رفع القيود عن سوريا لم يخلق النهضة، لكنه أزال جزءاً مهماً من البيئة التي كانت تعوقها؛ وهذه هي الحقيقة التي يجب أن ينطلق منها القرار السوري الجديد، ففي 24 أغسطس 2026 أزالت الولايات المتحدة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد فترة مراجعة في الكونغرس، في خطوة أزالت عائقاً رئيسياً أمام تعامل المؤسسات المالية والاستثمار الدولي مع السوق السورية، وكانت واشنطن قد رفعت في 2025 العقوبات الاقتصادية الشاملة، مع الإبقاء على قيود وعقوبات مستهدفة، ثم جاءت خطوة أغسطس لتفتح مجالاً أوسع أمام النظام المالي والاستثماري الدولي، ومن ثم فإن ما حدث يمكن اعتباره لحظة تأسيسية لسوريا اقتصادياً، لكن ليس بمعنى أن البلاد أصبحت جاهزة تلقائياً للنهضة؛ فرفع العقوبات يزيل قيداً خارجياً، بينما تحويل هذه المساحة الجديدة إلى نمو وإنتاج واستقرار هو مهمة الدولة السورية نفسها.
وتكمن أهمية الأسابيع الأخيرة في أن المؤشرات لم تعد نظرية، فبعد رفع القيود بدأت مؤسسات مالية دولية بالعودة تدريجياً إلى السوق السورية؛ وفي 27 أغسطس نفذت Visa وMastercard أولى المعاملات الدولية بالبطاقات داخل سوريا، في خطوة رمزية وعملية على طريق إعادة ربط البلاد بالبنية المالية العالمية، مع تأكيد المصرف المركزي أن الإطلاق يجري بصورة مرحلية وأن استكمال الاندماج المالي يحتاج إلى تطوير البنية المصرفية والامتثال والأمن السيبراني والعلاقات مع المصارف المراسلة، هذه الخطوة قد تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة تعكس انتقال سوريا من اقتصاد محاصر مالياً إلى اقتصاد يستطيع، ولو تدريجياً، إعادة بناء قنواته مع النظام المالي العالمي.
ومن هنا جاء معرض دمشق الدولي في دورته الثالثة والستين بوصفه اختباراً مبكراً لما بعد رفع القيود، فقد اختتم المعرض في 4 سبتمبر بمشاركة تقارب ألف جهة من نحو 60 دولة، واستقبل نحو 1.4 مليون زائر، فيما أعلنت الجهة المنظمة أن النشاط الاقتصادي الأولي المرتبط بالعقود ومذكرات التفاهم واتفاقات الإنتاج والتوريد تجاوز 150 مليار ليرة سورية، وقدرته وكالة الأنباء السورية بنحو مليار دولار، والأهم أن القائمين عليه وصفوا الدورة الحالية بأنها انتقال من معرض لعرض المنتجات إلى منصة للأعمال والاستثمار والشراكات، لكن الرقم نفسه يحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فهو يمثل قيمة أولية لعقود واتفاقات ومذكرات، وليس بالضرورة استثمارات نقدية منفذة دخلت الاقتصاد السوري بالفعل، وهذه التفرقة ضرورية لأن النهضة لا تقاس بحجم العناوين المالية، وإنما بحجم ما يتحول منها إلى أصول وإنتاج ووظائف وصادرات.
ومن منظور المدرسة الواقعية، فإن السؤال السوري لم يعد: كيف نقنع المستثمر بالمجيء؟ بل: لماذا يجب أن يبقى المستثمر في سوريا بعد أن يأتي؟ المستثمر الجاد لا يشتري خطاباً سياسياً، وإنما يقيس البيئة التي سيضع فيها رأسماله على أساس سرعة تأسيس الشركة، وضوح القانون، توحيد الجهة المسؤولة، حماية العقود، إمكانية تحويل الأموال، كلفة الطاقة والنقل، سهولة التخليص الجمركي، ووجود آلية فعالة لحل النزاعات، ولهذا فإن المشكلة التي ظهرت لدى بعض المستثمرين بعد موجة الاهتمام الأولى لا ينبغي إنكارها ولا تضخيمها؛ تعدد الجهات والإجراءات المتباينة وبطء بعض القنوات أمور خطرة، لكنها طبيعية في اقتصاد يخرج من أربعة عشر عاماً من الحرب والانقسام إذا تحولت إلى مشاكل مؤقتة تخضع للإصلاح المستمر، أما الخطر الحقيقي فهو أن تتحول الاستثناءات والتعقيدات إلى قاعدة دائمة.
