لم يعد المشهد الدبلوماسي السوري خلال المرحلة الراهنة مجرد مجموعة من الزيارات واللقاءات والمراسم البروتوكولية المتفرقة، بل بات يعكس تحولاً أوسع في موقع سوريا داخل النظامين الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق يأتي استقبال الرئيس أحمد الشرع أوراق اعتماد سبعة سفراء لدى الجمهورية العربية السورية، يمثلون المملكة العربية السعودية، والاتحاد الأوروبي، والبرازيل، واليونان، والسويد، والدنمارك، والفاتيكان، في قصر الشعب بدمشق، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني.
قد يبدو الحدث للوهلة الأولى إجراءً بروتوكولياً معتاداً، لكنه في الحالة السورية يحمل دلالات سياسية تتجاوز المراسم؛ لأن وصول سفراء جدد إلى دمشق، وخصوصاً سفير الاتحاد الأوروبي وسفراء عدد من الدول الأوروبية، يأتي في لحظة تشهد فيها سوريا انتقالاً تدريجياً من مرحلة العزلة الدولية إلى مرحلة إعادة بناء العلاقات الطبيعية مع العالم.
إنها باختصار مرحلة الانتقال من إدارة الأزمة السورية دولياً إلى بناء الشراكة مع الدولة السورية.
أولاً: ماذا يعني اعتماد السفراء؟
اعتماد السفير ليس مجرد ورقة يقدمها دبلوماسي إلى رئيس الدولة.
إنه إعلان رسمي عن وجود علاقة دبلوماسية قائمة أو في طور إعادة البناء، وعن رغبة الدولة الموفدة في أن يكون لها تمثيل سياسي مباشر وفاعل في دمشق.
والأهم أن السفير لا يمثل حكومة بلاده فقط، وإنما يصبح نقطة اتصال بين: الدولة السورية، والحكومة التي يمثلها، والقطاع الاقتصادي، والشركات، والمؤسسات المالية، والجامعات، والمنظمات الإنسانية والتنموية، ومراكز البحث، ومختلف المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.
وبالتالي فإن وصول سفراء جدد يعني أن دمشق تستعيد شيئاً مهماً فقدته خلال سنوات الحرب: قنوات الاتصال الطبيعية مع العالم، وهنا تكمن أهمية أن تضم المجموعة الجديدة سفير الاتحاد الأوروبي، إلى جانب سفراء اليونان والسويد والدنمارك.
فالمسألة ليست فقط عودة علاقات ثنائية مع دول منفردة، بل اتساع المجال الأوروبي للحضور في سوريا.
ثانياً: لماذا يحمل الحضور الأوروبي أهمية استثنائية؟
أوروبا ليست مجرد شريك سياسي، هي أحد أكبر الأسواق العالمية، ومركز مهم لرأس المال والتكنولوجيا والخبرات والبنية التحتية، كما أنها لاعب أساسي في ملفات الطاقة والنقل والهجرة والأمن والتنمية، ولهذا فإن تطور العلاقات السورية الأوروبية يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تماماً.
ففي مايو 2026 أطلق الاتحاد الأوروبي أول حوار سياسي رفيع المستوى مع الحكومة السورية، وجرى بحث تطبيع العلاقات ودعم الاستقرار والتعافي الاقتصادي والاجتماعي والانتقال السياسي وإعادة الإعمار والتنمية.
وهذا مهم لأنه يؤكد أن أوروبا بدأت تتعامل مع سوريا ليس فقط باعتبارها ملفاً إنسانياً أو أمنياً، وإنما باعتبارها دولة تحتاج إلى بناء علاقة سياسية واقتصادية طويلة الأمد.
كما أن أونماخت نفسه كان قد وصف مشاركة سوريا في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنها تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانطلاقة الدبلوماسية السورية على الساحة الدولية.
اليوم وبعد عام تقريباً، يعود الاسم نفسه إلى الواجهة ولكن بوصفه سفيراً للاتحاد الأوروبي لدى سوريا، وهنا تظهر الرمزية ما كان قبل عام مؤشراً على انفتاح دبلوماسي، أصبح اليوم مؤسسة دبلوماسية قائمة.
