زيارة أردوغان إلى دمشق.. أكثر من زيارة رئاسية:
تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى دمشق في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا والمنطقة، بعد التحولات التي بدأت في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، والتي دفعت الدولة السورية إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها إعادة بناء المؤسسات مع تحديات الأمن والسيادة ووحدة الأراضي والانفتاح الإقليمي والدولي.
ولهذا، فإن زيارة أردوغان لا يمكن قراءتها باعتبارها زيارة بروتوكولية عابرة، بل باعتبارها محطة سياسية تحمل رسائل تتعلق بمستقبل سوريا وشكل الدولة فيها، وبطبيعة الدور التركي في المرحلة المقبلة، فأنقرة لا تنظر إلى سوريا باعتبارها ملفا منفصلا عن أمنها ومصالحها، بل باعتبارها جزءا أساسيا من معادلة الأمن الإقليمي وإعادة ترتيب المنطقة.
من سوريا المنقسمة إلى دولة موحدة:
خلال المرحلة الماضية، واجهت الدولة السورية تحديات كبيرة، أبرزها انتشار التنظيمات المسلحة ومشاريع الحكم الذاتي ومناطق النفوذ، إلى جانب المطالب المرتبطة بالهوية السياسية والإدارية لبعض المناطق.
وفي هذا السياق، يبرز ملف شمال شرق سوريا باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، فالمسألة بالنسبة إلى أنقرة ودمشق لا تتعلق فقط بوجود تشكيلات عسكرية، وإنما بمستقبل الدولة السورية نفسها: هل تكون هناك مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، أم تبقى تشكيلات مسلحة تحتفظ بهياكلها ومناطق انتشارها؟
ومن هنا تأتي أهمية الرؤية التركية التي تركز على إنهاء التنظيمات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، ودمج الأفراد في المؤسسات الرسمية بصورة فردية، بما يضمن أن يكون السلاح والقرار العسكري تحت سلطة الدولة.
وعليه فإن زيارة أردوغان إلى دمشق تحمل رسالة واضحة في هذا الملف: دعم قيام دولة سورية موحدة، ورفض أن تتحول الأراضي السورية إلى مجموعة من مناطق النفوذ أو الكيانات العسكرية المنفصلة.
وحدة الدولة في مواجهة مشاريع التقسيم:
لا تنحصر القضية في الشمال السوري، إذ تواجه الدولة تحديات أخرى في الساحل والجنوب، ما يجعل مسألة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتعزيز السلطة المركزية من أبرز ملفات المرحلة.
وفي هذا الإطار، يصبح بناء دستور ومؤسسات تضمن حقوق مختلف المكونات العرقية والدينية والمذهبية، في الوقت نفسه الذي تحافظ فيه على وحدة الدولة، أحد الاختبارات الأساسية أمام سوريا الجديدة.
ومن المنظور التركي فإن الاعتراف بحقوق المكونات لا يعني بالضرورة الانتقال إلى الفيدرالية أو الحكم الذاتي، وإنما يمكن أن يتم ضمن دولة موحدة تضمن الحقوق السياسية والثقافية لجميع مواطنيها.
وهنا تكتسب زيارة أردوغان أهمية إضافية، لأنها تأتي في مرحلة يجري فيها النقاش حول شكل الدولة السورية المقبلة، وحدود السلطة المركزية، وطبيعة العلاقة بين المركز والمناطق.
إسرائيل.. العامل الأكثر حساسية:
لكن مستقبل سوريا لا تحدده التطورات الداخلية وحدها، إذ أصبحت الساحة السورية جزءا من تنافس إقليمي أكثر تعقيدا، وفي مقدمته التوتر بين تركيا وإسرائيل حول طبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية في سوريا.
