الدبلوماسية السورية سياسة قائمة على الهدوء والتعاون والودية وحسن جوار مع دول المحيط، كافة تتبنى الانفتاح المتوازن تعتمد مبدأ المصلحة والسيادة أولاً، مع إدارة التنافس الإقليمي القائم بين بعض الدول الداعمة، وقد اعتمدت الحكومة الجديدة سياسة إمساك العصا من الوسط والخروج من لعبة المحاور التقليدية السابقة، ساعية إلى تقريب وجهات النظر ومنع التصادم على التراب السوري.
مظاهر الدبلوماسية:
1- تنويع التحالفات الدولية:
ما بين الشرق والغرب حيث حافظت على قنوات التواصل مع الولايات المتحدة مع ترامب وأوروبا مقابل الحفاظ على قنوات التواصل مع بوتين مع موسكو ومع الصين أيضاً.
توطيد العلاقات مع كيف ولقاء زيلنسكي و كذلك توطيد العلاقات مع موسكو و لقاء بوتين.
دعم الحق الفلسطيني والتنديد بالإباده في غزة من جهة مع الرغبه بتجميد الحدود والعودة لاتفاقية فك الاشتباك مع إسرائيل من جهة ثانية.
2- عدم تجنب الانحياز لمحاور صراعية:
من خلال تصريح الرئيس الشرع أن سوريا لن تكون مصدر إزعاج أو تصعيد مع أحد ورغبتها بتسوية الخلافات مع الدول الأخرى وفق احترام السيادة والتعاون الإقليمي والدولي الفعال.
فرفضت طلباً إسرائيلياً سابقاً بالسماح للمقاتلات الإسرائيلية بالعبور من الاجواء السورية بشكل وتنسيق رسمي لضرب إيران، كما رفضت طلباً امريكياً بالتدخل العسكري لنزع سلاح حزب الله في لبنان في ترجمة لهذه السياسة الجديدة.
أهداف الدبلوماسية السورية:
الحفاظ على المصالح السورية والسيادة الوطنية للبلاد ومنع تدويل أي قضية.
إعادة التموضع والتموقع بين الجميع بعيداً عن الاستقطاب، بحيث تكون عنصراً جامعاً لا مفرقاً او معادياً لأي دولة.
تعزيز مكانة سوريا الدبلوماسية في المحافل الدولية بعد أن كانت دولة ينظر لها بالشفقة أصبحت دولة ذات شأن ولها قرارها وحساباتها.
تعزيز التعاون والاستقرار مع دول الجوار بعد أن كانت عامل تآكل وهادم لهذا الاستقرار.
بناء علاقات جيدة مع جميع الدول وخاصة البلدان التي تستضيف السوريين لتحسين ظروف تعاملهم.
الإلهام من التجربة التركية:
أثبتت الدبلوماسية التركية اليوم نجاحها الخارجي على المستوى الدولي والإقليمي، حيث تميزت بالصبر الاستراتيجي من جهة والبراغماتية والتوازن بين جميع الأطراف من جهة ثانية، وأجادت أنقرة لعبة التوازنات ولم تجازف بعلاقات ومحاور على حساب علاقات أو محاور آخرى.
نرى تركيا اليوم مع النيتو من جهة ومع مجموعة بركس في جهة أخرى، تقف إلى جانب الروسي في قضية وتقف إلى جانب الأوكراني من زاوية آخرى، محافظة على علاقاتها القوية مع بوتين وترامب في الوقت ذاته، هذه المرونة نابعة من فهم عميق لطبيعة السياسة الدولية القائمة على المصالح أولاً وأخيراً.
أما سبب هذه السياسة فهو ما عاينته من الحلفاء الغربيين، فعندما يتعلق الأمر بأمنها القومي والاقتصادي وسيادتها نراها وحيدة ومنفردة ويتجاهلها الجميع، بل إن التهديد قد يأتي من داخل هذا الحلف ومن أعضائه أيضاً..