ثالثاً: من الانفتاح العربي إلى التشبيك الأوروبي
من الخطأ قراءة الانفتاح الأوروبي بمعزل عن الانفتاح العربي والإقليمي، فالدبلوماسية السورية الجديدة تبدو وكأنها تبني دوائر متدرجة من العلاقات:
العمق العربي – الجوار الإقليمي – أوروبا – الولايات المتحدة – المجتمع الدولي.
إن وجود السفير السعودي ضمن المجموعة الجديدة مهم للغاية في هذا السياق، فالسعودية تمثل ثقلاً عربياً وسياسياً واقتصادياً كبيراً، في الوقت الذي يمثل فيه الاتحاد الأوروبي ثقلاً دولياً واقتصادياً مختلفاً، ووجودهما في المشهد الدبلوماسي السوري نفسه يبعث برسالة: سوريا لا تبحث عن محور واحد، وإنما تحاول بناء شبكة علاقات واسعة ومتوازنة.
وهذا عنصر مهم في السياسة الخارجية لأي دولة خارجة من حرب طويلة، فكلما تعددت الشراكات، تقل احتمالات الارتهان السياسي والاقتصادي لطرف واحد، وتزداد قدرة الدولة على المناورة وتحقيق مصالحها الوطنية.
رابعاً: دمشق تتحول من “ملف” إلى “شريك”
ربما يكون هذا هو التحول الأهم، خلال السنوات الماضية كان اسم سوريا في معظم المحافل الدولية مرتبطاً بكلمات مثل:
الحرب، اللاجئون، الإرهاب، العقوبات، المساعدات، النزوح، الصراع، الأزمة الإنسانية.
أما اليوم فتظهر إلى جانب سوريا كلمات أخرى: الاستثمار، إعادة الإعمار، التنمية، التجارة، الطاقة، البنية التحتية، الشراكة، التعافي الاقتصادي.
وهذا التحول في المفردات يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة نفسها، العالم لم يعد يسأل فقط: “كيف نتعامل مع الأزمة السورية؟”
بل بدأ يسأل: “كيف يمكن أن نساعد في بناء سوريا الجديدة؟” وهنا تصبح الدبلوماسية أداة للتنمية، وليس فقط أداة لإدارة الخلافات السياسية.
خامساً: السفارة الجديدة يمكن أن تصبح “منصة اقتصادية”
هذه النقطة بالذات يجب أن تكون في صلب الرؤية السورية المقبلة، السفارات لا ينبغي أن تعمل فقط على الملفات السياسية والقنصلية.
بل يمكن أن تتحول إلى منصات لجذب الاستثمار.
السفير الأوروبي في دمشق يمكن أن يكون حلقة وصل بين الحكومة السورية والمؤسسات الأوروبية، وبين الوزارات السورية والشركات الأوروبية، والأمر نفسه ينطبق على سفارات السويد والدنمارك واليونان والبرازيل وغيرها.
وهنا يمكن أن تبدأ الدبلوماسية الاقتصادية السورية الحقيقية، سوريا تحتاج اليوم إلى استثمارات في:
– الطاقة والكهرباء – الطاقة الشمسية والمتجددة – النقل والطرق والسكك الحديدية – الاتصالات والتحول الرقمي – المياه والصرف الصحي – الإسكان – الصحة
– التعليم والتدريب المهني – الزراعة – الصناعات الغذائية – الصناعات التحويلية – السياحة – الموانئ والخدمات اللوجستية – المدن والمناطق الصناعية.
وبالمقابل، فإن الشركات الدولية تبحث عن أسواق جديدة وفرص استثمارية ومواقع إنتاج وخدمات وممرات تجارية.
إذن المسألة ليست “مساعدات لسوريا” فقط.، المطلوب أن تتحول العلاقة إلى: مصالح مشتركة واستثمارات متبادلة.
سادساً: الاقتصاد هو الاختبار الحقيقي للانفتاح
يمكن للدولة أن تستقبل عشرات السفراء، ويمكن أن تفتح عشرات السفارات، لكن المواطن لن يشعر بالانفتاح الدولي ما لم يتحول ذلك إلى تحسن في حياته اليومية.