وهنا يصبح مؤشر البنك الدولي لجاهزية الأعمال B-READY أكثر من مجرد رقم دولي، المنهج الذي يعتمد عليه البنك لا يكتفي بفحص النصوص القانونية، بل ينظر كذلك إلى الخدمات العامة والفاعلية التشغيلية ووقت وكلفة تنفيذ الإجراءات اللازمة لبدء النشاط، وهذا هو تحديداً الاختبار الذي ينبغي أن تقيس سوريا نفسها عليه: ليس هل يوجد قانون للاستثمار، بل هل يستطيع المستثمر استخدامه فعلياً؟ وليس هل توجد هيئة للاستثمار، بل هل يستطيع رجل الأعمال الوصول إلى قرار واضح من جهة واحدة وفي وقت معلوم؟ إن الدولة التي تطبق قانوناً جيداً بطريقة سيئة تبقى بيئة أعمال سيئة، مهما كانت جماليات نصوصها.
ولهذا ينبغي أن تصبح «النافذة الواحدة» أكثر من شعار إداري، التوجه السوري نحو مرافقة المستثمر وتوحيد قنوات التواصل وتطوير الإجراءات يمكن أن يكون إحدى أهم أدوات الإصلاح الاقتصادي إذا تم تحويله إلى مؤسسة فعالة، لا إلى طبقة بيروقراطية جديدة، كما أن تجربة المنطقة الحرة في عدرا تقدم نموذجاً أولياً مهماً؛ فالمنطقة تستضيف نحو 400 مستثمر، وتتجاوز نسبة الإشغال فيها 80%، وترتبط بالصادرات إلى الخليج والأردن وتركيا، بينما يجري تطوير بنيتها الرقمية واللوجستية والانتقال تدريجياً نحو نظام «صفر ورق»، الموقع نفسه مهم، لكن الأهم أن عدرا تجمع بين الطريق الدولي، والقرب من المطار، والخدمات الجمركية، والإنتاج، والتصدير؛ أي أنها بدأت تستعيد وظيفة اقتصادية تتجاوز مجرد التخزين.
والدرس الذي ينبغي استخلاصه من المستثمرين في عدرا ليس أن سوريا تحتاج فقط إلى مزيد من الحوافز، وإنما أن المستثمر يريد القدرة على تنفيذ فكرته، فكثير من المستثمرين لا يبحثون عن مشروع جاهز صممته الدولة؛ لديهم نماذج أعمال وخبرات وأسواق يريدون نقلها إلى سوريا، لذلك فإن السياسة الاستثمارية الأكثر ذكاءً ليست إغراق السوق بقائمة مشاريع حكومية، وإنما إزالة العوائق أمام المستثمر حتى يكتشف المشروع الذي يراه أكثر جدوى، الدولة الناجحة ليست «بائع مشاريع»، بل صانع بيئة تمكن القطاع الخاص من إنتاج المشاريع بنفسه.
وهذا يقود إلى قضية أهم: ما نوع رأس المال الذي تريده سوريا؟ ليس كل دولار متساوياً في قيمته الاستراتيجية، المال الذي يدخل في المضاربة العقارية قد يرفع أسعار الأصول، لكنه لا يخلق بالضرورة قاعدة إنتاجية، أما المال الذي يدخل إلى الطاقة، والتصنيع، والزراعة، والنقل، والتكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، فيضيف قدرة اقتصادية جديدة يمكن أن تستمر بعد انتهاء المستثمر نفسه، ولذلك فإن معيار نجاح السياسة الاستثمارية السورية لا يجب أن يكون حجم التدفقات وحده، وإنما القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد بعد دخولها، التكنولوجيا، والمهارات، وسلاسل الموردين، والتصدير، والوظائف، والإيرادات العامة.
