سياسة الاحتواء… كيف حوّل اندماج قسد أحد أعقد ملفات سوريا إلى فرصة لإعادة بناء الدور الوطني

يمثل إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية “قسد” وإنهاء وجودها كقوة عسكرية مستقلة واندماج مكوناتها ضمن مؤسسات الدولة السورية واحدة من أكثر اللحظات حساسية في مسار إعادة تشكيل سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب وتعدد مراكز القوة، فالمشهد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد اتفاق بين دمشق وقوة محلية، ولا باعتباره انتصار طرف على آخر، بل باعتباره اختباراً تاريخياً لقدرة السوريين على الانتقال من مرحلة إدارة الانقسامات إلى مرحلة بناء الدولة، وقد أعلن مظلوم عبدي في دمشق في 25 أغسطس/آب انتهاء مهمة قسد كقوة عسكرية مستقلة وبدء مرحلة جديدة عنوانها الاندماج ضمن مؤسسات الدولة، بعد مسار تفاوضي طويل تضمن تفاهمات عسكرية وإدارية وسياسية متراكمة.

 

في الدول التي تخرج من الحروب الكبرى عادة، لا تكون اللحظة الفاصلة هي لحظة توقف القتال فقط، بل اللحظة التي تنجح فيها القوى المختلفة في الإجابة عن السؤال الأصعب: كيف تتحول الجماعات التي كانت تحمل السلاح إلى مواطنين داخل دولة واحدة؟ وهنا تكمن أهمية التجربة السورية؛ لأن التحدي الحقيقي لم يكن فقط في السيطرة على الجغرافيا، بل في إعادة تعريف مفهوم الدولة نفسها، فالدولة القوية ليست الدولة التي تنتصر على مكوناتها، بل الدولة التي تستطيع أن تجعل جميع مكوناتها ترى مستقبلها داخل مؤسساتها، وأن تستثمر في الوقت نفسه خبراتها وطاقاتها في بناء الدولة.

 

ومن هذا المنطلق، فإن اندماج قسد يجب أن يُفهم باعتباره انتقالاً من “سيادة القوة” إلى “قوة السيادة”، فخلال سنوات الحرب، ظهرت قوى عسكرية وإدارية متعددة نتيجة استبداد وظلم المركز ثم انهياره جزئياً وتدخل القوى الخارجية، وأصبح امتلاك السلاح وسيلة لحماية المصالح والهويات والمناطق، لكن المجتمعات لا تستقر عندما تمتلك كل جماعة قوة خاصة بها، بل عندما تصبح الدولة الإطار الوحيد الجامع الذي يحمي الجميع؛ لذلك فإن إنهاء الازدواجية العسكرية لا يعني إلغاء التنوع السوري، بل يعني نقل هذا التنوع من ساحات الصراع إلى مؤسسات الدولة.

 

وبشكل واقعي، يكشف هذا التحول أن نجاحه لم يكن نتيجة رغبة طرف واحد، بل نتيجة تقاطع مصالح بين أطراف أدركت أن استمرار الوضع السابق يحمل تكلفة أكبر من الانتقال إلى صيغة جديدة، فدمشق تحتاج إلى استعادة مبدأ السيادة ووحدة القرار العسكري والإداري، بينما تحتاج القوى الموجودة في شمال شرق سوريا إلى ضمانات سياسية وقانونية تحفظ حقوق السكان وتمنع العودة إلى دائرة الصراع، كما أن البيئة الإقليمية تحتاج إلى سوريا مستقرة قادرة على ضبط حدودها ومنع تحول أراضيها إلى مساحة مفتوحة للتنافس بين القوى، وبذلك يصبح الاتفاق، في جوهره، تسوية عقلانية بين مصالح مختلفة لا صفقة إملاء من طرف واحد.

 

ولهذا فإن القيمة السياسية الكبرى للاتفاق لا تكمن فقط في اختفاء اسم “قسد” ككيان عسكري مستقل، بل في إمكانية بناء صيغة جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، فالمشكلة السورية لم تكن يوماً في وجود مكونات متعددة، بل في غياب صيغة وطنية قادرة على إدارة هذا التنوع، الدول الناجحة لا تبني وحدتها عبر إنكار الاختلافات، وإنما عبر تحويلها إلى عناصر قوة داخل إطار دستوري ومؤسساتي واضح.