ولهذا فإن نجاح الدبلوماسية السورية يجب أن يقاس في النهاية بمؤشرات اقتصادية وتنموية واضحة: هل دخلت استثمارات جديدة؟ وهل زادت الصادرات؟ وهل تحسنت الكهرباء؟
وهل عادت المصانع؟ وهل ارتفعت فرص العمل؟ وهل عاد رأس المال السوري؟ وهل عاد المستثمرون؟ وهل توسعت حركة التجارة؟ وهل تحسن القطاع المصرفي؟
وهل عادت الشركات الدولية؟ وهل بدأت مشاريع إعادة الإعمار؟ وهنا تحديداً تنتقل الدبلوماسية من كونها صورة سياسية إلى أداة من أدوات التنمية الوطنية.
سابعاً: لكن الانفتاح لا يعني انتهاء الأزمة
من الضروري عدم الوقوع في التفاؤل المفرط.، فسوريا لا تزال أمام تحديات كبيرة، هناك ملف الجنوب، والعلاقة مع إسرائيل، وملف قوات سوريا الديمقراطية، والسلاح خارج مؤسسات الدولة، والوضع الاقتصادي، والعدالة الانتقالية، والمهجرون واللاجئون، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، والقدرة على فرض القانون.
كما أن ملف «قسد» ما زال أحد الملفات الحساسة في عملية بناء الدولة السورية، وقد شهد خلال 2026 تعقيدات وتوترات حول شكل الاندماج وترتيبات الأمن والإدارة المحلية.
ولهذا فإن المجتمع الدولي لن ينظر إلى الانفتاح الدبلوماسي باعتباره نهاية الطريق.
بل سيعتبره استثماراً في إمكانية نجاح الدولة السورية الجديدة.
ثامناً: حل ملف قسد جزء من بناء الثقة الدولية
من أهم الملفات التي ستحدد مستقبل سوريا خلال المرحلة المقبلة مسألة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والسيادية، المطلوب ليس فقط إنهاء حالة الانقسام العسكري، وإنما بناء صيغة وطنية قادرة على الجمع بين: وحدة الدولة، وحقوق المواطنين، والخصوصية الثقافية، والإدارة المحلية، واحتكار الدولة للسلاح.
نجاح هذا المسار سيكون له تأثير مباشر على صورة سوريا خارجياً، فالدولة التي تستطيع معالجة أحد أعقد ملفاتها الداخلية بالحوار والتفاهم والضمانات الدستورية والسياسية، ستكون أكثر قدرة على إقناع المستثمرين والشركاء الدوليين بأنها قادرة على إدارة مرحلة إعادة الإعمار.
تاسعاً: الأمم المتحدة.. اختبار جديد للدبلوماسية السورية
لا يمكن فصل حدث اعتماد السفراء عن اقتراب موعد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتشير تقارير حديثة إلى أن الرئيس أحمد الشرع يستعد للمشاركة في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في نيويورك خلال سبتمبر 2026، حيث يتوقع أن يلقي كلمة سوريا ويلتقي مسؤولين دوليين، في مقدمتهم مسؤولون أميركيون.
وهذه المشاركة ستكون مختلفة سياسياً عن مشاركة العام الماضي، ففي سبتمبر 2025 كانت مشاركة الشرع تحمل طابعاً تاريخياً باعتباره أول رئيس سوري يلقي كلمة أمام الجمعية العامة منذ عقود.
أما في المشاركة المقبلة، فالمعيار لن يكون فقط: هل عادت سوريا إلى المنبر الدولي؟ بل: ماذا حققت سوريا خلال العام؟ وماذا تريد من العالم خلال العام المقبل؟ وهنا ستكون المقارنة بين خطابين مهمة للغاية.
عاشراً: من خطاب «سوريا الجديدة» إلى خطاب «سوريا الشريكة»
الخطاب السوري في نيويورك يمكن أن ينتقل من مرحلة التعريف بالنظام السياسي الجديد إلى مرحلة تقديم برنامج وطني للشراكة الدولية، أي أن الرسالة يمكن أن تصبح:
نحن نريد دولة موحدة ونريد الاستقرار ونريد إعادة بناء المؤسسات ونريد عودة اللاجئين ونريد الاستثمار ونريد إعادة الإعمار ونريد علاقات متوازنة مع الجميع.
ونريد مكافحة الإرهاب ونريد حماية التنوع السوري ونريد من المجتمع الدولي أن ينتقل معنا من مرحلة المساعدات الإنسانية إلى مرحلة الاستثمار في التنمية، وهذا سيكون أكثر تأثيراً من مجرد المطالبة برفع العقوبات.