فكلما توسع الدور التركي في سوريا، ازدادت أهمية السؤال حول شكل التوازن الإقليمي الجديد، وتتناقض الرؤية بين تصور تركي يقوم على سوريا موحدة وقادرة على بسط سيادتها، وبين تصور إسرائيلي يركز بصورة أكبر على الحسابات الأمنية وموازين القوى ومنع ظهور ترتيبات قد تحد من حرية الحركة الإسرائيلية.
ومن هنا فإن زيارة أردوغان إلى دمشق تتجاوز بعدها الثنائي، لتبعث برسالة إقليمية واضحة مفادها أن أنقرة تنظر إلى مستقبل سوريا بوصفه جزءا من منظومة أمنها الإقليمي، وأنها تسعى إلى أن تكون طرفا فاعلا وداعما للدولة السورية في مواجهة التوسع والتوغل الإسرائيلي، لا مجرد مراقب لتطورات المشهد.
زيارة فيدان.. التمهيد لمرحلة أردوغان:
اكتسبت زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق أهمية خاصة، ولا سيما مع إشارته إلى أن وجوده في سوريا يرتبط أيضا بالتحضير لزيارة الرئيس أردوغان.
وهنا يصبح التسلسل السياسي لافتا: زيارة وزير الخارجية تهيئ الأرضية السياسية والدبلوماسية، ثم تأتي زيارة الرئيس لتمنح العلاقة مستوى أعلى من الحضور والرسائل.
وبهذا المعنى، فإن زيارة أردوغان لا تبدو منفصلة عن مسار متكامل من الاتصالات التركية السورية، بل تمثل خطوة متقدمة في الانتقال من التنسيق حول الملفات العاجلة إلى بناء تصور أوسع للعلاقة بين البلدين.
الأمن في مقدمة الملفات:
سيكون الملف الأمني حاضرا بقوة في أي مباحثات تركية سورية، خصوصا ما يتعلق بالتنظيمات المسلحة، ومستقبل قوات سوريا الديمقراطية، والأسلحة الثقيلة، وأمن الحدود.
وتطرح الرؤية التركية مفهوم “المنطقة الخالية من الإرهاب” باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للأمن الإقليمي، مع التركيز على إنهاء البنية العسكرية للتنظيمات المسلحة وعدم السماح باستمرارها تحت مسميات جديدة.
ومن هنا، فإن زيارة أردوغان قد تشكل مناسبة لتثبيت تفاهمات أوسع بشأن آليات التعاون الأمني والعسكري، ومستقبل المناطق التي كانت خارج سيطرة الدولة، وكيفية الانتقال بها إلى مرحلة تخضع فيها المؤسسات الرسمية للسلطة المركزية.
الاقتصاد.. الوجه الآخر للزيارة:
وإذا كان الأمن يمثل أحد أعمدة العلاقة التركية السورية، فإن الاقتصاد يمثل العمود الآخر، فسوريا تحتاج إلى إعادة بناء واسعة تشمل الطاقة والكهرباء والنقل والمياه والإسكان والصناعة والزراعة والاتصالات، وهو ما يتطلب بيئة سياسية وأمنية مستقرة وقوانين واضحة وقادرة على جذب رؤوس الأموال.
كما أن رفع العقوبات وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والدولي يفتحان الباب أمام فرص جديدة، خاصة أن موقع سوريا الجغرافي يمنحها أهمية في التجارة والنقل والطاقة.
وتبرز هنا أزمة هرمز والتحولات التي تشهدها طرق نقل الطاقة، إذ يمكن للموقع السوري أن يكتسب أهمية متزايدة في نقل الطاقة برا وربط الأسواق الإقليمية بعضها ببعض.
ومن ثم فإن زيارة أردوغان قد تكون أيضا بوابة للانتقال من الحديث عن إعادة الإعمار إلى بناء شراكات اقتصادية فعلية، بحيث تتحول العلاقات التركية السورية إلى مشاريع في الطاقة والنقل والتجارة والاستثمار والبنية التحتية.