الخيانة الصامتة للحلفاء: دروس تركيا التي يجب أن يتعلم منها السوريون
- الدعم الأمريكي لقوات قسد شمال سوريا
قدمت الولايات المتحدة دعم قوي لقوات سوريا الديمقراطية على حساب الأمن القومي التركي، ما اعتبر تهديد مباشر لمصالح تركيا وأجبرها على التحرك بمفردها في عدة مناسبات - رفض حلف الناتو التدخل المباشر في سوريا
بعد استهداف القوات التركية من قبل روسيا ونظام الفار الأسد واستشهاد نحو 33 جندي تركياً، لم يقدم الحلف الدعم المباشر المطلوب، بل اكتفى بالمواقف الدبلوماسية الرمزية، ما أظهر محدودية التزام الحلف تجاه الحليف التركي. - أزمة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية S-400
ضغطت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون على تركيا لمنع شراء المنظومة الروسية، ورفضوا تزويدها بمنظوماتهم الدفاعية المتطورة، في محاولة لتقييد قدرتها الدفاعية وخاصة في وقت كانت تتعرض فيه للتهديدات من أطرافها الجنوبية السورية والعراقية. - أزمة بحر إيجة والمواقف الأوروبيةدعمت الدول الأوروبية اليونان وقبرص ضد تركيا في النزاعات البحرية واستكشاف الغاز شرق المتوسط، متجاهلة المصالح التركية الأساسية في المنطقة
- تهديد الولايات المتحدة بالانسحاب من حلف الناتو وفرض ضغوط مالية على أوروبا
ترامب هدد بالانسحاب من الناتو، وفرض رسوماً جمركية أشبه بالعقوبات على الدول الأوروبية، مطالبًا الاتحاد الأوروبي بزيادة مساهماته المالية لتعويض ما اعتبره العبء الدفاعي حيث قال إذا لم يدفعوا، فلن أدافع عنهم - قصف قطر وعدم تحرك المنظومات الأمريكية
رغم وجود منظومات دفاعية أمريكية في قطر، لم تتحرك الولايات المتحدة لصد الهجمات على الدولة الخليجية الحليفة، ما يظهر مرة أخرى خذلان الحلفاء حتى للدول الشريكة الاستراتيجية
هناك تركيز على المصلحة الأمريكية الخاصة على حساب الثقة والتحالفات التقليدية
وعلى نحو مشابه، تواجه سوريا اليوم تحديات موازية كتركيا تماماً، وعود أمريكية وغربية بكبح التغول والتوغل الإسرائيلي، والضغط على الحركات الانفصالية جنوباً وشمالاً والواقع للآن خلافاً للتصريحات..
وهذه ترجمة فعلية للترجمة القولية لتوم براك حين قال ليس لنا حلفاء حليفنا الوحيد هو المصلحة.
ولذلك كان لا بد للدبلوماسية السورية اليوم، أن تتقن فن السياسة الخارجية المتوازنة والمنفتحة على الجميع، سياسة رسم التموضع والتموقع الخارجي، بما يحفظ المصالح ويحمي السيادة بلا ارتهان كلي للغرب وبلا خضوع للضغوطات والتهديدات، فالسياسي الحصيف هو الذي يضع الخطة باء قبل ألف، ويستعد للأسوأ قبل وقوعه..
العلاقات السورية الأمريكية:
لا يختلف سوريان على أن الموقف الأمريكي من الثورة السورية لم يكن حياديًا في أي مرحلة من مراحلها، بل اتسم بازدواجية واضحة تقوم على ركيزتين أساسيتين:
الأولى تمثلت في الضوء الأخضر الأمريكي للنظام البائد وروسيا لممارسة القتل والإجرام، إذ لم تكن موسكو لتقدم على أي خطوة عسكرية كبرى دون غطاء أمريكي ضمني، فوقع السوريون بين قاتل مباشر وقاتل غير مباشر.
وقد تجلى ذلك بوضوح في “خطوط أوباما الحمراء” التي منحت النظام حرية استخدام الأسلحة التقليدية في قتل المدنيين، مع الاكتفاء بمنع استخدام الأسلحة غير التقليدية فقط، وكأن الدم السوري قابل للتفريق بين وسيلة وأخرى!
أما الركيزة الثانية فتمثلت في منع تقديم الدعم العسكري والسياسي الكفيل بوقف شلال الدم السوري، إذ سعت واشنطن لاحتواء الثورة دون تمكينها من تحقيق التغيير الفعلي والإطاحة بالأسد.
