في لحظة تاريخية فارقة، بعد عقود من الاستبداد وحرب مدمرة، وجد السوريون أنفسهم أمام حرية غير مسبوقة في التعبير عن آرائهم ومطالبهم عبر منصات التواصل الاجتماعي. هذا الانفتاح، الذي كان مستحيلاً في ظل النظام السابق حيث كانت كلمة واحدة قد تكلف صاحبها حياته، تحول بسرعة إلى ساحة جديدة للنقاش العام والتأثير في القرار السياسي، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل تساهم هذه التريندات اليومية في بناء وعي جمعي جديد أم أنها تؤدي إلى مزيد من التشرذم والانقسام؟ وما هي العوامل التي تجعل الفضاء الرقمي السوري أرضاً خصبة للاستقطاب بدلاً من أن يكون منصة للتوحد؟
من برلمان الشعب إلى برلمان السوشيال ميديا:
مع غياب مجلس الشعب السوري حتى اليوم، محبوساً في أدراج التأجيل والتوازنات، برز فراغ تشريعي وسياسي خطير ليملأ بـ”برلمان السوشيال ميديا” الذي ينعقد خلف الشاشات بجلسة لا تنقطع على مدار 24 ساعة، هذا التحول يحمل وجهين متقابلين: الأول إيجابي، حيث يعكس انفتاحاً غير مسبوق في حرية التعبير، وأصبح صوت الشارع يصل إلى القصر الجمهوري وتُلبى بعض المطالب الشعبية بسرعة مذهلة تحت ضغط الهاشتاغات .
لكن الجانب السلبي أكثر خطورة وإثارة للقلق، فبدلاً من أن يكون هناك برلمان يناقش ويشرّع ويراقب، أصبحت السوشيال ميديا هي “المجلس الافتراضي” حيث يفرض ترند قراراً، ويلغي هاشتاغ سياسة، ويحكم رأي عام عاطفي متقلب بلا قواعد ولا دراسات ولا تمثيل حقيقي، وهذا الفراغ يحوّل الدولة إلى رهينة لمزاج الخوارزميات والمؤثرين والمغرضين، ويهدد بتحويل التحرير من مشروع بناء دولة إلى فوضى شعبوية يومية تأكل الإنجازات قبل أن تنضج .
آليات الخوارزميات في تعميق الانقسام:
لا يمكن فهم تأثير التريندات على المجتمع السوري دون النظر إلى الدور الذي تلعبه الخوارزميات في تشكيل هذا الفضاء الرقمي، فأنظمة التوصية الخوارزمية في وسائل التواصل تواصل تشكيل الطريقة التي يفسر بها السوريون الحرب الماضية، والأكثر أهمية كيف يتصورون المستقبل ، هذه الأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تعمل على تضخيم المحتوى الذي يركز على المظالم والانقسامات، وتكرس المعلومات المضللة.
وهذا التضخيم الخوارزمي يساهم في ما يمكن تسميته “العنف الرمزي”، أي فرض أطر تفسيرية تطبيع بعض الروايات بينما تهمش أخرى ن ويتجلى ذلك في عدة مظاهر: تعزيز “غرف الصدى” للتفسيرات المستقطبة لأسباب الصراع وأطرافه، مما يعيق الاعتراف المتبادل بالمعاناة؛ وإعطاء الأولوية للسرديات المشحونة عاطفياً على الخطاب التأملي والمصالحي؛ وتقويض مصداقية المؤسسات عندما تضخم المنصات المعلومات المضللة أو الأجندات الحزبية .
ما يزيد الطين بلة هو أن المحتوى المضلل أو المفبرك ينتشر بسرعة عبر شبكات تقوم على الثقة، خاصة على منصات المراسلة المشفرة مثل واتساب، حيث يصعب التحقق من الشائعات والسرديات الطائفية أو تصحيحها ، ويمكن للأطراف المتنافسة استغلال هذا الغموض لبذر الشك، مما يؤثر مباشرة في كيفية تقييم السوريين للعدالة الانتقالية وشرعية المؤسسات الجديدة .
