لم يعد من السهل قراءة السياسة الخارجية التركية من خلال ملف واحد أو محور جغرافي واحد. فأنقرة تتحرك اليوم ضمن شبكة واسعة من المسارات المتوازية: مسار أمني في الشرق الأوسط، وشراكات دفاعية مع دول الخليج وجنوب آسيا، ومسار اقتصادي وتنموي مع آسيا الوسطى والقوقاز، وحضور دبلوماسي في البلقان، وتحرك حساس في بحر إيجة وشرق المتوسط، إلى جانب دورها في البحر الأسود وعلاقاتها المتوازنة نسبياً بين روسيا وأوكرانيا.
وفي هذا السياق يأتي المقترح التركي لإنشاء آلية رباعية تضم تركيا وسوريا والعراق وإيران بهدف بناء منطقة خالية من الإرهاب، بوصفه امتداداً لمسار أمني إقليمي يتجاوز الحدود التركية. ووفق ما نقلته مصادر إعلامية تركية عن وزير الداخلية مصطفى تشفتشي، فإن المقترح لا يزال في مرحلة التصميم، مع حديث عن طرحه على إيران وتجاوب إيراني إيجابي معه. كما سبق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومسؤولين أتراك أن ربطوا مفهوم «تركيا بلا إرهاب» بمفهوم أوسع هو «منطقة خالية من الإرهاب»، وبضرورة التعاون مع دول الجوار.
وهنا تظهر أهمية سوريا في الحسابات التركية الجديدة. فأنقرة تنظر إلى استقرار سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها باعتبارها جزءاً من أمنها الإقليمي، وقد أعلنت رسمياً دعمها لسوريا موحدة، وربطت استقرار الشمال السوري بمفهوم «دولة واحدة، جيش واحد».
من “تركيا بلا إرهاب” إلى “منطقة بلا إرهاب”
التحول الأهم في الخطاب التركي هو أن مكافحة الإرهاب لم تعد تُقدَّم باعتبارها قضية داخلية تركية فقط. أنقرة تحاول بناء بيئة إقليمية تمنع التنظيمات المسلحة من إعادة إنتاج نفسها عبر الحدود.
وهذا يفسر إدخال سوريا والعراق وإيران في التصور التركي. فسوريا تمثل الجبهة الجنوبية، والعراق يمثل العمق الذي توجد فيه امتدادات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، بينما تمثل إيران مساحة أخرى تتقاطع فيها حسابات الأمن الحدودي مع نشاط جماعات كردية مسلحة.
وبالتالي فإن المقترح الرباعي، إذا انتقل من مرحلة الفكرة إلى آلية مؤسسية، سيكون محاولة لتحويل مكافحة الإرهاب من عمليات منفردة إلى تنسيق أمني بين دول ذات سيادة.
لكن نجاحه لن يكون تلقائياً؛ إذ يحتاج إلى تحديد واضح لمن هو الطرف المخوّل بالعمل داخل كل دولة، وكيفية تبادل المعلومات، وما هي حدود العمل الاستخباري والأمني، وكيف تُحترم سيادة كل دولة. وبالنسبة إلى دمشق تحديداً، فإن أي صيغة عملية يفترض أن تقوم على موافقة الدولة السورية وإدارة مؤسساتها لهذا الملف، لا على إنشاء ترتيبات أمنية موازية داخل الأراضي السورية.
المسار الثاني: الحلف الدفاعي من مكة إلى المحيط الهندي
في الاتجاه الآخر، بنت تركيا خلال 2026 مساراً دفاعياً مختلفاً تماماً. ففي 7 آب/أغسطس وقعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي والتنسيق السياسي والعسكري. كما اتفق الأطراف لاحقاً على خطوات لمأسسة التعاون وإنشاء أمانة للاتفاق.
وهذا المسار يمنح تركيا امتداداً استراتيجياً من شرق المتوسط إلى الخليج ثم إلى جنوب آسيا والمحيط الهندي عبر باكستان.
لكن اللافت أن الاتفاق أُعلن بوصفه دفاعياً، ولم يحدد دولة بعينها باعتبارها عدواً مشتركاً، كما أكدت وزارة الدفاع التركية أنه لا يستهدف دولة محددة ولا يحل محل التحالفات القائمة.
وهنا يمكن فهم السياسة التركية باعتبارها بناء شبكات أمنية متعددة بدلاً من الاعتماد على شبكة واحدة.
المسار الثالث: آسيا الوسطى وممرات التجارة
على المستوى الاقتصادي والجيوسياسي، تتحرك أنقرة باتجاه مختلف: بناء فضاء اتصال اقتصادي يمتد من تركيا عبر القوقاز وبحر قزوين إلى آسيا الوسطى.
وتعتبر منظمة الدول التركية إحدى الأدوات الرئيسية لهذا المسار؛ إذ تضم تركيا وأذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان أعضاء، بينما تتمتع تركمانستان وغيرها بوضع مراقب. ووفق وزارة التجارة التركية، بلغ حجم التجارة التركية مع دول المنظمة الأعضاء نحو 16.9 مليار دولار في 2025، مقارنة بنحو 871 مليون دولار عام 2002.
