بدأ انتشار هذه الأغنية على نطاقٍ ضيّق بعد تحرير سوريا، حيث كانت في البداية تظهر في فيديوهات لبعض الشباب مع الدبكة التي تنتمي لثقافة المنطقة الشرقية – الجزيرة السورية – في بعض الأماكن العامة، وكانت مشاركتها والتفاعل معها مقتصرَين على أبناء هذه الثقافة، ثم بدأت تنتشر بصورة أوسع حتى حققت أكثر من 15 مليون مشاهدة على يوتيوب، ثم ذكرها الرئيس أحمد الشرع في أحد خطاباته، وغنّاها محافظ حلب السيد عزام الغريب على المنصة في حملة (حلب ست الكل)، ثم مع ذكرى التحرير في ديسمبر من العام الماضي، حيث عمّت الاحتفالات المحافظات السورية، كانت هذه الأغنية حاضرةً في كل احتفال حضوراً أيقونياً، واكتسحت مواقع التواصل، وشاركها على صفحاتهم مشاهير ومؤثرون وسياسيون أحياناً، ثم اتّسع نطاق الانتشار وبدأت تظهر على مستوى المحتوى العربي لا السوري فقط، بل وأحياناً العالمي، فما الذي حدث هنا؟
لسنا هنا بصدد الحديث عن الترند وصناعته وآليات انتشاره، إذ إن هذه الحالة لا تمثل الترند النموذجي المعتاد من ناحية سرعة الصعود والهبوط، فهذه الأغنية تحافظ على معدّل انتشارٍ تراكمي منذ ظهورها، ثم هي لا تزال تحضر متزامنةً مع الأحداث التي تستدعي تفاعلاً جماهيرياً في كل مرة، فما هو سر انتشارها الواسع؟ وما الذي يجعلها قابلةً للاستدعاء الجماهيري؟
هذا المقال يقدم مقاربةً فرضيتها أن العوامل التي تمثل إجاباتٍ على الأسئلة آنفة الذكر هي عوامل موضوعية وليست ذاتية، أي أن الأغنية في ذاتها ليس فيها أي شيء يجعلها قابلةً للانتشار بهذه الصورة، إنما أسباب انتشارها خارجة عنها، فباستعمال السبر والتقسيم نجد أن:
اللحن المستخدم في الأغنية هو لحن مكرر في عشرات بل مئات الأغاني الشعبية في المنطقة الشرقية من سوريا، وهو لحن إيقاعي بسيط مصمم للدبكة الشعبية، ليس فيه أي إبداع موسيقي جديد، فلا يصلح أن يكون سبباً للانتشار.
أما كلمات الأغنية فهي كذلك بسيطة، لا تحمل أي صبغة شاعرية ولا صوراً بلاغية، وتصل في بعض الأحيان إلى الابتذال والركاكة اللغوية، بل الدليل على أنه لا شأن لكلمات الأغنية بانتشارها أن معظم من يشاركها أو يغنيها لا يعرف منها سوى مطلعها..
إن العوامل التي أدّت لانتشار أغنية “لبّت لبّت” مرتبطة بالسياق الذي جعلها تتحول من أغنية إلى هتاف، شعار، لأن الأغنية هنا لا تقول شيئاً بقدر ما تؤدي وظيفةً في سياق تنازعات سياسية واجتماعية، بعضها شديد الحساسية والمفاصلة، وبعضها الآخر ثقافي هامشي، فهي تُعلن الانتصار وتحشد أنصاراً لهذا الانتصار حشداً خالياً من الأيديولوجيا ربما، لكنه مليءٌ بالشعور الجمعي بالنشوة، وفي سياقٍ ما تمثل الأغنية حضوراً للهوية الريفية -التي تنتمي لها- واستعلاءً لها داخل المدينة، وهنا نجد الأغنية تتموضع في بُعدٍ آخر ضمن سلسلة سلوكيات وتمظهرات انتشرت بعد التحرير، تتفاعل ضمن ظاهرة مختلفة، وهي الحضور الريفي غير المسبوق ضمن المدينة، وحالة التنازع الهوياتي بينهما، إذن بالنسبة للأغنية نحن هنا أمام ظاهرة ذات أبعاد تلعب أدواراً مختلفة في كل منها، إنها أغنية لا تعيش في الأذن بل في الفضاء الاجتماعي، لأنها منه تستمد معانيها المرنة فتنتشر، لا من ذاتها..