وبعد سقوط النظام، قدمت الحكومة السورية سلسلة من الضمانات والتطمينات الدولية عبرت فيها عن سياستها الخارجية الجديدة فكانت:
دبلوماسية إنسانية تعنى بالإنسان السوري وغير السوري وسلامته فاوقفت تجارة المخدرات ومنعت تهريب الكبتاغون.
دبلوماسية وطنية وأخلاقية عادلة تؤمن بالعدالةو الحريات لذلك سعت وعملت أن تكون العدالة المنشودة في سوريا عدالة انتقالية لا انتقامية
دبلوماسية تعاونية مستقرة عززت التعاون مع دول المحيط ومنعت تهريب السلاح وتصدير الأزمات.
دبلوماسية قانونية حوارية تؤمن بالقانون الدولي والسلم العالمي طالما كان متبنياً للقضايا العادلة و الحريات فسلمت السلاح الكيماوي في ترجمة عملية لهذا الفهم.
دبلوماسية صديقة مطمئنة تبني الثقة مع المجتمع الدولي فعالجت ملف المقاتلين الأجانب بشفافية ومسؤولية.
وبناء على ذلك أعلنت واشنطن التزامها بجملة من الإجراءات تحقق بعضها كـ رفع بعض العقوبات والاعتراف الدولي بالحكومة السورية الجديدة والمطالبة باحترام سيادتها ووحدة ترابها، فيما بقيت أخرى حبيسة الوعود، كـ كبح التغول الإسرائيلي ووقف الهجمات الجوية والتوغلات البرية، ووقف دعم الحركات الانفصالية.
الولايات المتحدة وإسرائيل: من يحدد السياسة في الشرق الأوسط؟
قد يلتمس البعض العذر ويرى السياسة الأمريكية صادقة وإيجابية فيما تطرح وتعد وتلتزم وتقول، ويبرر الأمر أن نفوذ نتنياهو يضاهي ويتفوق على نفوذ ترامب الدولي وهذا غير صحيح مطلقاً، فواشنطن هي القوة العظمى سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وهي القوة التي تمنح إسرائيل الحماية الدولية في مجلس الأمن وهي التي تقدم المليارات سنوياً لدعمها وضمان تفوقها كنقطة أمريكية متقدمة في المنطقة
إلا أن الالتزامات الأمريكية بطبيعتها متبدلة، تتشكل وفق المصالح والأولويات، وهو ما يجعلها عرضة للتراجع أو التبديل متى اقتضت الحاجة ذلك وقد عبّر “توم براك” عن ذلك بدقة حين قال: إن واشنطن لا حلفاء لها، حليفها الوحيد هو المصلحة.
العلاقات الروسية السورية:
إعادة دمشق علاقاتها مع موسكو رغم الجراح والإجرام الذي مارستها روسيا بحق الشعب السوري عبر سلسلة من اللقاءات والمحادثات كان أهمها زيارة الرئيس أحمد الشرع ولقاؤه الرئيس الروسي بوتين في توقيت يعكس دلالات هامة منها:
الدبلوماسية التي تحكم سوريا اليوم ذات مرونة وانفتاح على الجميع وفق السيادة والمصالح رغم الألم الذي سببه هذا الطرف أو ذاك
العلاقة مع روسيا الآن هي علاقة قوة وتمكين منطلقها الند للند، والمصلحة مقابل المصلحة، وليست زيارات أو علاقات استجداء وتبعية
السرعة في تطبيع العلاقات أو التحالف أو تبادل الدعم في أقل من سنة مع جهة كروسيا سببت ما سببته للشعب السوري فيدل حكمة سياسية في إدارة المصالح العليا للدولة.
الحرية فمنطلقات العلاقات والدبلوماسية السورية خدمة سوريا وشعبها وهي رد على من يقول أن دمشق اليوم ارتمت في الأحضان الأمريكية وتابعة لها ولمشاريعها
رسالة للداخل السوري أن الدولة بأيدي أمينة فخلال عام واحد تكون عدو لأمريكا ثم تعترف بك وتقيك علاقات معها وتكون عدو لروسيا ثم تعترف بك وتقيم علاقات معها
العلاقات السورية الصينية:
لم يعد اليوم التنين الصين مجرد قوة اقتصادية ضخمة، بل أصبح قوة مهيمنة متعددة الأدوات، تجمع بين التفوق التجاري المالي، والقدرات التكنولوجية الذكية، والتطور العسكري من روبوتات ومسيرات
ولعل العرض العسكري الأخير الذي جمع زعماء الصين وروسيا وكوريا الشمالية كان رسالة واضحة بأن موازين القوة العالمية تتغير، وأن بكين أصبحت رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه.
