تشهد السياسة الخارجية السورية خلال المرحلة الحالية تحركاً متزايداً نحو القارة الإفريقية، في إطار رؤية دبلوماسية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وتوسيع دوائر التعاون السياسي والاقتصادي بعيداً عن الاصطفافات التقليدية، وقد جاء تنظيم وزارة الخارجية والمغتربين السورية لفعالية “اليوم الإفريقي” في دمشق ليعكس إدراكاً سورياً متنامياً لأهمية القارة الإفريقية بوصفها أحد أهم فضاءات النمو الاقتصادي والتحول الجيوسياسي في العالم خلال العقود المقبلة.
تاريخياً، لم تشهد العلاقات السورية الإفريقية خلافات سياسية جوهرية أو نزاعات مباشرة، بل قامت في معظم مراحلها على مبادئ احترام السيادة الوطنية، ودعم حركات التحرر الوطني، ومساندة قضايا التنمية والاستقرار في الدول الإفريقية. لذلك فإن الانفتاح السوري الحالي على إفريقيا لا يمثل تحولاً في السياسة الخارجية بقدر ما يشكل إعادة تفعيل لمسار تاريخي قائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
ويبدو أن دمشق تسعى اليوم إلى توظيف مجموعة من المعطيات الإقليمية والدولية الجديدة لتعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية. فمن جهة، حققت الدبلوماسية السورية خلال الفترة الماضية تقدماً ملحوظاً في إعادة بناء العلاقات مع عدد من الدول العربية والإقليمية المؤثرة، بما في ذلك تركيا والسعودية والإمارات وقطر ومصر، إضافة إلى تعزيز قنوات التواصل مع القوى الدولية الكبرى. ومن جهة أخرى، فإن هذا الانفتاح يمنح سوريا مساحة أوسع للتحرك نحو إفريقيا من موقع أكثر استقراراً وثقة وقدرة على بناء شراكات طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، تبرز العلاقات السورية الجزائرية بوصفها أحد أهم نماذج التقارب العربي الراهن. فقد شهدت المرحلة الأخيرة زخماً ملحوظاً في الاتصالات والزيارات المتبادلة بين البلدين، بما يعكس إرادة سياسية مشتركة لتعميق التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. وتكتسب الجزائر أهمية خاصة بالنسبة لسوريا نظراً لمكانتها الإقليمية والإفريقية، ودورها المحوري في دعم قضايا الاستقرار والتنمية داخل القارة، فضلاً عن التقارب في العديد من الرؤى المتعلقة باحترام سيادة الدول ورفض التدخلات الخارجية وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية والحوار.
كما يمثل افتتاح السفارة السورية في المملكة المغربية خطوة مهمة في مسار استعادة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين البلدين وتعزيز الحضور السوري في شمال وغرب إفريقيا. فالمغرب يتمتع بثقل سياسي واقتصادي ودبلوماسي متنامٍ داخل القارة، ويشكل بوابة مهمة للتعاون الإفريقي والعربي المشترك. ومن شأن إعادة تفعيل العلاقات الثنائية أن تفتح آفاقاً جديدة للتعاون في مجالات الاستثمار والتبادل التجاري والتعليم والثقافة والسياحة، إضافة إلى تعزيز التنسيق السياسي في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وتكتسب العلاقات السورية مع دول شمال إفريقيا أهمية استراتيجية متزايدة، سواء عبر الجزائر أو المغرب أو مصر، باعتبار هذه الدول تشكل جسوراً طبيعية نحو العمق الإفريقي. كما أن التقارب مع القاهرة يعزز فرص التعاون العربي الإفريقي المشترك، خصوصاً في الملفات التنموية والاقتصادية والأمنية.
وعلى المستوى العملي، بدأت المؤشرات تظهر من خلال تكثيف اللقاءات الثنائية بين المسؤولين السوريين ونظرائهم الأفارقة في المحافل الدولية والإقليمية، ومنها اللقاءات التي عقدتها مؤسسات الدولة السورية مع ممثلي عدد من الدول الإفريقية على هامش المؤتمرات الدولية. وتعكس هذه التحركات رغبة سورية في الانتقال من مرحلة إعادة التواصل السياسي إلى مرحلة بناء برامج تعاون فعلية تشمل التنمية الاجتماعية، وسوق العمل، والحماية الاجتماعية، والتعليم، والتدريب المهني، وتبادل الخبرات المؤسسية.