من إدارة الأزمات إلى التحالف في مرحلة السلام:
الأهمية الأكبر للزيارة تكمن في أنها قد تؤسس لتغيير طبيعة العلاقة بين أنقرة ودمشق، فخلال السنوات الماضية، ارتبطت العلاقات بين البلدين باللاجئين والحدود والإرهاب والأمن والملف العسكري، أما المرحلة المقبلة فتفتح الباب أمام علاقة مختلفة تقوم على المصالح المشتركة والتعاون المؤسسي والتنسيق السياسي والاقتصادي.
وهنا تصبح عبارة “الأخوة التركية السورية” ذات معنى مختلف، إذ لا تعود العلاقة محصورة في مواجهة الأزمات، وإنما تمتد إلى مرحلة السلام وإعادة الإعمار والتنمية والتجارة والاستثمار.
سوريا تعود إلى محيطها:
تأتي زيارة أردوغان في وقت تشهد فيه سوريا انفتاحا متزايدا على محيطها العربي والدولي، مع عودة الاتصالات الدبلوماسية وتزايد الحضور الخارجي في دمشق، وبالتالي فإن الزيارة يمكن أن تعزز صورة سوريا باعتبارها دولة تعيد بناء مؤسساتها وتستعيد علاقاتها الدولية، بعد سنوات من الحرب والعزلة.
كما أن تركيا بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع العالم العربي وأوروبا، تستطيع أن تشكل جسرا مهما أمام سوريا نحو أسواق وشراكات إقليمية ودولية جديدة، وهنا لا تصبح سوريا مجرد دولة تبحث عن المساعدات بل دولة يمكن أن تتحول إلى شريك في التجارة والطاقة والنقل وإعادة الإعمار.
الجامع الأموي.. البعد الرمزي:
أما الحديث عن الصلاة في الجامع الأموي خلال الزيارة، فيمنح الحدث بعدا رمزيا يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة، فالجامع الأموي ليس مجرد موقع ديني، بل أحد أبرز الرموز التاريخية لدمشق، ومن ثم فإن ظهوره في سياق زيارة الرئيس التركي يمكن أن يمنح الزيارة بعدا شعبيا وتاريخيا يعكس عمق الروابط بين الشعبين التركي والسوري.
وبذلك قد تجمع الزيارة بين الرسالة السياسية والبعد الرمزي وهو: أن تركيا تتعامل مع سوريا في مرحلة السلام كما تعاملت معها في مرحلة الأزمة، ولكن بأدوات جديدة تقوم على الشراكة والتعاون وبناء المستقبل.
ماذا تعني زيارة أردوغان في النهاية؟
في المحصلة تحمل زيارة أردوغان إلى دمشق، خمس رسائل أساسية:
دعم وحدة الدولة السورية.
تعزيز التعاون في مكافحة التنظيمات المسلحة.
مواجهة مشاريع التقسيم ومناطق النفوذ.
فتح الطريق أمام شراكة اقتصادية واسعة.
وإعادة تثبيت سوريا كدولة ذات سيادة وحضور إقليمي ودولي.
ولهذا فإن قيمة الزيارة لا تقاس فقط بما سيصدر عنها من بيانات أو اتفاقيات، وإنما بما يمكن أن تؤسس له في السنوات المقبلة.
فإذا انتقلت العلاقة التركية السورية من التنسيق الأمني إلى الشراكة الاستراتيجية، ومن إدارة الملفات إلى بناء المشاريع، ومن مرحلة الأزمات إلى مرحلة السلام، فإن زيارة أردوغان إلى دمشق ستكون نقطة تحول في مسار العلاقة بين البلدين.
ومن هن فإن المشهد يتجاوز زيارة رئيس لدولة مجاورة، بل هو محاولة لإعادة صياغة موقع سوريا في المنطقة، وعن الدور الذي تريد تركيا أن تؤديه في هذه المرحلة، وعن مستقبل شراكة قد تمتد من الأمن والسياسة إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة وإعادة الإعمار والتعاون وبناء المستقبل.