لكن الأهم من الأرقام التجارية هو الممر الأوسط.
فتركيا ترى في ممر بحر قزوين–القوقاز–تركيا طريقاً استراتيجياً يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا، مروراً بكازاخستان وتركمانستان وأذربيجان وجورجيا وتركيا. وتصف الخارجية التركية هذا الممر بأنه أحد المكونات الأساسية لإحياء طريق الحرير.
وهذا يعني أن الدبلوماسية التركية لا تتعامل مع آسيا الوسطى باعتبارها مساحة ثقافية فقط، بل باعتبارها ممرات للطاقة والتجارة والنقل والاستثمار.
القوقاز: القوة والشراكة في الوقت نفسه
وفي القوقاز، تظهر صيغة أخرى من السياسة التركية. فالعلاقة مع أذربيجان تقوم على شراكة سياسية وأمنية واقتصادية عميقة، فيما تبقى العلاقة مع أرمينيا مرتبطة بملفات تاريخية وحدودية وإقليمية أكثر تعقيداً.
وهنا تستخدم أنقرة مزيجاً من أدوات القوة والشراكة والاتصال الاقتصادي، مع محاولة الحفاظ على موقعها في ممرات القوقاز وبحر قزوين.
لذلك فإن القوقاز بالنسبة إلى تركيا ليس ملفاً منفصلاً عن آسيا الوسطى؛ إنه حلقة وصل بين البحر الأسود وبحر قزوين وآسيا وأوروبا.
البلقان: مسار مختلف عنوانه الحوار والسلام
وفي البلقان تتخذ السياسة التركية شكلاً أكثر دبلوماسية واقتصاداً وأقل عسكرية في الخطاب.
تركيا تحتفظ بعلاقات قوية مع دول المنطقة، وتدعم آليات الحوار الثلاثي، ومنها آليات تركيا–البوسنة والهرسك–صربيا وتركيا–البوسنة والهرسك–كرواتيا، كما تدعم منصات مرتبطة بالحوار والسلام والربط الاقتصادي في غرب البلقان. وتصف الخارجية التركية سياستها تجاه البوسنة والهرسك بأنها تقوم على الحوار مع المكونات المختلفة ودعم وحدة أراضي الدولة واستقرارها.
وهنا يصبح البلقان بالنسبة إلى أنقرة عمقاً سياسياً واقتصادياً وتاريخياً في أوروبا، وليس مجرد ساحة أمنية.
وهذا المسار يختلف عن مسار الشرق الأوسط: ففي البلقان تبرز أدوات الحوار، والوساطة، والاستثمار، والروابط التاريخية والثقافية؛ بينما في الملف السوري–العراقي يبرز الأمن ومكافحة التنظيمات المسلحة.
بحر إيجة وشرق المتوسط: الدبلوماسية مع إبقاء القوة في الخلفية
في المقابل، لا تخفي تركيا حساسية ملف بحر إيجة وشرق المتوسط.
خلال أيلول/سبتمبر 2026 تصاعدت التصريحات التركية بشأن ما تعتبره أنقرة عسكرة للجزر اليونانية، في حين رفضت أثينا هذه الاتهامات. كما شهدت المنطقة تحركات عسكرية وجوية متبادلة وتصاعداً في الخطاب السياسي حول الجزر والمجال البحري.
وفي الوقت نفسه، تؤكد أنقرة في خطابها الرسمي أن الحوار والدبلوماسية هما المسار المفضل، مع التشديد على أن ذلك لا يعني التخلي عن أدوات القوة.
وهذا يعكس أحد أبرز ملامح السياسة التركية الحالية: الدبلوماسية لا تعمل وحدها، والقوة لا تعمل وحدها؛ بل تستخدم أنقرة التفاوض والردع في الوقت نفسه.
البحر الأسود: توازن بين روسيا وأوكرانيا
وفي البحر الأسود تتجلى بصورة أوضح سياسة التوازن التركية.
تركيا عضو في الناتو، وتدعم أوكرانيا في عدد من الملفات، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على قنوات اتصال واسعة مع روسيا. كما أن موقعها الجغرافي وسيطرتها على المضائق بموجب اتفاقية مونترو يمنحانها دوراً خاصاً في أمن البحر الأسود.
وفي تموز/يوليو 2026 أكد وزير الخارجية هاكان فيدان أهمية سلامة الملاحة والأمن التجاري في البحر الأسود، ودعا إلى حماية الملاحة وأمن الطاقة وأمن الغذاء، مشيراً إلى استعداد تركيا لمواصلة الحوار مع موسكو وكييف حول هذه الملفات.
وهنا لا تبدو تركيا راغبة في أن تصبح مجرد طرف في الصراع الروسي–الأوكراني؛ بل تحاول الاحتفاظ بموقع يسمح لها بالتواصل مع الطرفين والمساهمة في ملفات مثل الملاحة والغذاء والطاقة.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى سوريا؟
عند جمع هذه المسارات، تصبح سوريا جزءاً من شبكة أوسع بكثير من مجرد العلاقة الثنائية مع تركيا.