 

إن القوة الحقيقية للدولة لا تظهر فقط عندما تنتصر على خصومها، بل عندما تجعل خصوم الأمس يرون أن مستقبلهم الأفضل أصبح داخل مؤسساتها وليس خارجها، وهذه هي النقلة النوعية التي يحملها اندماج قسد؛ فهو لا يمثل فقط نهاية وجود عسكري مستقل، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع وبين المركز والأطراف، وهذا ما يجعل مفهوم الاحتواء أكثر عمقاً من مجرد تسوية أمنية، إنه تحويل القوة التي كانت تعمل خارج المؤسسة إلى قدرة تعمل داخلها.

 

وكما ذكرنا إن نجاح هذه اللحظة لم يكن نتاج قرار أحادي من طرف واحد، بل جاء نتيجة إدراك متبادل بأن استمرار المعادلة السابقة يحمل تكاليف أكبر من الانتقال إلى صيغة جديدة، وهنا تبرز ما يمكن تسميته بـ”عبقرية الطرفين”، فالدولة السورية أدركت أن بناء الدولة لا يتحقق بمنطق الإقصاء، وأن استخدام القوة وحدها قد يعيد إنتاج الصراع بدل إنهائه، بينما أدركت قسد أن الحفاظ على مشروع عسكري وإداري منفصل داخل بيئة إقليمية ودولية متغيرة يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة، وأن مستقبل أي مكون سوري لا يمكن أن يكون خارج الدولة السورية.

 

بالنسبة إلى دمشق، فإن المكسب الأساسي يتمثل في استعادة مبدأ السيادة ووحدة القرار العسكري والإداري وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة التي تنتقص من سيادة الدولة السورية، فوجود قوة عسكرية خارج مؤسسات الدولة، مهما كانت دوافعها أو ظروف نشأتها، يبقى تحدياً لأي دولة تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها وفرض القانون على كامل أراضيها، كما أن استعادة المؤسسات والمعابر والموارد إلى الإطار الوطني تعزز قدرة الدولة على بناء اقتصاد موحد وسياسة خارجية أكثر استقلالاً، وكانت التفاهمات السابقة قد نصت على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة، وتسليم المعابر وحقول النفط والغاز للدولة.

 

أما بالنسبة إلى قسد، فإن الانتقال إلى مؤسسات الدولة يفتح أمامها مساراً مختلفاً يقوم على تثبيت حضورها السياسي والاجتماعي ضمن الإطار الوطني بدل بقائها في موقع القوة المنفصلة المعرضة لتغيرات الإقليم وتقلبات القوى الدولية، فالاندماج لا يعني بالضرورة خسارة المكونات لهويتها، بل يمكن أن يكون وسيلة لحماية هذه الهوية عبر دولة دستورية تضمن الحقوق، وهذا التحول ينسجم مع التعديلات التي اتخذتها دمشق خلال المرحلة الماضية بشأن الحقوق الثقافية واللغوية والمدنية للكرد، بما فيها الاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية وضمان حقوق ثقافية ومدنية أوسع.

 

وهنا تكمن أهمية التمييز بين الدولة الجامعة والدولة الصلبة؛ فالدولة الجامعة ليست تلك التي تلغي التنوع، وإنما تلك التي تجعل التنوع يعمل داخل نظام قانوني واحد، ومن هنا فإن الملف الكردي في سوريا يحتاج إلى مقاربة تتجاوز المنطق الأمني التقليدي، فالأكراد السوريون ليسوا ملفاً أمنياً فقط، بل جزء أصيل من النسيج الوطني السوري، وأي مشروع دولة ناجح يجب أن يضمن حقوقهم الثقافية واللغوية والسياسية ضمن إطار وحدة الدولة، وفي المقابل، فإن حماية هذه الحقوق لا تعني تكريس سلطات منفصلة أو جيوش موازية؛ لأن أفضل حماية للهويات المحلية تأتي من دولة عادلة وقوية، لا من مناطق نفوذ قابلة للتدخل الخارجي.

 

إن المعادلة التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة هي أن وحدة الدولة لا تعني إلغاء التنوع، والتنوع لا يعني تعدد الدويلات داخل الدولة، وهذه المعادلة هي التي ستجعل نجاحات سوريا الجديدة قابلة للاستمرار؛ فالدولة التي تمنح مواطنيها حقوقهم تصبح أكثر قدرة على طلب ولائهم، والدولة التي تطلب الولاء دون بناء الثقة ستبقى تواجه أزمات متجددة.

