المقدمة
الأرض ليست مجرد مساحة نعيش عليها، بل هي ذاكرة وهوية وانتماء، الأرض هي الإقليم بالمنطلق التحليلي للدولة وتعتبر عنصر أساسي من عناصر تشكلها، في السياق السوري تحوّلت الأرض إلى رمز للصمود
والقدرة على البقاء، خاصة بعد سنوات الثورة الطويلة وما حملته من معارك متتالية ارهقت كل ما في البلاد وتركت ندوباً عميقة على الجغرافيا والإنسان معاً، إعادة الإعمار اليوم ليست مجرد ترميم للحجارة المهدمة، بل
هي عملية إعادة إحياء للانتماء، وتجديد للرابطة التي تجمع السوري بأرضه وتاريخه ومستقبله.
الأرض باعتبارها هوية وانتماء:
منذ القدم، شكّلت الأرض جزءاً أصيلاً من وجدان السوري، فهي التي احتضنت حضارات عريقة مثل تدمر وأوغاريت وإيبلا، وهي التي أنبتت سنابل القمح وزيتون المعمورة، الارتباط بالأرض لم يكن مادياً فقط، بل معنوياً
وثقافياً، يتجلى في الأمثال الشعبية: “الأرض عرض” و “من ترك أرضه قلّ مقداره”، لهذا فإن الأرض في الوعي الجمعي السوري مرادفة للكرامة والانتماء ولذلك تمسك بها السورييون بكل ما استطاعوا وكانت دائماً رمز
الصمود والتحدي والمواجهة، لإنها منهم وهم منها فالسوري لا يجد نفسه بعيداً عن أرضه.
الندوب المتراكمة وجرح المكان:
مع اشتداد المعارك وقسوة الصراعات، لم تعد الأرض مكاناً آمناً، بل تحولت مدن بكاملها إلى خرائط دمار: حلب، وحمص، والغوطة، ودير الزور، وإدلب، البيوت تهدمت، والأراضي هُجِرت، والذاكرة الجماعية امتلأت بصور
الأنقاض، الانفصال القسري عن الأرض لم يكن فقداناً لمسكن فحسب، بل اقتلاعاً من الجذور، وانكساراً مؤلماً في علاقة الإنسان بمكانه، فقد هُجّر السوريين قسرً من أراضيهم التي نشأوا وترعرعوا بها وكانت أول ما
حاولوا الدفاع عنه بعد كرامتهم، حيث تركوها مرغمين وتوجهوا إلى إرض جديدة داخل سوريا، حملتهم واعتنت بهم واحتضنتهم وكانت الملاذ لهم وساعدتهم في ترميم أنفسهم وإعادة البناء الذاتي واستكمال عهد الثورة،
وحولت المعاناة الى دافع، دافع قوي للاستمرار والمواجهة ولثقافة المنطقة الدور في ذلك فكما قال مالك بن نبي” الثقافة هي توجيه الطاقات الفردية لتحقيق بناء الفرد في الداخل بالنسبة إلى مصلحته وتحقيق مكانه
في المجتمع بانسجام تلك المصلحة مع مصلحة المجتمع” كانت تلك الأرض “إدلب” لطالما كان اسماً يرمز للصمود والكرامة، إضافة الى أماكن وأراضي في جٌل العالم فكان انتشار للسوريين لم يشهده التاريخ من قبل
على كل البقاع
العودة والتمسّك بالأرض:
رغم كل ذلك ظلّت الأرض الأم لكل مواطن سوري تنادي أبناءها، تنتظر النصر بفارغ الصبر، تنتظر النجاة وإعادة الحياة، كثير من العائلات عادت إلى قراها المهدّمة، رمّمت غرفة واحدة لتسكنها، أو أعادت زراعة بساتين
محترقة بشتلات جديدة، العودة كانت تحمل الآم، نعم لكن يكفي أنها كانت عودة نصر ويكفي أنها كانت مطهرة للأرض، بيت أو غرفة أو حتى خيمة في الأرض كان كافياً ليسعد السوري المنتصر، في ريف حلب
وحمص انطلقت مبادرات شبابية لتنظيف الحقول المهجورة وإعادة زرعها، وانطلق غيرها لترميم غرفة من كل بيت وانطلق غيرها لتنظيف الشوارع والحدائق، والعديد العديد من المبادرات كانت وما زال السوري يقوم بها
بتعاون مع الآخر بكل حب وانتماء، بكل رغبة واعتزاز وفخر، لإنه في سوريته الحبيبة، في أرضه ووطنه
إعادة الإعمار والترميم:
الإعمار في سوريا ليس عملية هندسية فحسب، بل عملية إنسانية واجتماعية، إعادة بناء المنازل والطرقات لا تكتمل من دون إعادة بناء العلاقات المجتمعية التي مزقتها الصراعات والنزعات وما كان يقوم به النظام البائد
من تمزيق للعلاقات والارتباطات بين المكونات والأديان والطوائف، الإعمار هنا هو تصالح مع الذات ومع الأرض، ومصالحة بين الماضي والمستقبل، وكما يقول محمود درويش: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، فإن
إعادة الإعمار فعل إيمان بالحياة رغم كل شيء، ونحن ندرك ضمن سياق الإعمار أنه لابد أن يبدأ العمران بالإنسان قبل كل شيء كما نوه دائماً ابن خلدون على ضرورة توافر دوافع الاعمار بالمستوى الفردي قبل أن ينتقل
للمستوى الجماعي ويتطبق على أرض الواقع،
الخاتمة:
الارتباط بالأرض في السياق السوري هو انتماء لا يمكن أن تنزعه الحروب أو التهجير، وإعادة الإعمار هي أكثر من عملية بناء، إنها وعد متجدد بأن الأرض التي احتضنت حضارات وذاكرة أجيال ستظل قادرة على النهوض من
جديد، وكما تنبت الحياة من بين شقوق الصخور، فإن سوريا ستعود لتزهر، بأهلها وبأرضها.