وفي هذا السياق اكتسب مشروع «دمشق الجديدة» الذي أعلنت عنه شركة «أرادَ» بالشراكة مع الصندوق السيادي السوري دلالة كبيرة، من دون أن يكون من الحكمة اختزال النهضة فيه، المشروع يقع على مساحة أربعة ملايين متر مربع، وتبلغ قيمة التطوير المعلنة له سبعة مليارات دولار، ويشمل الإسكان والضيافة والتجزئة والتعليم والرعاية الصحية وغيرها لكنه، حتى الآن، يظل مشروعاً تطويرياً معلناً، وليس سبعة مليارات دولار دخلت الخزينة السورية نقداً، الفرق مهم جداً، القيمة الحقيقية للمشروع ستظهر في حجم التنفيذ، وفرص العمل، وقدرته على تحفيز قطاعات البناء والتمويل والخدمات والتجارة، ومدى ارتباطه باقتصاد منتج لا بمجرد ارتفاع قيمة العقار.
وهنا ينبغي على الدولة أن تضع حداً واضحاً بين عمران المدينة وعمران الاقتصاد. بناء المستشفى والفندق والمدرسة والسكن ضروري، لكن المدينة لا تصنع نهضة بمفردها، النهضة تبدأ عندما توجد الشركات التي توظف سكانها، والمصانع التي تزود أسواقها، وشبكات الطاقة التي تشغلها، والطرق والموانئ التي تربطها بالأسواق، والبنوك التي تمولها، المدينة الناجحة هي نتيجة اقتصاد منتج، لا تعويض عن غيابه، ولذلك فإن أي استراتيجية إعمار سورية تجعل العقار في مقدمة النمو على حساب الصناعة والطاقة والنقل قد تحقق مشهداً بصرياً سريعاً، لكنها تخاطر ببناء اقتصاد هش ومضخم الأصول.
وهذا هو السبب في أن الانفتاح الألماني مهم أكثر من حجمه المالي المباشر، ففي 2 و3 و4 سبتمبر ناقشت دمشق مع وفد ألماني رسمي ورجال أعمال وشركات ألمانية فرص الاستثمار وإعادة الإعمار، مع تركيز على مشاريع التنمية والنقل والزراعة والصناعة وغيرها، وفي لقاء مباشر مع ممثلي قطاع الأعمال الألماني قال الرئيس أحمد الشرع إن سوريا تجاوزت مرحلة بناء الثقة والتعارف، وأن الوقت حان للانتقال إلى العمل والاستثمار، قيمة الشراكة الألمانية المحتملة لا تكمن فقط في رأس المال، بل في إمكانية جلب التكنولوجيا والمعايير والخبرة الصناعية والهندسية والإدارية إلى اقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء القدرة قبل إعادة بناء الحجم.
والاتجاه نفسه يظهر في إعادة تنشيط المناطق الحرة والصناعة والتجارة الخارجية، فدمشق لا تتعامل فقط مع مستثمرين منفردين، بل بدأت تحاول إدخال سوريا في سلاسل التوريد الإقليمية والدولية، وهو اتجاه ظهر بوضوح منذ 29 أغسطس في الحديث عن توسيع دور المناطق الحرة السورية، ثم في نشاط عدرا، وفي المباحثات السورية التركية حول النقل والبنية التحتية، وفي الاهتمام الأردني والخليجي بالسوق السورية، ومعنى ذلك أن وظيفة سوريا الاقتصادية قد تتحول تدريجياً من سوق استهلاكية محاصرة إلى منصة إنتاج وإعادة تصدير وربط بين الجوار.
وهنا تدخل الجغرافيا في قلب استراتيجية الاقتصاد، سوريا لا تحتاج إلى منافسة كل موانئ المنطقة أو كل الأسواق في جميع القطاعات؛ ميزتها الأساسية أنها تقع بين العراق والخليج وتركيا والأردن والبحر المتوسط، وإذا نجحت في الجمع بين الطرق البرية والموانئ والسكك والمناطق الحرة والطاقة والخدمات المالية، فإنها تستطيع أن تبيع للعالم وظيفة الربط نفسها، وهذا يتقاطع مع تطور مسار النفط العراقي إلى بانياس، الذي أعاد وضع سوريا داخل معادلة أمن الطاقة الإقليمية مؤخراً، قيمة هذا المسار لن تكون في رسوم المرور وحدها، بل في الخدمات اللوجستية والتخزين والنقل والتأمين والتصنيع الذي يمكن أن ينشأ حوله، عندها تصبح الجغرافيا مورداً اقتصادياً، والاقتصاد مصدراً للنفوذ.