“عدوى الخوارزميات” وانعكاساتها على صنع القرار:
توصف التريندات السورية بأنها “عدوى الخوارزميات”، حيث تنتقل التفاعلات المثيرة وتصب في ملعب الحكومة، ما يزيد الضغط ويحرف مسار الاستراتيجية أو يجبرها على التوقف مؤقتاً للتعامل مع مطالب الجمهور ، هذا التأثير لا يقتصر على الضغط الشعبي فقط، بل يمتد ليشمل صنّاع القرار أنفسهم، الذين قد يتخذون قرارات ترضية شعبية أو عاطفية معاكسة للنهج الاستراتيجي للدولة .
وهنا تبرز مشكلة أعمق: فبعد أن استجابت الحكومة لعدة مطالب محقة عبر الترندات، تحول الشعب إلى آلة مطالبات لا تتوقف، كل بضع ساعات يظهر ترند جديد، سواء كان مطلباً اقتصادياً أو إنسانياً وطنياً حقيقياً، أو شكوى بسيطة وأحياناً تافهة، أو حتى قضية فردية عادية تُرفع إلى مرتبة “المطلب الوطني العاجل” ، هذه الظاهرة تجعل الدولة تبدو وكأنها تطارد الترندات بدلاً من تخطيط استراتيجية طويلة الأمد، وهي ديمقراطية “اللايكات” التي قد ترضي الشارع مؤقتاً لكنها تُرهق الدولة وتشتت جهود الإصلاح الحقيقي .
الانفصام بين الواقع والافتراض:
يشير الباحثون إلى أن المجتمع السوري يعيش أزمة كارثية تتمثل في انفصام بين المجتمع الحقيقي والمجتمع الافتراضي الذي تعكسه وسائل التواصل الاجتماعي ، فهذا الفضاء الرقمي بات ينتج مجتمعاً موازياً مأزوماً، تتحول فيه قضية الفرد إلى قضية رأي عام، ويعيش فيه الأفراد حالة توتر وصدامات مستمرة، في حين أن الواقع الاجتماعي مختلف ويخضع لأولويات أخرى .
ويعزى هذا الانفصام إلى تراجع البنى الاجتماعية التقليدية خلال سنوات الحرب، وما رافقه من تفكك في المجتمع المدني، مما ساهم في خلق فضاء افتراضي مضطرب ومؤثر في مسار بناء المجتمع الحقيقي ، ويذهب البعض إلى أن استمرار التعامل مع قوانين صيغت في مرحلة سابقة من الصراع يفاقم الأزمة، إذ تستخدم في سياقات جديدة تتعلق بحرية التعبير، في ظل تأخر إنتاج تشريعات حديثة تستجيب للمرحلة الحالية.
نموذج “وسيم الحمام”: ترند كشف أكثر مما أصلح
قصة الشاب وسيم الحمام، القادم من الحسكة إلى دمشق، تقدم مثالاً حياً على هذه الإشكالية، بدأت القصة بصورة عادية جداً لشاب من ريف الحسكة التقط صورة في ساحة الأمويين، لكن مظهره ولباسه وانتماءه الجغرافي بدت بالنسبة إلى بعض مستخدمي وسائل التواصل، مادة مناسبة للسخرية وسرعان ما تحولت القصة إلى اتجاه معاكس: تضامن واسع مع وسيم، ومنشورات تدافع عنه، ثم دخلت مؤسسات إعلامية ورسمية على الخط، ووضعت صورته على شاشة كبيرة في ساحة الأمويين مع عبارة: “ابن الحسكة.. نورت الشام” .