 

أما بالنسبة لتركيا، فإن هذا التحول يحمل أهمية استراتيجية واضحة، فمنذ سنوات كان ملف شمال شرق سوريا مرتبطاً مباشرة بحسابات الأمن القومي التركي، خصوصاً فيما يتعلق بوجود تشكيلات مسلحة تعتبرها أنقرة امتداداً لتهديدات على حدودها، لذلك فإن انتقال الملف من مواجهة عسكرية إلى إطار الدولة السورية يمكن أن يفتح مساراً جديداً في العلاقات السورية التركية يقوم على أمن الحدود وتعزيز التعاون الاقتصادي، وقد رحبت أنقرة علناً بحل قسد واعتبرته خطوة ستساعد على تحقيق وحدة سوريا واستقرارها.

 

كما أن البعد الدولي في هذا التحول لا يمكن فصله عن المشهد السوري الأوسع، فقد نشأت قسد أصلاً في بيئة دولية، وكانت شريكاً رئيسياً للولايات المتحدة في الحرب على تنظيم الدولة، ثم أصبحت مسألة مستقبلها مرتبطة مباشرة بمواقف واشنطن وأنقرة وبقية القوى الفاعلة في سوريا، ولذلك فإن انتقالها إلى مؤسسات الدولة لا يمثل تحولاً داخلياً فقط، بل يعيد تعريف طريقة تعامل القوى الخارجية مع الملف السوري: دمشق تصبح أكثر قدرة على إدارة علاقاتها مع الخارج من موقع الدولة، بدل بقاء أجزاء من الجغرافيا السورية مرتبطة بترتيبات أمنية وسياسية منفصلة، وفي الوقت نفسه، فإن هذا التحول يفرض على الدولة السورية مسؤولية أكبر في حماية حقوق مكوناتها وبناء مؤسسات قادرة على استيعابها، لأن المجتمع الدولي سيحاكم نجاح التجربة بقدرة الدولة على تحويل الاندماج إلى استقرار دائم، لا بمجرد الإعلان السياسي.

 

لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بالإعلان السياسي، بل بمرحلة التنفيذ، فالتاريخ مليء باتفاقات أنهت الحروب على الورق لكنها فشلت في بناء السلام، ولذلك فإن التحدي الأكبر أمام سوريا الآن هو تحويل الاتفاق من صيغة سياسية إلى نظام مؤسساتي دائم، دمج العناصر العسكرية يحتاج إلى عقيدة وطنية موحدة، وسلسلة قيادة واضحة، ومؤسسة عسكرية لا تقوم على الانتماءات السابقة بل على الكفاءة والانضباط والقانون، كما يحتاج الدمج الإداري إلى تحديد دقيق للصلاحيات، والدمج الأمني إلى توحيد قواعد العمل والمساءلة، وقد أكد مسؤولون سوريون أن الدمج العسكري كان قد بدأ فعلياً قبل الإعلان الأخير، لكن حل قسد لا يعني انتهاء جميع ملفات الدمج؛ بل انتقالها إلى مرحلة معالجة مؤسساتية مختلفة.

 

كما أن دمج المؤسسات المدنية لا يقل أهمية عن الدمج العسكري، فالمنطقة الشرقية والشمالية الشرقية من سوريا ليست مجرد مساحة أمنية، بل منطقة استراتيجية تمتلك أهمية اقتصادية كبيرة بسبب موارد الطاقة والزراعة والمياه والموقع الحدودي، وإعادة ربط هذه المناطق بالاقتصاد الوطني لا ينبغي أن تكون عملية إدارية فقط، بل مشروعاً تنموياً يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف؛ فالمواطن الذي يرى أن الدولة توفر له الأمن والخدمات والفرص سيكون أكثر ارتباطاً بها من المواطن الذي يراها مجرد سلطة سياسية.

 

وهنا أؤكد أن أحد أهم أبعاد هذا التحول هو الاقتصاد، الذي يمكن أن يكون أبرز أداة لبناء الدولة بقدر ما يكون الأمن أداة لحمايتها، فسوريا لا تحتاج فقط إلى استعادة الأراضي، وهذا مهم لاستكمال السيادة على كامل الأراضي، بل تحتاج أيضاً إلى استعادة الدورة الاقتصادية الوطنية، ودمج المناطق المختلفة في شبكة اقتصادية واحدة، والمصالح المشتركة تصنع الاستقرار طويل الأمد بصورة لا تستطيع الإجراءات الأمنية وحدها أن تحققها.