لكن هذا النوع من الجغرافيا لا يعيش من دون بنية تحتية، فالطرق، والسكك، والموانئ، والكهرباء، والمياه، والاتصالات، والجمارك، ليست مشاريع خدمية منفصلة عن النمو؛ إنها الآلة التي تنتج النمو، ولذلك فإن استعارة التجربة الصينية يجب أن تكون في هذا المستوى تحديداً، الصين لم تبدأ من الأبراج والقطارات فائقة السرعة التي نراها اليوم، بل من إصلاح مؤسسات الاقتصاد، وفتح مناطق محددة، وجذب الاستثمار، وبناء البنية الأساسية، ثم التوسع في حلقات القيمة، الدرس السوري ليس تقليد الصين ولا انتظار نتائج صينية في سنوات قليلة، وإنما إدراك أن النهضة تراكم قدرة بعد قدرة.
ولهذا تحتاج سوريا إلى نفس طويل، السنوات الأولى بعد الحرب هي عادة الأصعب، لأنها سنوات إعادة بناء الثقة والمؤسسات والبنية الأساسية في الوقت نفسه، السرعة مهمة، لكن السرعة من دون ترتيب الأولويات قد تصبح مصدراً للخلل، ومن منظور المصلحة السورية العليا، يجب أن تبدأ الأولويات بما يخفض كلفة كل نشاط اقتصادي آخر: الطاقة، وشبكات النقل، والحدود والجمارك، والاتصالات، والمياه، والتمويل، ثم يأتي التوسع الصناعي والزراعي والتجاري، وبعد ذلك الخدمات المتقدمة والمشاريع العمرانية الكبرى، إنفاق الموارد المحدودة على أصل منتج يمكنه تشغيل عشرة قطاعات أخرى أكثر قيمة من إنفاقها على أصل جميل لا يولد نشاطاً اقتصادياً كافياً.
وهذا يعني أن المرحلة الأولى يجب أن تكون مرحلة تثبيت الدولة والبنية الأساسية، ثم تأتي مرحلة رفع القدرة الإنتاجية، ثم مرحلة التكامل الإقليمي، ثم مرحلة تحويل سوريا إلى اقتصاد تصديري وخدماتي قادر على إنتاج فائض، الفكرة ليست في الالتزام الحرفي بجدول زمني جامد، وإنما في عدم القفز إلى مرحلة قبل إنجاز ما يسبقها، ليس المطلوب أن تنتظر سوريا عشر سنوات حتى تتحرك، بل أن تعرف أي استثمار اليوم يفتح الطريق للاستثمار غداً.
ومن هنا يجب أن يكون قطاع الطاقة في مقدمة الأولويات، سوريا تحتاج إلى استقرار الكهرباء والوقود ليس فقط لتحسين حياة المواطنين، بل لتخفيض كلفة الصناعة والنقل والاستثمار، الاقتصاد الذي يدفع مصنعه ثمن الكهرباء المرتفعة ووسائل النقل المكلفة والتخليص البطيء، لن يكون قادراً على المنافسة حتى لو ألغيت كل العقوبات في العالم، ولذلك فإن الأموال الخارجية التي ستدخل سوريا ينبغي أن تُستخدم، حيث أمكن، لتكوين قدرة إنتاجية إضافية لا مجرد تغطية العجز الجاري.
ويظهر القمح هنا مثالاً مختلفاً لكنه شديد الأهمية، فقد أعلنت المؤسسة السورية للحبوب أن البلاد حققت الاكتفاء الذاتي في القمح للموسم الحالي بعد استلام وتخزين نحو 2.75 مليون طن، مقابل احتياج سنوي مقدر بنحو 2.55 مليون طن، مع اعتماد كبير على إنتاج الشرق السوري وإعادة تأهيل مراكز التخزين، هذه النتيجة لا تعني أن الأمن الغذائي السوري اكتمل، لكنها تثبت قاعدة اقتصادية يجب البناء عليها: الدولة لا تستعيد قوتها باستيراد كل شيء من الخارج، وإنما بقدرتها على إنتاج الأساسيات ثم الانتقال من الاكتفاء إلى القيمة المضافة والتصدير، الخطوة التالية ليست فقط إنتاج القمح، بل تحسين التخزين والطحن والتصنيع الغذائي والنقل والأسواق، بحيث يتحول الأمن الغذائي إلى قطاع اقتصادي.