الحادي عشر: دمشق تدخل «الموسم الدبلوماسي» في لحظة مناسبة
سبتمبر ليس شهراً عادياً في الدبلوماسية الدولية، إنه شهر الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تجتمع غالبية القيادات السياسية العالمية في نيويورك.
وهذا يعني أن استقبال السفراء الجدد في دمشق في هذا التوقيت يأتي ضمن موسم دبلوماسي نشط.، وفي هذه المرحلة تتحرك الدول لتثبيت بعثاتها واتصالاتها، ويبدأ موسم جديد من اللقاءات السياسية والاقتصادية.
وبالتالي يمكن أن تكون دمشق أمام موجة من النشاط الدبلوماسي خلال الأشهر المقبلة، وهذا النشاط إذا أحسن استثماره يمكن أن يتحول إلى: مؤتمرات استثمارية، اتفاقيات اقتصادية، شراكات جامعية، مشاريع بنية تحتية، تعاون أمني، تعاون في الطاقة، وبرامج دعم للمؤسسات السورية.
الثاني عشر: البعد الأوروبي لا يقتصر على أوروبا
عودة أوروبا إلى دمشق لها انعكاسات إقليمية، فالشركات الأوروبية لا تنظر إلى سوريا باعتبارها سوقاً داخلية فقط.، سوريا يمكن أن تكون نقطة اتصال بين: الخليج والعراق وتركيا وشرق المتوسط.، وهذا يمنحها أهمية جغرافية خاصة.
وإذا استطاعت دمشق استعادة الاستقرار وتطوير البنية التحتية، فإن موقعها يمكن أن يتحول من عبء جغرافي خلال سنوات الحرب إلى ميزة اقتصادية استراتيجية، وهنا تظهر أهمية الطرق والموانئ والسكك الحديدية والمعابر والطاقة.
الثالث عشر: سوريا أمام فرصة لبناء “اقتصاد إقليمي”
يمكن لسوريا أن تصبح خلال السنوات المقبلة جزءاً من شبكات إقليمية جديدة:
شبكات الكهرباء وشبكات النقل وممرات التجارة والربط اللوجستي والطاقة والزراعة والصناعات الغذائية والسياحة والخدمات الصحية والتعليمية.
وهذا يتطلب أولاً إعادة بناء البنية التحتية، لكن البنية التحتية وحدها لا تكفي ،فلا بد من بناء بيئة أعمال سورية جديدة.
الرابع عشر: هنا تظهر أهمية الحوكمة
المستثمر الأوروبي أو العربي لن يسأل فقط عن حجم السوق، بل سيسأل: هل القانون واضح؟ وهل القضاء قادر على حماية العقود؟ وهل الملكية مصانة؟ وهل إجراءات الاستثمار شفافة؟ وهل هناك فساد؟ وهل التحويلات المالية ممكنة؟ وهل النظام الضريبي مستقر؟ وهل المؤسسات الحكومية قادرة على تنفيذ المشاريع؟ وهل الأمن مستقر؟ وهل القرارات الحكومية متوقعة؟ وهنا يصبح الإصلاح الإداري والحوكمة جزءاً من عملية جذب الاستثمار، بمعنى آخر: الدبلوماسية الخارجية وحدها لا تكفي لبناء سوريا الجديدة؛ يجب أن تتكامل مع إصلاح الدولة من الداخل.
الخامس عشر: من “رفع العقوبات” إلى “جذب الاستثمار”
من أكبر الأخطاء السياسية أن يبقى الخطاب السوري محصوراً في مطالبة المجتمع الدولي برفع العقوبات.
ورفع العقوبات مهم، لكن الهدف النهائي ليس رفع العقوبات بحد ذاته، لكن الهدف هو: إعادة دمج الاقتصاد السوري في الاقتصاد العالمي، أي أن تصبح سوريا قادرة على:
الاستيراد والتصدير، وجذب الاستثمار، والحصول على التمويل، وبناء شراكات دولية، وتطوير القطاع المصرفي، وتشغيل شركات دولية، والاستفادة من التكنولوجيا، وهذا يتطلب إصلاحات داخلية بالتوازي مع الانفتاح الخارجي.