وعندما تتحول اللغة من أداة معنى إلى أداة حشد نكون أمام ظاهرة تداولية لا موسيقية، وكيلا يرى القارئ أننا نبالغ في التحليل ونضفي على الأشياء معانيَ لا تحتملها ونُلبسها أثواباً لا تَسَعُها، فلا بدّ أن نذكر أن الدرس الأول في الظاهرة الاجتماعية هو: لا مكان للصدفة في نشوء الظاهرة الاجتماعية.
إن المنطق الذي تتحرك به المجتمعات، وإن كان خفياً عسيراً على الاستكشاف، إلا أنه تنشأ عنه دوماً ظواهر تبدو للوهلة الأولى سطحية، تتجلى في الأدب أو الموسيقى أو العمران أحياناً، لكن فائدة هذه الظواهر أنها تسمح لنا أن نمارس ما يسمى بالهندسة العكسية (reverse engineering)، أي أننا نحلل الظاهرة التي تطفو على السطح لنصل إلى ما تمثله على مستوى أعمق من نماذج فكرية أو أنماط اجتماعية، فتكون علاقتهما علاقةَ المجرّد بالمشخّص، يحققان تكاملاً منطقياً وانسجاماً على مستوى تفاعل الإنسان والأشياء من حوله..
تخبرنا التداولية اللسانية أن سياق الكلمة أهم من الكلمة ذاتها، فهو الذي يحدد دلالاتها وأبعادها، وهنا نجد تفسيراً لاستدعاء الأغنية في التجمعات الجماهيرية ذات الطابع الاحتفالي، فهي لا تُستدعى للغناء، إنما تُستدعى للانتماء، تتحول لتصبح طقساً صوتياً للانخراط في الجماعة، شيءٌ ما يشبه هتافات جماهير كرة القدم التي لم تُخلق لتُفهم بل لتؤدي وظيفة جمع الآلاف ضمن صوت واحد، إنها بعد الاستئذان من أستاذنا ابن خلدون تمثل ما يمكن أن نطلق عليه (نداءات العصبية)، فهي أداة تميّز الأنا عن الآخر، تقول: (من لا يردد يخرج من اللحظة..) وإعلانُ تبنٍّ لمعانٍ لا يدل عليها النص بالعبارة، إنما السياق بالإيحاء، فالنص هنا دلالاته قاصرة على الحماسة والزهو والاندفاع، إذ تشير “لبّت لبّت” في اللهجة الشعبية للمنطقة الشرقية إلى النار حين تتقد وتزداد اشتعالاً فتلبّ، يقولون: لبّت النار.. إذا اضطرمت، لكن السؤال هنا ليس ماذا تعني الكلمات؟ بل ماذا يفعل الناس بالكلمات في سياق اجتماعي معين؟ فبحسب التداولية اللسانية، كلما ضعف المعنى الدلالي ازدادت القوة التداولية، لأنه لا معنىً خاص يُقيّد المتلقي، بل عمومية وغموض تسمح لكل شخص بإسقاط شعوره الخاص، وهكذا الكل يفهمها دون أن يفهم شيئاً.
إذن فالأغنية هنا لا تُستمع بل يُنتمى إليها لحظياً..
ليس استعمال الصوت/الغناء لأغراض وظيفية أمراً جديداً في البشرية، ففي التراث العربي ثمّة ما يُعرف بـ”حداء الإبل”، وهو أن يغني سائق الإبل في الصحراء بنغمة معينة وصوت عالٍ، ولكن ليس الغناء مراداً هنا لذاته، إنما كانوا يفعلون هذا لأجل أن تتبع الإبل الصوت فتسير خلف الحادي ولا تشرد، وكذلك أغاني المجدّفين في السفن التي كانت إيقاعاتها تنظّم عملية التجديف الجماعي، فكما لم يكن الحداء يُغنّى للفهم بل لقيادة الإبل، فثمّة أغانٍ تُردد اليوم لتقود مزاجاً جمعياً في صحراء اجتماعية من نوع آخر، وهذا منطق إنساني كوني يقول:
حين يكون المطلوب هو القيادة والتنظيم والتماسك، تتحول اللغة إلى إيقاع، والمعنى إلى وظيفة، والصوت إلى أداة اجتماعية، وهذا يدعم فرضيّتي الأساس في أن ما يبدو سطحياً قد يكون امتداداً لوظائف قديمة في التاريخ البشري، ولأنماط اجتماعية مستمرة في اللاوعي البشري، تبدو تمثّلاتها في الواقع لعين الراصد أحياناً، وتدِقُّ أحياناً أخرى.