ولابد من الحديث عن التحول الرقمي، فهو من أكثر الملفات التي قد تختصر على سوريا سنوات من البيروقراطية إذا أُدير بصورة صحيحة، انضمام سوريا إلى منظمة التعاون الرقمي في 5 سبتمبر يفتح مجالاً للتعاون في الاقتصاد الرقمي والتحول الحكومي والتجارة والخدمات، لكن القيمة الحقيقية ستكون في ربط هذا المسار بإصلاح الإدارة: شركة تُسجل إلكترونياً، ورسوم تُدفع رقمياً، ومعاملة جمركية يمكن تتبعها، وسجل تجاري موحد، وربط بين الموانئ والمصارف والضرائب، بهذه الطريقة تصبح الرقمنة أداة لتخفيض كلفة الدولة على المواطن والمستثمر، لا مجرد تحويل الورق إلى ملفات إلكترونية.
وهنا تظهر مسألة المستثمر مرة أخرى من زاوية مختلفة: المستثمر لا يريد فقط قانوناً جيداً، وإنما زمناً يمكن توقعه، إذا قيل له إن المعاملة تحتاج أسبوعاً وأصبحت ثلاثة أشهر، فإن تكلفة الاستثمار الفعلية ترتفع، وإذا اختلف تفسير القانون من مؤسسة إلى أخرى، يصبح القرار الاستثماري نفسه مخاطرة، ولذلك فإن توحيد قواعد الإجراءات، والجهة المخولة بالقرار، وآليات الاعتراض، والتحكيم التجاري، كلها تشكل جزءاً من رأس المال غير المرئي الذي تحتاجه سوريا، وقد أصبح التحكيم التجاري، وحماية المستثمر، وتطوير أطر فض المنازعات، جزءاً من النقاش الاقتصادي السوري، وهذا أمر ينبغي توسيعه لا تأجيله.
ومن أخطر الأخطاء التي ينبغي تجنبها أن تتحول عودة رأس المال إلى اقتصاد امتيازات جديد، سوريا الخارجة من الحرب تحتاج إلى المستثمر، لكنها تحتاج أيضاً إلى المنافسة، المطلوب هو أن يحصل المستثمر على أرض وقانون وخدمات وحماية، لا على احتكار دائم للسوق، فالاقتصاد الذي يستبدل الاحتكار العام باحتكار خاص لا يكون قد أصلح بنيته، وإنما غيّر مالك الاحتكار، ولهذا يجب أن تكون القواعد واحدة، وأن تُحارب المحسوبية، وأن تظل الدولة حاضرة كمنظم وحكم لا كشريك يبحث عن أكبر حصة ممكنة في كل مشروع.
وهنا تظهر مسألة توزيع الاستثمار جغرافياً، لن تكون نهضة سورية مستقرة إذا تركزت الاستثمارات في دمشق وبعض المدن الرئيسية بينما بقيت المحافظات الطرفية خارج الدورة الاقتصادية، العدالة المكانية ليست شعاراً اجتماعياً فقط، بل شرط للاستقرار السياسي، وهو أبرز علاج لكف الهجرة من الريف للمدينة، والمطلوب هو ربط الاستثمارات بطبيعة كل منطقة: الزراعة حيث يمكن توسيع سلاسلها، الطاقة حيث تتوافر مواردها، الصناعات التحويلية حيث تتوافر العمالة والطرق، السياحة حيث تتوافر الأصول الثقافية، والموانئ والمناطق الحرة حيث تكون الوظيفة اللوجستية أعلى، هكذا تتحول التنمية من توزيع موازنات إلى توزيع وظائف اقتصادية.
