سوريا والأمن الغذائي: قراءة في تقليص عمليات برنامج الأغذية العالمي

يعد الأمن الغذائي في سوريا من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً في السياق السوري الحالي، في ظل تقديرات أممية تشير إلى أن أكثر من 12 إلى 13 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، أي ما يقارب نحو 60% من السكان، في ظل هذا السياق الإنساني والاقتصادي الصعب، جاء إعلان برنامج الأغذية العالمي (WFP) عن تقليص خطير لعملياته الإنسانية داخل سوريا ليضع ملف الأمن الغذائي في صدارة التحديات.

 

تأتي هذه الورقة لتسليط الضوء على أبعاد هذا القرار، واستشراف تداعياته على الداخل السوري ودول الجوار.

 

يعد برنامج الأغذية العالمي أحد أهم الفاعلين في الاستجابة الإنسانية في سوريا، حيث يقدم دعما غذائياً منتظماً لملايين المستفيدين، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً ويتأثر بموجات النزوح الداخلي، وتشير تقارير البرنامج في السنوات الأخيرة إلى أنه كان يصل إلى نحو 5 إلى 6 ملايين مستفيد قبل أن تبدأ عمليات التخفيض التدريجي نتيجة ضعف التمويل.

 

إن تقليص حجم المساعدات، سواء عبر خفض عدد المستفيدين أو تقليص قيمة السلال الغذائية، يعني عملياً انتقال شرائح واسعة من السكان نحو مستويات أعمق من انعدام الأمن الغذائي، خاصة أن نسبة الفقر في سوريا تتجاوز 80 % وفق تقديرات أممية واقتصادية متعددة.

 

أولاً: ملامح وخلفيات القرار

 

لم يكن قرار برنامج الأغذية العالمي وليد تراجع في حجم الحاجة لدى المستفيدين، بل جاء مدفوعاً بأزمة تمويل حادة وعجز مالي مزمن عصف بالمنظمات الدولية بسبب تحول أولويات المانحين الدوليين، وتراجع الدعم من أطراف رئيسية (مثل الولايات المتحدة)، وتتمثل أبرز ملامح هذا التقليص في النقاط التالية:

 

1- تقليص المساعدات الطارئة بنسبة 50%: انخفض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية الطارئة خلال شهر مايو/أيار بشكل حاد من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألف شخص فقط.

 

2- إيقاف برنامج دعم الخبز: تم تعليق هذا المشروع الإنساني الذي كان يمد أكثر من 300 مخبز بالدقيق الضروري، وهو ما كان يؤمن رغيف الخبز اليومي لنحو 4 ملايين شخص في المناطق الأشد هشاشة.

 

3- الانكماش الجغرافي: اضطر البرنامج إلى تقليص نطاق تغطيته الجغرافية ليتقلص من 14 محافظة سورية إلى 7 محافظات فقط، مما يعني خروج مناطق واسعة من دائرة الدعم المباشر والعاجل.

 

4- فجوة التمويل العاجلة: أعلن البرنامج عن حاجته الفورية لـ 189 مليون دولار لتأمين الحد الأدنى من العمليات خلال الأشهر الستة القادمة.

 

ويأتي هذا الانسحاب الإنساني في وقت تؤكد فيه تقارير الأمم المتحدة أن هناك نحو 7.2 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، من بينهم 1.6 مليون شخص في مرحلة الطوارئ القصوى.

 

ثانياً: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للقرار

 

1- التداعيات الاجتماعية:

 

ارتفاع معدلات سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن.

 

زيادة مستويات الضغط النفسي والاجتماعي داخل الأسر الفقيرة.

 

ارتفاع معدلات التسرب المدرسي نتيجة اضطرار الأطفال للعمل.

 

 

2- الأضرار الاقتصادية:

 

زيادة الاعتماد على السوق المحلي الذي يعاني من ارتفاع حاد في الأسعار.

 

ارتفاع معدل الاستدانة والديون الأسرية لتأمين الاحتياجات الأساسية.

 

تراجع القدرة الشرائية للعوائل وانكماش الاستهلاك المحلي.

 

تعطل جزئي في العملية الاقتصادية المحلية المرتبطة بالمساعدات الإنسانية (النقل والتوزيع)

 

 

ثالثاً: السيناريوهات المتوقعة

 

السيناريو الأول: التدهور المتسارع

ينطلق هذا السيناريو من استمرار جمود التمويل الدولي، وبقاء السياسات الاقتصادية الحالية دون حلول محلية وإقليمية ودولية جذرية.

السمات العامة:

اتساع رقعة الجوع الحاد إلى مستويات قياسية ليشمل أعداد أكبر

المخاطر الاجتماعية والأمنية مثل ارتفاع معدل الجريمة والسرقات وعمالة الأطفال والابتعاد عن التعليم

انطلاق موجات هجرة إقليمية ودولية من جديد

 

السيناريو الثاني: الاستقرار الهش

يفترض هذا السيناريو أن الأطراف الدولية والمحلية لن تسمح بحدوث مجاعة شاملة، لكنها في الوقت ذاته لن تقدم حلولاً جذرية.

السمات العامة:

ضخ تمويلات طارئة ومتقطعة كمنح مالية إسعافية وجزئية لتأمين الحد الأدنى من الحياة دون الانفجار ودون إجراءات تغير الواقع بكليته.

تزايد اعتماد العائلات السورية على الحوالات المالية للمغتربين في الخارج

 

السيناريو الثالث: التعافي المرن والتحول نحو الاعتماد على الذات

ويكون من خلال الانتقال من عقلية الإغاثة والمساعدات إلى عقلية التنمية والتعافي المبكر.

السمات العامة:

إعادة تفعيل القطاع الزراعي بتبني سياسات حكومية تدعم المزارعين

إقناع المانحين الدوليين والإقليميين بتمويل مشاريع التعافي المبكر بدلاً من توزيع السلال الغذائية الجاهزة على مبدأ علمني كيف أصطاد السمك ولا تعطني سمكة

تحفيز رأس المال السوري والمبادرات المحلية والمنظمات الأهلية لدعم الفئات الهشة بأعمال ومشاريع التعافي

 

التوصيات:

 

دعم قطاع الزراعة السوري

 

تسهيل حركة البضائع والمنتجات الزراعية

 

الانتقال من الإغاثة الطارئة إلى التعافي المبكر

 

تأسيس صندوق إقليمي مشترك للأمن الغذائي

 

تشجيع رؤوس الأموال السورية والتجار الصغار على الاستثمار في الداخل السوري

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

يرصد المقال مسار الأحزاب السياسية في سوريا عبر تحولات تاريخية متعاقبة، ويؤكد أن تعثرها ارتبط بضعف المؤسسات وتغوّل السلطة وتكرار…
يتناول البحث أثر التدخل السياسي في السياسة النقدية في تركيا بين 2016 و2026، موضحاً كيف أدى تراجع استقلالية المصرف المركزي…
يتناول البحث واقع التعليم الديني العالي في سوريا وما يواجهه من تحديات بنيوية وأكاديمية وبشرية وبحثية أثّرت في جودته وتطوره،…

القائمة