية.
وهنا يمكن أن تتحول العلاقة إلى منافسة هادئة على النفوذ.
خامساً: التنسيق الأمني المحدود
وهو سيناريو مختلف عن المصالحة الشاملة.
قد تتفق دمشق وطهران، بصورة مباشرة أو ضمن إطار إقليمي أوسع، على ملفات محددة مثل مكافحة الإرهاب وأمن الحدود ومنع الفوضى الإقليمية.
وهذا النوع من التعاون قد يصبح أكثر احتمالاً إذا تطورت الترتيبات الأمنية التي تدفع بها دول المنطقة.
من «مع من نقف؟» إلى «ماذا نريد؟»
ربما يكون التحول الأكبر في السياسة الخارجية السورية هو الانتقال من السؤال التقليدي:
مع من نقف؟
إلى سؤال أكثر ارتباطاً بمفهوم الدولة:
ماذا نريد من كل علاقة؟
فدمشق تستطيع أن تتعاون مع تركيا في الأمن والاقتصاد.
وتفتح قنوات أوسع مع باكستان.
وتطور علاقاتها مع السعودية وقطر والإمارات.
وتوسع حضورها في آسيا الوسطى.
وتبني علاقات جديدة مع أوروبا والولايات المتحدة.
وتتفاوض مع إسرائيل حول ترتيبات أمنية.
وفي الوقت نفسه، تترك الباب مفتوحاً أمام علاقة جديدة مع إيران.
ولا يوجد تناقض بالضرورة بين هذه المسارات.
فالدولة الطبيعية لا تحتاج إلى حليف واحد كي تعرّف سياستها الخارجية.
بل تحتاج إلى شبكة واسعة من العلاقات تجعل مصالحها موزعة، وخياراتها متعددة، وقرارها أكثر استقلالاً.
إيران أمام اختبار مختلف
بالنسبة إلى إيران، لا يتعلق الأمر فقط بخسارة النفوذ في سوريا، وإنما بإعادة تعريف طريقة التعامل مع دولة سورية تغير نظامها السياسي واتجاهاتها الخارجية.
فإذا تعاملت طهران مع سوريا الجديدة باعتبارها دولة مستقلة ذات مؤسسات وقرار سيادي، يمكن أن تجد مساحة لعلاقة جديدة.
أما إذا حاولت إعادة إنتاج الأدوات التي استخدمت خلال المرحلة السابقة، فإن ذلك سيصطدم برؤية سورية مختلفة تقوم على حصر السلاح والقرار الأمني والعلاقات الخارجية ضمن مؤسسات الدولة.
وهنا تحديداً ستصبح قدرة إيران على التكيف مع المعادلة الجديدة عاملاً رئيسياً في تحديد مستقبل العلاقة.
سوريا لا تريد عداوة إيران… ولا تريد إيران داخل الدولة
من هنا يمكن فهم الموقف السوري على أنه محاولة لصياغة معادلة دقيقة:
لا قطيعة دائمة مع إيران، ولا عودة إلى علاقة النفوذ القديمة.
دمشق تريد اعترافاً بالماضي قبل تجاوز الماضي.
وتريد علاقات رسمية بدل الشبكات الموازية.
وتريد تعاوناً اقتصادياً بدل الحضور العسكري.
وتريد تنسيقاً أمنياً عندما تفرضه الجغرافيا والمصالح، ولكن عبر الدولة السورية ومؤسساتها.
كما تريد أن يكون أي انفتاح على إيران جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات، لا أن يتحول إلى محور جديد يحل محل المحاور السابقة.
وهذا ما يجعل الانفتاح على باكستان وآسيا الوسطى والعالم العربي وتركيا والعراق والأردن ولبنان مهماً في قراءة مستقبل العلاقة مع طهران.
الخلاصة: العلاقة الجديدة ستولد من موقع سوريا الجديد
العلاقة السورية–الإيرانية تدخل اليوم مرحلة اختبار تاريخية.
لكن هذا الاختبار لا يتعلق بإيران وحدها.
إنه يتعلق أيضاً بسوريا الجديدة وموقعها في الإقليم.
فدمشق التي تعيد بناء علاقاتها مع تركيا والعراق والأردن ولبنان، وتنفتح على الخليج، وتوسع حضورها في آسيا، وتطور علاقاتها مع باكستان وأذربيجان وأوزبكستان وكازاخستان، لا تتعامل مع إيران من الموقع الجيوسياسي الذي كانت عليه سوريا في عهد الأسد.
لقد تغيرت البيئة التي تتحرك فيها دمشق.
وبالتالي تغيرت أيضاً قيمة العلاقة مع طهران.
قد تنجح الوساطة أو القنوات الدبلوماسية في فتح صفحة جديدة، وقد تبقى العلاقة في إطار التطبيع البارد، وقد يتحول التعاون الأمني المحدود إلى مدخل لعلاقة أوسع.
لكن الثابت في كل هذه السيناريوهات أن العودة إلى النموذج القديم تبدو غير منسجمة مع التصور الذي تقدمه دمشق عن علاقاتها الخارجية الجديدة.
فالمعادلة التي تحاول سوريا ترسيخها تقوم على أن السيادة هي نقطة البداية، والمصلحة الوطنية هي معيار العلاقة، والدولة هي إطارها، والدبلوماسية هي وسيلتها.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستعود سوريا إلى إيران أم لا؟
بل أصبح: هل تستطيع سوريا وإيران بناء علاقة جديدة تتجاوز إرث الصراع دون أن تتجاوز سوريا سيادتها؟
وهل تستطيع طهران أن تتعامل مع دمشق بوصفها شريكاً مستقلاً، لا ساحة نفوذ؟
وهل تستطيع دمشق أن تتعامل مع إيران بوصفها جاراً إقليمياً مهماً، دون أن تسمح بإعادة إنتاج أدوات الماضي؟
إذا نجح الطرفان في الإجابة عن هذه الأسئلة، فقد تولد علاقة سورية–إيرانية مختلفة جذرياً عن العلاقة التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية.
أما إذا فشلت الدبلوماسية، فلن تكون النتيجة بالضرورة عودة إلى القطيعة الكاملة؛ فقد نشهد مرحلة من التنافس على النفوذ، وإدارة الحدود، والتنسيق الأمني المحدود، وإعادة تشكيل التحالفات.
وفي الحالتين، يبقى التحول الأهم في السياسة السورية هو أن دمشق لا تبدو راغبة في اختيار محور ضد محور، بقدر ما تسعى إلى بناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات تجعل سوريا جزءاً فاعلاً في الإقليم، لا ساحة لتنافس الآخرين.
وهنا ربما تكمن الصورة الأوسع للعلاقة مع إيران:
سوريا لا تغلق الباب أمام طهران، لكنها تريد أن يكون الدخول هذه المرة من بوابة الدولة، لا من بوابة النفوذ؛ ومن بوابة المصالح، لا من بوابة التبعية؛ ومن بوابة الدبلوماسية، لا من بوابة السلاح.
وهذه ليست مجرد إعادة فتح لعلاقة قديمة، بل محاولة لبناء علاقة جديدة من نقطة مختلفة تماماً: سوريا الجديدة.