أما عودة السوريين، فهي ربما أعظم فرصة بشرية أمام الاقتصاد الجديد وأحد أكبر اختباراته، فقد بلغ عدد اللاجئين السوريين العائدين من الخارج نحو 1,795,641 شخصاً حتى 3 سبتمبر 2026 وفق تقدير للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، مع تصدر العائدين من لبنان وتركيا والأردن، إلى جانب عودة أعداد كبيرة من النازحين داخل سوريا، وهذه الأرقام تقديرية وليست نهائية، وتشمل وفق منهجية المصدر مسجلين وغير مسجلين وبعض حالات العبور، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها مؤشراً على الاتجاه وليس تعداداً سكانياً نهائياً، لكن دلالتها الاستراتيجية واضحة: سوريا بدأت تستعيد جزءاً من رأس مالها البشري.
والتحدي هنا أن العودة وحدها ليست مكسباً اقتصادياً، عودة المهندس والطبيب والمدرس والحرفي ورجل الأعمال يمكن أن ترفع إنتاجية الاقتصاد، لكن عودتهم إلى سوق بلا وظائف أو إلى مدن وأرياف بلا خدمات قد تتحول إلى ضغط على الدولة، لذلك فإن سياسة العودة يجب أن تكون مرتبطة بسياسة اقتصادية: أين سيعمل العائدون؟ كيف سيحصلون على السكن؟ كيف تُعادل شهاداتهم؟ كيف تنقل خبراتهم إلى المؤسسات السورية؟ وكيف يتحول رأس المال الذي عاد مع بعضهم إلى مشاريع؟ الدولة الذكية لا تنتظر من العائد أن يندمج تلقائياً؛ بل تبني له مساراً اقتصادياً منظماً.
وهذا هو السبب في أن القول بأن رفع العقوبات «يعني ولادة سوريا من جديد» صحيح فقط إذا فهمناه بوصفه بداية ولادة لا اكتمالها، سوريا لم تكن بحاجة إلى إزالة القيود وحدها؛ كانت بحاجة أيضاً إلى إزالة أسباب الضعف الداخلي التي تجعل أي انفتاح خارجي قابلاً للانتكاس، وإذا دخل رأس المال في ظل قانون غامض، أو انقطعت الكهرباء، أو بقيت الحدود بطيئة، أو لم تكن الملكية مصونة، فإن جزءاً من التدفقات سيبحث عن طريق الخروج مهما كانت العقوبات مرفوعة.
ومن هنا تصبح المقارنة مع أوروبا بعد مشروع مارشال مفيدة فقط إذا استخدمت بحذر، مشروع مارشال كان برنامجاً أمريكياً واسعاً للمساعدات وإعادة البناء، بينما رفع القيود عن سوريا ليس برنامج إعمار مماثلاً، لكن هناك درساً تاريخياً يستحق الاستفادة: فتح الباب الخارجي لا ينتج نهضة وحده؛ المؤسسات والأسواق والاستثمار والإنتاج هي التي تجعل الموارد الخارجية قادرة على إنتاج نمو مستدام، وهذا تحديداً ما تحتاجه سوريا: ألا تنتظر «مشروع مارشال» جديداً، وإنما أن تبني البيئة التي تجعل الأموال والاستثمارات والتكنولوجيا الواردة قادرة على توليد قيمة إضافية داخل الاقتصاد.
والأهم أن سوريا ينبغي ألا تبحث فقط عن حجم الاستثمارات، وإنما عن نوعية الاستثمارات التي تصنع استقلالها، قطاع الطاقة يخفف التبعية، والصناعة تزيد القدرة الإنتاجية، والزراعة تعزز الأمن الغذائي، والموانئ والطرق تمنحها وظيفة إقليمية، والاتصالات والرقمنة تبني اقتصاد المعرفة، والبحث العلمي يمنحها القدرة على التطور من دون استيراد كل معرفة، هذه القطاعات مجتمعة هي التي تجعل الاستثمار جزءاً من الأمن القومي.
وهنا تتجسد المصلحة الواقعية السورية في معادلة دقيقة :الانفتاح من دون تبعية، الاستثمار من دون بيع القرار، الشراكة من دون احتكار، السرعة من دون فوضى، والمشاريع الكبرى من دون التضحية بالاقتصاد المنتج، فلا مشكلة في دخول رأس المال الخليجي، أو الألماني، أو التركي، أو الأمريكي، أو أي رأس مال آخر ما دام يدخل وفق قانون واضح ويضيف قيمة ويخدم الأولويات الوطنية، المشكلة ليست في مصدر المال، وإنما في تصميم العلاقة معه.