السادس عشر: عودة اللاجئين مرتبطة بالتنمية
ملف اللاجئين الأوروبي مهم جداً، فأوروبا تريد بيئة سورية مستقرة تسمح بعودة آمنة وطوعية ومستدامة لمن يرغب بالعودة، لكن العودة لن تكون مستدامة بمجرد تحسن الوضع الأمني، اللاجئ يحتاج: منزلاً ومدرسة ومستشفى وكهرباء ومياه ووظيفة وأمناً ووضمانات قانونية.
وبالتالي فإن عودة اللاجئين هي في جوهرها مشروع تنموي بقدر ما هي مشروع سياسي وإنساني، وهنا يمكن أن تلعب أوروبا دوراً مهماً في تمويل برامج التعافي وإعادة تأهيل المناطق والبنية التحتية وخلق فرص العمل.
السابع عشر: الفاتيكان والبعد المجتمعي
وجود القاصد الرسولي ضمن المجموعة الجديدة يضيف بعداً مهماً فسوريا ليست مجرد دولة ذات موقع جغرافي استراتيجي، إنها أيضاً دولة متعددة المكونات والتقاليد الدينية والثقافية.
والعلاقات مع الفاتيكان تحمل رسائل تتعلق بالحضور المسيحي السوري، والتنوع الديني، وحماية النسيج الاجتماعي، والحوار بين الأديان، وهذا الملف له أهمية كبيرة في تقديم صورة سوريا الجديدة أمام العالم.
الثامن عشر: اليونان والدنمارك والسويد.. تنويع للشراكة الأوروبية
أهمية استقبال سفراء اليونان والسويد والدنمارك لا تكمن فقط في أسماء الدول، بل في تنوع الخبرات التي تمثلها.
اليونان مهمة بحكم موقعها المتوسطي وعلاقاتها الإقليمية، والسويد والدنمارك تمتلكان خبرات مهمة في مجالات التكنولوجيا والطاقة والتعليم والإدارة والتنمية، وهذا يعني أن الدبلوماسية السورية تستطيع أن تبني علاقات متخصصة، لا علاقات سياسية فقط.
التاسع عشر: ماذا تحتاج الحكومة السورية الآن؟
إذا كانت المرحلة السابقة هي مرحلة فتح الأبواب، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة استثمار الأبواب المفتوحة، وهذا يتطلب إنشاء منظومة متكاملة للدبلوماسية الاقتصادية.
مثلاً: وزارة الخارجية تفتح القنوات السياسية.
وزارة الاقتصاد تحدد الفرص الاستثمارية.
وزارة المالية تهيئ البيئة المالية.
وزارة الطاقة تطرح مشاريع الطاقة.
وزارة النقل تطرح مشاريع البنية التحتية.
وزارة الصناعة تطرح المشاريع الصناعية.
وزارة الزراعة تطرح مشاريع الأمن الغذائي والتصنيع الزراعي.
هيئة الاستثمار تتحول إلى نافذة حقيقية للمستثمر.
وهنا تتحول السفارات السورية في الخارج والسفارات الأجنبية في دمشق إلى شبكة اقتصادية تعمل على مدار العام.
العشرون: المطلوب ليس مؤتمرات استثمارية فقط
سوريا لا تحتاج فقط إلى عقد مؤتمر اقتصادي ثم التقاط الصور بل تحتاج إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، على سبيل المثال:
مشروع طاقة شمسية ومحطة كهرباء ومشروع مياه وطريق سريع ومنطقة صناعية وخط سكك حديدية ومشفى وجامعة ومدينة سكنية ومشروع زراعي ومصنع دوائي ومركز لوجستي وكل مشروع من هذه المشاريع يمكن أن يكون ثمرة مباشرة للعلاقات الدبلوماسية الجديدة.
وهنا يصبح السفير شريكاً في التنمية، وليس مجرد ممثل سياسي.
الحادي والعشرون: ما الذي يعنيه ذلك للمواطن السوري؟
في النهاية، السياسة الخارجية ليست هدفاً بذاتها، هدفها خدمة الدولة والمجتمع، وإذا نجحت سوريا في تحويل الانفتاح إلى استثمارات، فسينعكس ذلك على:
فرص العمل والأجور والخدمات والكهرباء والبنية التحتية والإنتاج والأسواق وعودة الكفاءات وعودة رأس المال وعودة اللاجئين، وعندها فقط يشعر المواطن أن «الانفتاح الدولي» ليس مجرد خبر سياسي، وإنما تحول في حياته اليومية.
