العدالة الانتقالية وأثرها على الأمن الاستراتيجي الداخلي للدولة

البلدان التي خاضت ثورات أو شهدت حروب ومجازر لها طريقين لا ثالث لهما  بعد وصولها للإستقرار السياسي النسبي الذي يلحق مرحلة ما بعد الثورة أو ما بعد الحرب – كما يحلو للبعض تسميتها-وهما إما الفوضى أو ترسيخ الإستقرار السياسي.

 

وأحد أهم عوامل ترسيخ الإستقرار السياسي هي العدالة الإنتقالية، لأن بالعدالة يتم إقصاء المجرمين من المشهد  والتقليل من الحنق المجتمعي المتمثل بفرحة أهالي القتلى برؤية المجرمين خلف القضبان ولكن في حال ازدياد الحنق المجتمعي فلسوف ينفجر ذلك في وجه السلطة السياسية ونتيجة لذلك لن تستطيع السيطرة على المجتمع، وسوف يتجه أصحاب الدم لتطبيق العدالة بأنفسهم – من وجهة نظرهم- وهنا تبدأ بذرة الفوضى، دعونا نتخيل حدوث ذلك في مجتمع قبلي كدرعا أو الرقة أو دير الزور أو الحسكة أو ريف حلب الشمالي، وبدأ كل واحد منهم يحقق العدالة بيده، فهنا سنقول وداعًا للسلطة السياسية، لأن الدم لا يجلب إلا الدم.

 

العدالة الإنتقالية هي صمام الأمن المجتمعي الإستراتيجي الذي بدونه سوف ينهار المجتمع وتنتشر الفوضى ويقوض السلم الأهلي الذي تسعى له أي سلطة سياسية في العالم، و السلم الأهلي في سوريا مابعد الثورة هو من أعمدة الإستقرار السياسي هو الآخر.

 

إذاً نحن أمام معادلة واضحة المعالم ، واضحة المدخلات والمخرجات: عدالة انتقالية حقيقة تؤدي إلى استقرار مجتمعي تؤدي إلى سلم أهلي تؤدي إلى استقرار أمني استراتيجي تؤدي إلى دخول رؤوس الأموال ونهضة اقتصادية، بغير ذلك فنحن أمام مشهد معقد.

 

لا يجب على أي سلطة سياسية في العالم أن تعتمد على الصبر الإستراتيجي للشعوب، فالصبر قد ينفذ في لحظة كما رأينا كيف أن أحجار الدومينو قد أطاحت كل واحدة منها بالأخرى بسبب البوعزيزي في تونس.

 

البعض يتحدث عن مخطط لتقسيم الشرق الأوسط وأنه مخطط جاهز إي نظرية المؤامرة، والبعض الآخر ينظر لذلك أنه نتيجة طبيعية لبلدان لا تشهد تنمية حقيقة في أي مستوى من المستويات، هنا لن استطرد بتثبيت نظرية ونفي الأخرى لأن عدوك لايتمنى لك إلا الشر، ولكن القول الفصل في التنمية السياسية، أهي تنمية سياسية حقيقة أم مصطنعة؟

 

لو كانت هنالك تنمية سياسية حقيقة لما شهد الشرق الأوسط ولازال تلك الفوضى وتلك الحروب، لأن مصطلح التنمية السياسية هو مصطلح واسع يشمل الجوانب السياسية والإقتصادية والثقافية وغيرها، أي أنه مصطلح تقوم الدولة كلها بكل مؤسساتها عليه.

 

ولكن لهذة التنمية السياسية أعمدة ونذكر منها: عدالة انتقالية، سلم أهلي، أمن استراتيجي، تعويض الضحايا، نهضة اقتصادية، برلمان حقيقي وغيرها.

 

دعونا نأخذ مثالين أثنين على دولتين أحدهما شهدت عدالة انتقالية والأخرى لم تشهدها: الأولى هي رواندا والثانية لبنان, فقد شهدت رواندا مقتلة لم يعرف التاريخ البشري مثلها إذ أن الصراع القبلي بين الهوتو والتوتسي أدى لمقتل أكثر من مليون شخص في غضون أقل من ثلاثة أشهر، أي ما يعادل ماقام به الديكتاتور بشار الأسد لمدة أربعة عشر سنة، فلم تتبع السلطة الرواندية سياسة اذهبوا فأنتم الطلقاء ولكن أقامت محاكمات عرفت بالغاكاكا.

 

بل الغريب في الأمر أنه عندما كان العالم بأسره يأن ويترنح تحت وطأة كورونا اقتصاديًا كان نمو الناتج المحلي في رواندا بين8.4 – 9.8%.

 

أما على الجهة الأخرى ترى كيف أن لبنان لم يشهد أي عدالة انتقالية بل هو دولة فاشلة بالمقاييس الدولية للتنمية السياسية، بل إن البعض يقول أنها شبه دولة وليست دولة بالمعنى الحقيقي، لأن اتفاق الطائف الذي أنهى سنوات الحرب الأهلية في لبنان لم يكن من ضمن بنوده عدالة انتقالية بل حفظ لكثير من مجرمي الحرب مكانتهم السياسية.

 

فهنا يكمن السؤال :هل نريد أن نصبح مثل رواندا كقوة اقتصادية صاعدة أم مثل لبنان كدولة ممزقة ؟

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

الهجرة النبوية لم تكن انتقالاً في المكان فحسب، بل ثورة على الركود وتحولاً استراتيجياً نقل الرسالة من مرحلة الصبر إلى…
لم تعد المعارك السياسية تخاض فقط في قاعات الحكم، بل أيضاً على شاشات الدراما، حيث تصنع الصور وتعاد كتابة الأبطال…
تتجه الدبلوماسية السورية نحو تعزيز حضورها في إفريقيا عبر شراكات تقوم على التنمية والاستقرار واحترام سيادة الدول، مستفيدةً من انفتاحها…

القائمة