لكن ما جرى كان أعمق من مجرد إساءة فردية أو جماعية ثم رد اجتماعي وأخلاقي عليها، فالفعل الأول وهو التنمر على وسيم، كشف عن شيء من الطبقية، وشيء من وهم التفوق الحضري، وشيء من النظرة القديمة إلى العلاقة بين المدينة والريف، وبين المركز والأطراف ، هذه النظرة موجودة في سوريا منذ عقود، وليست حكراً على منطقة أو طبقة واحدة، وقد غذّاها نظام حكم استمر عقوداً في إدارة جوانب من التنوع السوري بمنطق مختلف، يقوم على معرفة الانقسامات والحساسيات واستثمارها وضبطها .
وفي المقابل، أظهر رد الفعل على الحادثة جانباً مطمئناً يتمثل في تحول المزاج العام بسرعة ضد العنصريين، وتدخل مؤسسة عامة برسالة بسيطة تقول إن ابن الحسكة مرحب به في دمشق ، لكن هنا أيضاً ظهرت مشكلة أخرى، ففي لحظة ما لم يعد وسيم مجرد شاب تعرض للتنمر، بل بدأ يتحول إلى رمز يجري تحميله بكل المعاني الممكنة: ابن الأرض، وابن الثورة، وابن القمح، وضحية التهميش، وممثل الشرق السوري كله، أيقونة لـ”الإنسان البسيط الطيب الأصيل” .
وهكذا، قد يكون أفضل ما حدث في القضية هو الرفض الاجتماعي الواضح للعنصرية والطبقية، أما الأقل فائدة فهو المزايدة الأخلاقية وتحويل وسيم إلى مادة جديدة للاستهلاك الإعلامي . فالترند هنا كشف جرحاً اجتماعياً عميقاً، لكنه لم يقدم علاجاً، بل اكتفى بتغطية الجرح مؤقتاً بموجة تضامن عاطفية قد تتبخر بالسرعة نفسها التي تشكلت بها.
بين المواجهة واستغلال الفرصة:
في المقابل، هناك من يرى في هذه التريندات فرصة ذهبية لتشكيل رأي عام وضغط شعبي يمكن أن يوجّه نحو الإصلاح، فهذا الفضاء الافتراضي، رغم فوضويته أصبح جزءاً أساسياً من المجال العام، ولا يمكن تجاهله في تحليل صناعة الأولويات .
كما أن التفاعل المباشر للمسؤولين مع المواطنين عبر المنصات، وإن كان يحمل مخاطر التشتيت، يمثل تحولاً دراماتيكياً عن زمن النظام السابق حيث كانت أي كلمة نقد قد تؤدي إلى الاعتقال أو الاختفاء ، واليوم أصبح بإمكان المواطنين التعبير عن مطالبهم بجرأة غير مسبوقة، وباتت بعض المطالب العادلة، مثل تحسين أوضاع المعلمين ومحاربة الفساد، تُطرح في العلن وتسمع .
ترندات بلا فهم:
في النهاية، يظل السؤال عن إنتاج التريندات السورية للوعي أم لمزيد من التشرذم مفتوحاً على إجابات متعددة، فمن ناحية تعكس هذه التريندات انفتاحاً غير مسبوق وتفاعلاً شعبياً حقيقياً، ومن ناحية أخرى تفتقر إلى العمق والاستمرارية اللازمين لبناء وعي جمعي مستدام، فمشكلة عصر التريند أنه يمنح القضايا قدرة هائلة على الانتشار، لكنه لا يمنحها بالضرورة قدرة مماثلة على إنتاج الفهم .
لعل ما يجري اليوم في سوريا هو معركة بين مشروعين: مشروع وطني جامع يسعى إلى بناء دولة ومؤسسات، وآخر لا واعي يتحرك وفق منطق الخوارزميات والشعبوية العابرة.
والرهان الأكبر هو على قدرة السوريين على تجاوز هذه المرحلة الانتقالية المضطربة، والانتقال من منطق التريندات السريعة إلى خطاب وطني مؤسسي يستوعب التنوع ولا يلغيه، ويعترف بالماضي دون أن يظل أسيراً له، وإلا فإن سوريا الجديدة قد تجد نفسها رهينة لاستبداد جديد لا يقل خطورة وهو استبداد الشاشات واللايكات.