وتنطلق الرؤية السورية تجاه إفريقيا من قناعة بأن العديد من التحديات التي تواجه دول القارة تشبه إلى حد كبير التحديات التي واجهتها سوريا خلال السنوات الماضية، سواء في ملفات إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، أو مكافحة الإرهاب والتطرف، أو تعزيز الاستقرار المؤسسي، أو إعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات العامة. ومن هنا يمكن لدمشق أن تقدم نفسها شريكاً سياسياً وتنموياً يمتلك خبرات وتجارب قابلة للتبادل مع العديد من الدول الإفريقية.
وفي هذا الإطار، تؤكد سوريا باستمرار دعمها لوحدة الدول الإفريقية واستقرارها وسيادتها الوطنية، وترى أن تحقيق الأمن والتنمية في القارة يشكل مصلحة مشتركة لجميع شعوب المنطقة العربية والإفريقية. ومن هذا المنطلق، تدعم دمشق جهود ترسيخ الاستقرار في السودان والحفاظ على وحدته الوطنية ومؤسساته، كما تؤيد كل المساعي الرامية إلى دعم الدولة الصومالية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية والتنموية، وتدعم الحلول السياسية التي تحفظ وحدة ليبيا وسيادتها واستقرارها، إلى جانب تأييدها لكل الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والتنمية والاستقرار في المملكة المغربية وفي مختلف الدول العربية والإسلامية والإفريقية.
وفي البعد الاقتصادي، تمثل إفريقيا سوقاً واعدة للمنتجات والاستثمارات السورية مستقبلاً، كما توفر فرصاً مهمة للتعاون في مجالات الزراعة والأمن الغذائي والطاقة والصناعات التحويلية والتعليم والتدريب المهني. ومع تسارع معدلات النمو الاقتصادي في العديد من الدول الإفريقية، تبدو الفرصة متاحة أمام القطاعين العام والخاص في سوريا لبناء شراكات جديدة قائمة على المنفعة المتبادلة ونقل الخبرات والتكامل الاقتصادي.
غير أن أهمية الانفتاح السوري على إفريقيا لا تقتصر على الأبعاد الاقتصادية والسياسية فحسب، بل ترتبط أيضاً برؤية أوسع للسياسة الخارجية السورية تقوم على التوازن والانفتاح والتعاون مع مختلف الأطراف. فدمشق تسعى اليوم إلى بناء شبكة علاقات دولية متوازنة لا تقوم على منطق المحاور أو الاستقطابات، بل على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وتعكس هذه المقاربة رغبة سورية في إقامة علاقات إيجابية مع مختلف الدول العربية والإفريقية والإسلامية والدولية، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار الإقليمي والدولي يتحقق عبر الحوار والتعاون والتنمية المشتركة، وليس من خلال الصراعات والتنافسات الجيوسياسية الحادة. ولذلك تسعى سوريا إلى تقديم نفسها كشريك منفتح على الجميع، ومستعد للتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والإنسانية بما يخدم مصالح الشعوب ويعزز فرص التنمية والاستقرار.
ومع ذلك، لا تزال الدبلوماسية السورية أمام تحديات حقيقية في القارة الإفريقية، أبرزها الحاجة إلى توسيع الحضور الدبلوماسي والمؤسساتي، وتعزيز التبادل التجاري، وتطوير آليات التعاون الاقتصادي والاستثماري، إضافة إلى المنافسة المتزايدة بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ داخل إفريقيا. ولذلك فإن نجاح الانفتاح السوري على القارة يتطلب استراتيجية طويلة الأمد تجمع بين العمل السياسي والاقتصادي والثقافي والتنموي.
وفي المحصلة، يمكن القول إن السياسة السورية تجاه إفريقيا تقوم اليوم على رؤية واقعية وبراغماتية أساسها احترام سيادة الدول، ودعم الاستقرار والتنمية، وبناء الشراكات المتوازنة. ومع استمرار عودة سوريا التدريجية إلى محيطها العربي والإقليمي والدولي، تبدو القارة الإفريقية إحدى الساحات الواعدة للدبلوماسية السورية خلال السنوات المقبلة، ليس فقط لتعزيز الحضور السياسي، بل أيضاً لبناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والتنموية المشتركة التي تخدم الطرفين وتسهم في تحقيق الاستقرار والازدهار، ضمن سياسة خارجية متوازنة لا تنتمي إلى أي محور بقدر ما تنتمي إلى مبدأ التعاون والشراكة واحترام سيادة الدول وتحقيق المصالح المشتركة.