 

لكن من الخطأ التعامل مع الاتفاق باعتباره نهاية للمشكلات، فالمرحلة المقبلة تحمل تحديات حقيقية، منها كيفية إدارة التوازن بين المركزية واللامركزية الإدارية، وكيفية بناء الثقة بين المجتمعات المحلية والمؤسسات الوطنية، وكيفية منع القوى الخارجية من استثمار أي خلافات داخلية، كما أن الدمج قد يواجه مقاومة من قوى اعتادت خلال سنوات الحرب على الاستقلال في اتخاذ القرار، وقد تظهر صعوبات في توزيع الصلاحيات والمناصب أو في توحيد العقيدة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، لذلك فإن الاتفاق الناجح ليس الذي ينهي الخصوم فقط، بل الذي يمنع إنتاج خصومات جديدة.

 

ومن هنا فإن سياسة الاحتواء التي تسير عليها سوريا اليوم لا تعني الضعف أو التنازل، بل تعني قدرة الدولة على تحويل القوى الموجودة على الأرض من مصادر منافسة إلى عناصر قوة، وهذا هو جوهر المدرسة التي يمكن أن تنقل الدول الخارجة من الحروب والصراع إلى الاستقرار، لا إلغاء الخصوم بمجرد إزالتهم من المشهد، بل إعادة دمجهم في نظام يجعل مصالحهم المستقبلية مرتبطة بنجاح الدولة.

 

إن ما يجعل لحظة اندماج قسد مهمة ليس فقط أنها تنهي وجود تشكيل عسكري مستقل، بل لأنها تطرح سؤالاً أعمق: هل تستطيع سوريا أن تنتج نموذجاً جديداً للدولة بعد الحرب؟ نموذجاً لا يقوم على الغلبة، بل على الشرعية؛ لا يقوم على الخوف، بل على الثقة؛ ولا يقوم على إدارة الأزمات فقط، بل على بناء المؤسسات.

 

وفي هذا المعنى، فإن «عبقرية الطرفين» لا تعني أن دمشق حصلت على كل ما تريد أو أن قسد تخلت عن كل ما تريده، بل أن كليهما أدرك أن المصلحة العامة تتطلب تنازلات متبادلة، الدولة حصلت على ما تحتاجه في جوهرها، وهي وحدة الأرض والمؤسسات والقرار، وقسد حصلت على ما تحتاجه في جوهره، طريقاً مؤسساتياً لحماية وجود مكوناتها والمشاركة في الدولة، وما تنازل عنه الطرفان هو جزء من أدوات الصراع، لا من المصلحة الوطنية العليا؛ لأن استمرار تلك الأدوات خارج إطار الدولة كان سيجعل كلفة المستقبل أعلى على الجميع.

 

كما أن هذا التحول ينسجم مع رؤية أوسع للدور السوري الجديد، وهي أن قوة سوريا المستقبلية لن تأتي فقط من حجم جيشها أو عدد سكانها، بل من قدرتها على بناء دولة مستقرة تمتلك الشرعية والمؤسسات والكفاءة، فالدولة التي تنجح في إنهاء انقساماتها الداخلية تصبح أكثر قدرة على صياغة سياستها الخارجية، وأكثر قدرة على تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي واقتصادي، وتصبح أكثر قدرة على التعامل مع جيرانها وشركائها من موقع الندية لا الحاجة.

 

فالتحول التاريخي لا يحدث عندما تنتهي الحروب فقط، بل عندما تنجح الدول في تحويل آثار الحروب من مراكز قوى إلى مؤسسات جديدة تخدم الدولة، واليوم تقف سوريا أمام فرصة نادرة، أن تنتقل من دولة كانت تتنافس عليها القوى إلى دولة تتنافس القوى على الشراكة معها، وهذه ليست مجرد نتيجة أمنية لاندماج قسد، بل بداية محتملة لمسار أوسع، استعادة احتكار الدولة للقوة، تحويل التنوع إلى قوة وطنية، وربط وحدة الداخل بقدرة سوريا على صناعة دورها الخارجي، ومن هنا يمكن أن يكون اندماج قسد أحد أهم الاختبارات العملية للدور السوري الجديد.

 

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

تتجاوز اتفاقية مكة حدود التعاون الدفاعي لتطرح سؤالا أوسع في ضوء رؤية النورسي: هل نشهد بداية انتقال العالم الإسلامي من…
التفجيرات في دمشق وريفها تتجاوز البعد الأمني لتشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية على حماية المجتمع وترسيخ سيادة القانون خلال…
من قواعد النفوذ إلى شراكة السيادة… تعيد دمشق وموسكو رسم حدود العلاقة بينهما، في لحظة تختبر فيها سوريا قدرتها على…

القائمة