كيف تبني الدولة شبكة حماية اجتماعية للفئات الأكثر هشاشة في مرحلة التعافي الاقتصادي؟
عندما تخرج الدولٌ من أتون الحروب والنزاعات لا يتغير فقط مشهد الاقتصاد الاجتماعي، بل يتغير منطق القرار الاقتصادي جذرياً ففي اقتصادات الحرب، يكون السؤال الأساسي للأطراف الفاعلة الإنسانية والتنموية من هم الأكثر ضرراً؟ ومن يحتاج إلى المساعدة الفورية للبقاء؟ وهو سؤال يندرج في سياقات الطوارئ والاستجابة
أما في مرحلة التعافي المبكر ومسارات التنمية وإعادة الإعمار فيتحول السؤال إلى معادلة أكثر تعقيداً: أين تُوجه الدولة تخصيصات التمويلات الدولية وموارد خزينة الدولة الشحيحة بحيث تولّد أكبر أثر اقتصادي مضاعف، هذا التحول ليس ترفاً منهجياً في حالة دولة خارجة من حرب طويلة كحالة سورية، بل هو شرط حتمي للانتقال من اقتصاد ريعي يعتمد على المساعدات والاستجابة، إلى اقتصاد يبدأ بإعادة إنتاج نفسه ، غير أن هذا التحول يخلق مفارقة هيكلية لا يجوز تجاهلها: المكان الأكثر قدرة على توليد التعافي الاقتصادي والصناعي والزراعي، ليس بالضرورة المكان الذي يضم نسبة الأكثر احتياجاً والأشد ضرراً وهنا تتجلى واحدة من أعقد مسائل التوتر الاقتصادي-الاجتماعي في سورية ما بعد الحرب.
مفارقة التخصيص بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية:
لنفترض أن الدولة ستطلق مشاريع إسكانية وبناء بيوت سكنية المنطق الإنساني الإغاثي يميل إلى البناء في مناطق الدمار الأكبر أو إلى دعم إرجاع النازحين وإغلاق المخيمات، لكن من منظور الاقتصاد المكاني للتعافي قد يكون بناء مجمع سكني بالقرب من منطقة صناعية أو بجانب محور من المعامل الإنتاجية ذات ميزة اقتصادية تمتلك قدرة أكبر على خلق دورة متكاملة في منظومة الاقتصاد تبدأ بتأمين فرص العمل، وسهولة النقل، وزيادة الطلب المحلي، وإعادة بناء سلاسل القيمة نظراً لأن الموارد المالية والقدرات التنفيذية في سورية محدودة بحدود الكسر.
وبذلك تحديد الأولويات ليس خياراً، بل هو قيد اقتصادي صارم تُركز فيه خزينة الدولة والتمويل الدولي على المناطق ذات القدرة الأعلى على استعادة النشاط الاقتصادي والصناعي والزراعي بناءً على معطيات البنية التحتية المتبقية، رأس المال البشري، والقرب من أسواق الإمداد، فمن الطبيعي أن تستفيد هذه المناطق أولاً من التدفقات الاستثمارية ومشاريع البنية التحتية ومشاريع إعادة التأهيل وفرص العمل، غير أن هذا المنطق، رغم صحته الاقتصادية، يحمل مخاطر اجتماعية عميقة تكمن فيمن سيُترك خارج دائرة الأولويات؛ فالفئات الأكثر هشاشة قد لا تكون في قلب استراتيجية التعافي، لكنها جزء من النسيج المجتمعي الذي يُراد إعادة بنائه، وتهميشها سيؤدي إلى تفاقم الفقر وزيادة الضغط على الدولة وارتفاع معدلات الجريمة الاقتصادية وحتى من الممكن أن تصل الى الهجرة.
هل التعافي المتزامن ممكن في الدولة؟ وكيف تمنع الدولة تحول الفقر المؤقت الناتج عن النزاع إلى فقر هيكلي متوارث؟
من غير الواقعي، بل ومن غير الكفاءة الاقتصادية، أن نتوقع تعافي جميع المناطق والقطاعات السورية بنفس المعدل فالتباين في المقومات الإنتاجية بين المحافظات والمدن يفرض واقعاً يتميز في التعافي غير المتزامن بعض المدن ستكون جاذبة للاستثمار وبعض القطاعات كالزراعة والصناعات التحويلية الخفيفة ستولد فرص عمل بسرعة أكبر من قطاعات أخرى، هذا التباين ليس مشكلة بحد ذاته في مرحلة التعافي، بل هو سمة من سمات الاقتصاديات النامية لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن يتحول التفاوت المؤقت في سرعة التعافي إلى تفاوت دائم في فرص الحياة الاقتصادية وفي فرص سبل العيش
لذا، المطلوب ليس التوزيع المتساوي والذي يؤدي إلى هدر الموارد وتشتيت الأثر التنموي، بل صياغة مسار وطني للحماية الاجتماعية يحمي من لا يستطيعون الاستفادة من موجة التعافي الأولى، حتى تتسع دائرة النشاط الاقتصادي وتصل إليهم، وهذا يتطلب إعادة تعريف الحماية الاجتماعية كون لم يعد مقبولاً التعامل معها كـ إعانة استهلاكية مفتوحة تثقل كاهل الموازنة العامة وتساهم في تشوهات السوق وبذلك يجب بناء شبكة حماية انتقالية ترتبط عضوياً بعملية التعافي الاقتصادي.
