لا تحاكم الأنظمة فقط… بل تسقَط أولاً

لم تكن المحاكمات (التي جرت هنا وهناك في أوروبا، لهذا أو ذاك من منتسبي جيش ومخابرات بشار الأسد، أو حتى لرفعت الأسد في فرنسا) تعني لي أي شيء. لم أشعر بأي شيء بخصوص الانتصاف والقصاص، ولم تمثل بالنسبة لي أي اختراق ولا أي ارتياح.

 

الأنظمة السياسية، والجماعات السياسية، والأحزاب السياسية، والميليشيات الأهلية لا تُعاقَب ولا يُقتصّ منها ولا تتأثر بملاحقة فردية هنا وهناك من قبل “أرقى أنظمة العدالة” وأكثرها حياداً وغربةً عن موقع وتاريخ الصراع السياسي والاجتماعي.

 

أو، بكلام آخر، لم يكن يعني أي شيء لنظام بشار الأسد محاكمة أحدهم من فرع الخطيب في محكمة في ألمانيا. هذه بحد ذاتها ليست عدالة ولا انتصافاً ولا قصاصاً… وتقريباً لا شيء.

 

الانتصاف والعدالة تحققا، جلّهما وشطرهما، يوم سقط بشار الأسد فولّى هارباً، حين تفكك جيشه ومخابراته، وحين انتهى زمن سيادته وسطوته. الانتصاف والعدالة، بخصوص الأنظمة السياسية والجماعات السياسية والميليشيات، يتحقق نصفهما أو جلّهما حين تتعرض هذه لهزيمة سياسية وحربية على يد أعدائها وضحاياها، وفي أرضها وبين جمهورها… حين تنتصر الجماعة المضطهدة والمشرّدة والمقتولة على قاتلها ومضطهدها في ساحة الحرب وساحة السياسة.

 

من دون ذلك لا يتحقق أي شيء من العدالة، حتى لو حوكم مئة من ضباط الأسد المتوسطين والصغار في أوروبا أو أمريكا. كل ذلك لا شيء تقريباً أمام مشهد أول لدمشق وقد هرب منها بشار، أو لحلب وحماة وحمص، ولصيدنايا، ولمئات المقابر الجماعية التي تعود هي ومن فيها إلى أهلها.

 

والآن، فإن مشهد القبض على أمجد ومحاكمة عاطف في دمشق هو العدالة الحقيقية، لأنه فرع على تلك العدالة الأولى: هدم البنية والسلطة التي كان هؤلاء جزءاً منها، قتلةً ومجرمين ملعونين. وقد أوجعهم هذا المشهد كثيراً، مع أنه ليس من صورة لأمجد إلا صورة أنه قاتل. فماذا سيحدث لهم حين يُحاكَم زعيمهم وسيدهم وقاتلهم الأكبر، بشار الأسد، في دمشق؟

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

يتناول البحث واقع التعليم الديني العالي في سوريا وما يواجهه من تحديات بنيوية وأكاديمية وبشرية وبحثية أثّرت في جودته وتطوره،…
مقارنة بين النموذج التركي والتحديات السورية، لاستشراف سياسة نقدية جديدة تحقق التوازن والاستقرار….
تنتهج الدبلوماسية السورية سياسة متوازنة تقوم على السيادة والمصلحة، مع انفتاح على الجميع وتجنب الاصطفاف في المحاور والصراعات، وتسعى عبر…

القائمة