التضليل الإعلامي، طوفان الأخبار المفبركة، أنصاف الحقائق، إغراق جمهور مستهدف بالأخبار الكاذبة أو المنزوعة من سياقها، كل ذلك صار جزء من حرب الصور والإعلام.
وفي سوريا مثل غيرها مرتبط “بالميديا” كوسيلة، وإن اختلف المحتوى من حالة لأخرى. لكن جزء من التضليل غير مرتبط بال”بوتات” ولا “بالهجمات الممنهجة” ولا ب”الحسابات الوهمية” ولا ب”لوغاريثم الميديا” ولا حتى “بالأنفلونسر”؛ بل بصحفيين ومثقفين وناشطين يمارسون التضليل والتشويه الإيديولوجي للواقع بشكل كلاسيكي.
أن تستخدم مفاهيم ومقاربات وأوصاف تضخم واقعة او مشكلة، لا تصفها بشكل دقيق، تنتقل بها من حالة خاصة إلى مشكلة عامة، أن تنتزع مشكلة من سياقها وتضعها في سياق آخر يناسب تحزبك وتعصبك الإيديولوجي؛ كل ذلك تضليل كلاسيكي معروف، وهو أشد خطرا لأنه يأتي من موثوقين ولأنه يعمم، أي يطلق أحكام عامة وكلية. مفاهيم تعبر عن الحالة السيكولوجية لمن يطلقها (حانق، حاقد، حاسد، موتور، منزعج، منافق، متملق)، أخرى تعبر عن “فرط التشخيص” و”فرط التحليل”، ثالثة تعبر عن ضيق المنظور (محاولة قراءة أي مشكلة بأدواتي ومفرداتي التي لا أعرف غيرها)، وغالبا يكون مثل هذا سيء النية طبعا، لكنه قد يكون حسن النية لكنه أخرق وغبي أو انفعالي ومتذاكي.
لدى كثيرين ميل لاستخدام أوسع مفهوم أو توصيف للتعبير عن مشكلة ما أو ظاهرة ما، مثل من يستخدم سلاحا شاملا، أو “دواء عاما”، من باب تغليظ القول على مرتكب الخطأ أو على نحو مزيف ومتعجل لوضع تشخيص لجملة أعراض أو وصف ظاهرة من تواتر أحداث، فيصير كل شيء إبادة وإبادي، وطائفي وتطييف، وأسدي وتأسيدي، وجهادي وتجهيدي، ونيوليبرالي وجهادي نيوليبرالي، وما بعد السوريين واللاسوريون الجدد، وكل هذا.
ما دفعني لكتابة هذا الكلام هو أني تذكرت قبل سنوات أيام حصار الغوطة الشرقية وبعد قصفها بالكيماوي، ويوم تهجيرها بالباصات الخضر كتب أحد المهجرين معبرا عن ضيمه وقهره (أنه يريد أن يذهب إلى أبعد نقطة في هذا الكوكب، بعيدا عن سوريا، وعن هذه الوحوش)، كانت هذه السطور مثل صوت صولجان في واد سحيق، تأتي من اعماق نفس كابدت عذابا شديدا وطويلا (عذاب نعرفه تمثل في مأساة موصوفة وممتدة لسنوات، من الحصار والقصف بالبراميل والغاز)؛ بالمقابل تعثر اليوم في كل صفحة على من لم يعش أي شيء من هذا، وهو يتحدث عن لا سوريته وما بعد سوريته، وعن إبادته، وعن مجزرته؛ وعن منصات “تمنحه صوتا”، قد يكون هذا أو ذاك قد عاش ألمه الشخصي أو الجمعي ولا شك، ليس هذا ما أنفيه هنا، لكن شكل وأسلوب التعبير، وتكراره من قبل كثيرين لا نستطيع التحقيق من حالة معاناة قد أصابتهم (لأننا نعرفهم)، تجعلنا نشك بوجود افتراق كبير بين أعراضهم وأمراضهم، نشك بأن هذه التوصيفات مستعارة من آخرين، غير أصيلة، مفرطة، مصنوعة في مخابر، منتجات جاهزة للاستعمال، قابل للتكرار، لا تحيل لأي واقع ولا حتى لأي حالة في الجسد أو النفس، شيء مثل محاكاة هيستيرية للأمراض، هنا نحن حيال [أداء] وليس حيال [تعبير]، أداء المهم فيه ما أريد إظهاره، وليس ما أعيشه فعلا.