الهدف من هذه الشبكة هو منع تحول الفقر المؤقت الناتج عن الحرب إلى فقر هيكلي متوارث فالأسر التي تستهلك مدخراتها أو تبيع أصولها الإنتاجية لتأمين الغذاء اليومي، والعامل الذي يفقد مهارته واتصاله بسوق العمل بسبب البطالة الطويلة، يدخلان في فخاخ الفقر الدائم الحماية هنا يجب أن تكون جسراً بين وضعين اقتصاديين، وليست بديلاً عن الاقتصاد.
كيف تكييف سياسات الأمان والحماية الاجتماعية مع مسارات التعافي المكانية في سورية؟
إن المساعدات الإنسانية التي تقتصر على إبقاء الناس على قيد الحياة دون إعادة بناء القدرات الإنتاجية هي مساعدات قصيرة النظر؛ الهدف الحقيقي للتعافي ليس إطعام الفقراء، بل تمكينهم من إطعام أنفسهم عبر استعادة البنية التحتية وسلاسل القيمة لذلك يقتضي التدخل الاقتصادي الذكي من خلال دمج مساري التعافي والتنمية مع الحماية الاجتماعية في سياسات متداخلة، يمكن تطبيقها في الساحة السورية على أشكال عديدة منها:
1- في مناطق الاستثمار الصناعي والتجاري: لا يكفي توفير البنية التحتية للمصانع، بل يجب تصميم برامج تدريب موجّه للطلب وبرامج توظيف مدعومة تُمكّن العمال المحليين من الوصول إلى الوظائف المنشأة حديثاً، بدلاً من استقدام عمالة من خارج المنطقة.
2- في المناطق ذات الزراعة المروية والقطاع الزراعي: بجب ربط برامج الحماية بدعم صغار المنتجين عبر إدخالهم في سلاسل القيمة الجديدة (توفير البذور، الأسمدية، التسويق، القروض، بناء تعاونيات زراعية، تأمين جرارات زراعية)، لمنع تهميشهم من قبل كبار المزارعين أو الشركات الاستثمارية.
3- في المدن التي سيتم البدأ فيها بمشاريع إعادة الإعمار الواسعة: يجب استخدام آليات العمل مقابل النقد (Cash-for-Work) في مشاريع البنية التحتية المحلية، هذا سيحقق هدفين:
-
- تسريع عملية التعافي المبكر والتجهيز لمرحلة إعادة الإعمار.
- ضخ سيولة نقدية مباشرة في جيوب الأسر المتضررة مما ينعش الطلب المحلي.
4- في المناطق ذات القدرة الاقتصادية المنخفضة: تفعيل شبكات الأمان الاجتماعي (كدعم المصابين وعوائل ذوي الشهداء والناجين والناجيات والعجز والشيخوخة والأسر المعيلة للنساء) لمنع الانهيار الكامل، مع العمل على مشاريع متناهية الصغر وصغيرة تمهد الطريق لدمجهم لاحقاً في الاقتصاد الكلي.
ربما تحتاج سورية إلى نموذج هجين لترتيب الأولويات ففي حين أن معيار الضرر والاحتياج كان مهيمناً في مرحلة الطوارئ، فإن معيار القدرة على توليد الأثر الاقتصادي والتنموي سيكون المحرك في مرحلة التعافي، لكن هذا لا يعني إلغاء المعيار الأول، بل يعني إدارة التوتر الاقتصادي بينهما بمرونة
ونجاح مرحلة التعافي في سورية لن تُقاس بحجم الخرسانة المُصبوبة أو المصانع المُعاد تشغيلها فحسب، بل بمدى قدرة النموذج الاقتصادي على احتواء الأكثر هشاشة وتحويلهم من عبء على الموازنة العامة، إلى فاعلين في دورة الإنتاج والتنمية .