شهدت العلاقات بين دمشق وبكين خلال المرحلة الماضية تحسنًا تدريجيًا، خاصة في الجانب السياسي.
حيث أعلنت الصين دعمها لسيادة سوريا ورفضها للتدخلات والهجمات الإسرائيلية، هذا الموقف تعزز بلقاءات دبلوماسية بين السفير الصيني ووزير الخارجية السوري.
إضافة إلى ذلك، تنظر الصين إلى سوريا بوصفها نقطة استراتيجية على طريق مشروع الحزام والطريق، وبوابة مهمة نحو البحر المتوسط، ما يجعلها ذات أهمية جيوسياسية خاصة لبكين.
رغم هذا التقارب، فإن بكين تتعامل مع الملف السوري بحذر شديد، وتبرر ذلك بوجود المقاتلين الإيغور في سوريا، والذين تعتبرهم الصين تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ومع هذا القلق يمكن للدولة السورية أن تزيل أسبابه عبر تصريحات وضمانات أن المتواجدين في سوريا من القاتلين الإيغور لن يشكلوا اضطراباً لأي دولة في الخارج ومنها الصين وسيلتزمون بالعقيدة العسكرية للجيش السوري الجديد والعمل داخل الأراضي السورية.
المكاسب المتبادلة للتقارب السوري الروسي والصيني:
المكاسب الدبلوماسية:
للصين ولروسيا دور هام وحضور قوي على الساحة الدولية وخاصة في مجلس الأمن الأمر الذي سينعكس على الدولة السورية من خلال توفير مظلة دولية مساندة لها داخل مجلس الأمن وداعمة لمواقفها وسيادتها، حيث ستمنع الارتهان الكامل للمعسكر الغربي مما يحد من الضغوط ويمنع التنازلات المخلة بالسيادة والمصالح السورية.
أما بالنسبة إلى الصين وروسيا، فمن المتوقع أن تحظيا بتواجد متوسط أو قوي داخل الأراضي السورية وعلى موانئ البحر المتوسط، وهو ما يخدم استراتيجيتهما الرامية إلى كسر الطوق والحصار الأمريكي عليهما، ويفتح أمامهما منفذًا جيوسياسيا واقتصاديًا بالغ الأهمية نحو قلب الشرق الأوسط.
المكاسب التكنولوجية والأمنية:
فيما يتعلق بهذه المكاسب يمكن للصين أن تقدم دعماً أمنياً وعسكرياً للدولة السورية كمراقبة الحدود وتعزيز الأمن وتطوير شبكات الاتصالات، والأهم هو الدعم الفعلي للجيش السوري عبر منظومات متطورة للدفاع الجوي والتي أثبتت فعاليتها مقابل الأسلحة الغربية أثناء المواجهة الهندية الباكستانية الماضية، الأمر الذي سينعكس على تل أبيب والتي تريد بكين معاقبتها نتيجة الدعم العسكري والأمني المقدم تجاه تايون والهادف لبناء منظومات ردع جوية على غرار القبة الحديدية في الأراضي المحتلة
المكاسب الاقتصادية والاستثمارية:
تشكل سوريا بيئة خصبة مغرية للاستثمار الخارجي وخاصة الصيني، من حيث التعاون الفعال بين الجانبين في قطاع إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية والاتصالات وصفقات السلاح المتقدمة التي تحتاجها دمشق، كل هذا سينعكس اقتصادياً على البلدين بشكل إيجابي، وسيعزز التنمية السورية في قطاعات عدة ويخلق العديد من فرص العمل لليد العاملة السورية.
وتشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تصل إلى نحو 400 مليار دولار، فيما يبلغ احتياطي النفط نحو 200 مليار دولار، واحتياطي الغاز 33 مليون دولار، واحتياطي الفوسفات 500 مليار دولار، ما يعكس حجم الإمكانيات الاقتصادية الهائلة لدى سوريا والمصالح المشتركة للتقارب بين البلدين.