ومن المفيد أيضاً النظر إلى رفع القيود باعتباره فرصة لإعادة بناء علاقة سوريا بالمصارف العالمية والأسواق قبل أن يصبح ذلك أمراً طبيعياً، دخول Visa وMastercard، وبدء تطوير العلاقات المصرفية، والاتجاه إلى التحول الرقمي، ليست أحداثاً منفصلة؛ إنها اللبنات الأولى لنظام اقتصادي يستطيع التعامل مع العالم بصورة طبيعية، لكن استدامة هذا المسار ستتوقف على قدرة المصرف المركزي والمؤسسات المالية السورية على بناء أنظمة امتثال قوية، وحوكمة واضحة، وأمن سيبراني، وممارسات مصرفية ترفع ثقة البنوك الدولية.
وبذلك ينبغي أن تنتقل سوريا من عقلية «استقدام المستثمر» إلى عقلية بناء الدولة التي تجذب المستثمر حتى من دون حملات دعائية، عندما تصبح الإجراءات سريعة، والقانون واضحاً، والطاقة مستقرة، والطرق صالحة، والموانئ فعالة، والمصارف متصلة، والتحكيم موثوقاً، فإن المستثمر سيأتي لأن اقتصاد البلد أصبح منطقياً بالنسبة إليه، لا لأنه تلقى دعوة إلى مؤتمر.
وهنا يمكن فهم سلسلة الأحداث التي ذكرتها بوصفها لحظة اختبار حقيقية للدور السوري الجديد، المعرض يعكس عودة السوق إلى العالم، وعدرا تعيد إحياء الوظيفة اللوجستية، وألمانيا تعكس انتقالاً نحو شراكات أكثر عمقاً، ومشروع دمشق الجديدة يكشف استعداد رأس المال طويل الأجل لاختبار سوريا، والانضمام إلى منظمة التعاون الرقمي يضيف بُعداً جديداً إلى وظيفة البلاد، والقمح يعطي مثالاً على الإنتاج الوطني، وعودة السوريين تعيد جزءاً من رأس المال البشري، هذه التحركات لا تكفي لإعلان النهضة، لكنها تكفي للقول إن البنية الأولى للنهضة بدأت تتشكل.
لكن النجاح سيُحسم في مكان آخر: في القدرة على تحويل هذه الإشارات المتفرقة إلى سياسة دولة متصلة، المطلوب أن تُبنى شبكة من الأولويات لا مجموعة من المبادرات، وأن يصبح كل طريق جديد مرتبطاً بميناء، وكل ميناء مرتبطاً بمنطقة صناعية، وكل منطقة صناعية مرتبطة بالطاقة، وكل مشروع مرتبط بالتمويل، وكل استثمار مرتبط بالتصدير، وكل عودة بشرية مرتبطة بسوق العمل، عندها يبدأ الاقتصاد بالعمل كمنظومة واحدة بدل أن يبقى مجموعة قطاعات متجاورة.
وهذا هو الفارق بين اقتصاد التعافي واقتصاد النهضة، حيث إن اقتصاد التعافي يسأل كيف نعيد ما فقدناه؛ أما اقتصاد النهضة فيسأل كيف نبني قدرة أكبر مما كان لدينا قبل الحرب، التعافي قد يعيد الطرق والمصانع والمدارس، لكن النهضة تجعل الطرق أكثر كفاءة، والمصانع أكثر إنتاجية، والمدارس أكثر قدرة على تخريج الكفاءات، والموانئ أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، والدولة أكثر سرعة وشفافية، سوريا ليست مطالبة بإعادة إنتاج ما قبل 2011، بل ببناء اقتصاد مختلف في مؤسساته وقدرته على الاندماج العالمي.
ومن هنا فإن الزمن ليس عدواً ينبغي خداعه بالشعارات، إن النهضة تراكمية، وأول عقد أو عقد ونصف قد تكون الأصعب؛ لكن هذه الحقيقة لا تبرر البطء الإداري، هناك فرق بين بطء البناء الطبيعي وبين بطء الدولة، المشروع الكبير قد يحتاج سنوات لأسباب فنية وتمويلية، لكن تسجيل شركة أو إصدار ترخيص أو تفسير قاعدة يجب ألا يتحول إلى انتظار مفتوح، المطلوب هو أن يكون الزمن الطويل في الاستثمار، لا في البيروقراطية.