الثاني والعشرون: ثلاثة سيناريوهات أمام سوريا
السيناريو الأول: الانفتاح الناجح
تنجح الحكومة في تثبيت الأمن، وحل الملفات الداخلية، وتحسين الحوكمة، وتطوير الاقتصاد، عندها يتحول الانفتاح الدبلوماسي إلى استثمارات ومشاريع وتنمية، وهذا هو السيناريو الأكثر إيجابية.
السيناريو الثاني: انفتاح سياسي دون إصلاح اقتصادي
تتوسع العلاقات والسفارات، لكن البيئة الداخلية لا تتغير بالسرعة المطلوبة، فيبقى الانفتاح رمزياً أكثر منه اقتصادياً، وهذا يعني ضياع جزء كبير من الفرصة.
السيناريو الثالث: انتكاسة أمنية أو سياسية
عودة الصراعات الداخلية أو تصاعد التوترات الإقليمية يمكن أن يعيد سوريا إلى دائرة الأزمة، وهذا سيجعل المستثمرين يترددون، ويبطئ إعادة الإعمار، ويعيد التركيز الدولي إلى الملفات الأمنية والإنسانية، ولهذا فإن الاستقرار السياسي والأمني هو رأس المال الأول للتنمية.
الثالث والعشرون: المعادلة الجديدة
يمكن اختصار المرحلة السورية المقبلة في معادلة واضحة: الاستقرار السياسي:
– وحدة الدولة
– احتكار السلاح
– إصلاح المؤسسات
– الحوكمة
– الانفتاح العربي
– الانفتاح الأوروبي والدولي
– إعادة الاندماج الاقتصادي
فرصة تاريخية لإعادة بناء سوريا
لكن المعادلة يمكن أن تعمل في الاتجاه الآخر أيضاً:
الفوضى – الانقسام – ضعف المؤسسات – الفساد – عدم وضوح القوانين – ضياع فرصة الانفتاح.
الخلاصة: سوريا أمام لحظة تاريخية
استقبال الرئيس أحمد الشرع أوراق اعتماد سبعة سفراء جدد هو حدث صغير في حجمه البروتوكولي، لكنه كبير في دلالته السياسية.
فالسعودية موجودة والاتحاد الأوروبي موجود والدول الأوروبية موجودة والفاتيكان موجود والبرازيل موجودة، وهذا يعني أن دائرة العلاقات السورية تتسع، لكن الأهم من عدد السفراء هو طبيعة المرحلة التي يمثلونها فسوريا اليوم ليست في نهاية الطريق، إنها في بداية مرحلة جديدة مرحلة الانتقال:
من العزلة إلى الانفتاح ومن الأزمة إلى الدولة ومن المساعدات إلى التنمية ومن إدارة الملفات إلى بناء الشراكات ومن الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية الاقتصادية.
ومن طلب الدعم إلى تقديم فرص الشراكة والاستثمار، ومشاركة الرئيس أحمد الشرع المرتقبة في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة ستمنح دمشق فرصة لتقديم هذه الصورة للعالم: سوريا التي تريد أن تثبت أن التحول السياسي يمكن أن يتحول إلى استقرار، وأن الاستقرار يمكن أن يتحول إلى تنمية، وأن التنمية يمكن أن تعيد بناء الدولة والمجتمع.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي، فالعالم بدأ يفتح أبوابه أمام سوريا، لكن السؤال الأهم الآن ليس: هل فتح العالم أبوابه؟
بل: هل تستطيع سوريا أن تدخل هذه الأبواب وهي تحمل مشروعاً واضحاً لدولة مستقرة، واقتصاد منتج، ومؤسسات فعالة، ومجتمع متماسك، وشراكات دولية متوازنة؟
إذا استطاعت الإجابة عن هذا السؤال بالفعل، فإن اعتماد السفراء لن يكون مجرد مراسم في قصر الشعب، سيكون أحد عناوين التحول الكبير: دمشق تعود إلى العالم، والعالم يبدأ في الاستثمار في دمشق.