سوريا تقع عند نقطة التقاء طرق الشرق الأوسط بتركيا والعراق والخليج والبحر المتوسط، ويمكن أن تصبح جزءاً من منظومة أوسع للطرق والتجارة والطاقة إذا استقرت مؤسساتها وأمنها الداخلي.
ومن هنا فإن اهتمام أنقرة بمفهوم «المنطقة الخالية من الإرهاب» لا ينفصل عن اهتمامها بمشروع «طريق التنمية» الذي يربط الخليج بالعراق وتركيا، ولا عن أمن الحدود، ولا عن مستقبل التجارة الإقليمية. وقد ربط أردوغان بالفعل بين مكافحة الإرهاب ومشروع طريق التنمية والاستقرار الإقليمي.
لكن بالنسبة إلى دمشق، تبقى المعادلة مختلفة: التعاون الأمني مع تركيا أو غيرها يجب أن يندرج ضمن سيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها وقرارها الوطني. فالهدف السوري لا ينبغي أن يكون فقط إزالة تهديد أمني محدد، وإنما استعادة قدرة الدولة على إدارة الحدود والأمن والاقتصاد والموارد والممرات.
هل تستعد تركيا للحرب؟
الأدق ألا يُقرأ هذا التوسع في التحالفات باعتباره دليلاً قاطعاً على أن تركيا تستعد لحرب شاملة.
المؤشرات المتاحة تسمح بقراءة أكثر تركيباً: تركيا توسع قدراتها الدفاعية، وتبني شراكات أمنية، وتراقب محيطها، وتعمل على تأمين الممرات التجارية، وفي الوقت نفسه تستثمر في الدبلوماسية والوساطة والحوار.
أي أنها تبني قدرة على التعامل مع عدة سيناريوهات.
وهذا يختلف عن القول إن قرار الحرب قد اتُخذ.
فالتحالف الدفاعي مع السعودية وباكستان له طابع ردعي ودفاعي معلن، والممر الأوسط له طابع اقتصادي وجيوسياسي، والتحرك في البلقان له طابع دبلوماسي، والآلية الرباعية المقترحة لها طابع أمني، بينما يبقى البحر الأسود مجالاً للموازنة والوساطة.
الخلاصة: دبلوماسية الشبكات لا دبلوماسية المحور الواحد
المشهد التركي الحالي يمكن اختصاره بمفهوم «دبلوماسية الشبكات».
أنقرة لا تبني علاقة واحدة لتضع بقية علاقاتها في مواجهتها، وإنما تحاول بناء مجموعة من الدوائر المتداخلة:
أمنياً: تركيا–سوريا–العراق–إيران لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.
دفاعياً: تركيا–السعودية–باكستان ضمن اتفاق مكة للدفاع المشترك.
اقتصادياً وتنموياً: تركيا–أذربيجان–كازاخستان–أوزبكستان–قيرغيزستان–تركمانستان ضمن فضاء منظمة الدول التركية وممرات آسيا الوسطى.
دبلوماسياً: حضور تركي نشط في البلقان وآليات الحوار الإقليمي.
استراتيجياً: إدارة التوتر مع اليونان وقبرص مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
ودولياً: الحفاظ على قنوات متوازنة مع روسيا وأوكرانيا، خصوصاً في البحر الأسود والملاحة والطاقة والأمن الغذائي.
وبذلك تبدو السياسة التركية أقرب إلى توزيع المخاطر وتعدد الخيارات: إذا تغيرت البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، تمتلك أنقرة شبكة أخرى في الخليج؛ وإذا تعقدت طرق التجارة التقليدية، لديها الممر الأوسط؛ وإذا تصاعد التوتر في البحر الأسود، تحتفظ بقنوات مع موسكو وكييف؛ وإذا ارتفع التوتر في بحر إيجة، تبقي أدوات الردع والدبلوماسية معاً؛ وإذا تراجعت التهديدات على الحدود السورية والعراقية، يمكن تحويل التعاون الأمني إلى تعاون اقتصادي وتنموي.
أما سوريا، فإن موقعها في هذه المعادلة يزداد أهمية كلما انتقلت العلاقة مع تركيا من إدارة الملفات الأمنية إلى بناء شراكة بين دولتين حول الحدود، والأمن، والطاقة، والتجارة، والنقل، وإعادة الإعمار.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المقترح الرباعي: إذا تطور من مجرد فكرة أمنية إلى آلية إقليمية تحترم سيادة الدول، فقد يتحول مفهوم «المنطقة الخالية من الإرهاب» من مشروع أمني تركي إلى إطار أوسع لإعادة تعريف الأمن الإقليمي، بحيث يصبح الأمن مقدمة للتنمية، والتنمية وسيلة لتثبيت الاستقرار، والاستقرار أساساً لفتح الممرات الاقتصادية بين تركيا والعراق وسوريا وإيران.
إن تركيا لا تبني مساراً واحداً للمستقبل؛ إنها تبني عدة مسارات في الوقت نفسه، وتترك لنفسها مساحة للمناورة بين الأمن والدبلوماسية والاقتصاد والقوة والوساطة. وهذه هي النقطة الأساسية لفهم سياستها الخارجية في المرحلة المقبلة.