وفي نهاية المطاف، فإن أعظم مكسب يمكن أن تحققه سوريا من رفع القيود ليس أن يدخل إليها عدد معين من المستثمرين، بل أن تصبح بيئة تستطيع إنتاج المستثمرين السوريين أنفسهم، عندما ينجح المصنع السوري في التصدير، وتنمو الشركة السورية خارج حدودها، ويستطيع رجل الأعمال تمويل مشروعه داخل البلاد، ويجد الباحث مؤسسة تمول بحثه، ويجد الشاب وظيفة في قطاع حديث، ويصبح الميناء مصدراً للإيراد لا مجرد منفذ، عندها يتحول الاقتصاد من متلقٍ للنهضة إلى صانع لها.
وهنا يصل المشروع إلى جوهره السياسي، الدولة التي تنتج الثروة تستطيع أن تحمي سيادتها بصورة أفضل من الدولة التي تنتظر المساعدة، والدولة التي تنظم الاستثمار تستطيع أن تستخدم رأس المال الخارجي لبناء استقلالها بدل أن تستخدمه لتمويل عجزها، والدولة التي تحول الجغرافيا إلى ممرات والطريق إلى تجارة والتجارة إلى صناعة تصبح قادرة على تحويل اقتصادها إلى نفوذ إقليمي.
لذلك فإن المرحلة المقبلة ليست معركة بين الدولة والمستثمر، ولا بين القطاع العام والخاص، ولا بين رأس المال السوري والأجنبي، إنها معركة على هندسة الدولة الاقتصادية نفسها، سوريا تحتاج إلى دولة قوية في القانون، خفيفة في الإجراءات، صارمة في حماية المنافسة، منفتحة على رأس المال، حذرة في الأصول الاستراتيجية، جريئة في البنية التحتية، ومهووسة بتحويل كل مورد إلى قدرة إنتاجية.
عندها فقط يصبح رفع القيود نقطة انعطاف تاريخية فعلاً، أما إذا بقيت الدولة أسيرة التعقيد الإداري، والإنفاق غير المنتج، والمشاريع المعزولة، والتفاوت الجغرافي، والاعتماد المفرط على رأس المال الخارجي، فإن الفرصة قد تضيع كما ضاعت فرص كثيرة في تاريخ الدول الخارجة من الحروب.
المعادلة السورية التي يجب أن تُبنى ليست رفع العقوبات، ثم انتظار المستثمرين، بل رفع القيود، ثم بناء المؤسسات؛ بناء المؤسسات، ثم إطلاق الإنتاج؛ إطلاق الإنتاج، ثم توسيع التصدير؛ توسيع التصدير، ثم صناعة الثروة؛ وصناعة الثروة، ثم تحويل الثروة إلى قوة ونفوذ واستقلال استراتيجي.
وهنا تحديداً يبدأ الدور السوري الجديد من الاقتصاد قبل السياسة، فالدولة التي تستطيع تأمين غذائها، وطاقة صناعتها، وربط موانئها بأسواق العالم، وجذب الاستثمار وفق قواعدها، واستعادة رأسمالها البشري من دول الهجرة، وإدارة اقتصادها رقمياً، وحماية أصولها الاستراتيجية، لن تكون قد خرجت فقط من آثار العقوبات؛ ستكون قد خرجت من منطق الدولة الهشة نفسه.
وهذا هو الامتحان الحقيقي للمرحلة: ليس هل فُتحت أبواب سوريا، فقد بدأت تفتح بالفعل، وإنما هل تستطيع سوريا أن تبني من خلف هذه الأبواب دولة تجعل الانفتاح قوة وطنية، والاستثمار قدرة إنتاجية، والجغرافيا نفوذاً، والنهضة مشروعاً مستداماً؟ إذا نجحت في ذلك، فإن 2026 لن تُذكر باعتبارها سنة رفع القيود فقط، بل باعتبارها السنة التي بدأت فيها سوريا الانتقال من اقتصاد يحاول أن يتعافى إلى دولة تبني اقتصاداً يستطيع أن يحمل مشروعها الوطني لعقود.