من ورث دور الفلسفة في تحمّل مسؤوليتها السياسية والإنسانية في العالم الحديث؟

لم يكن الصراع بين الفلسفة والسياسة صراعاً عابراً في التاريخ الإغريقي، بل كان سؤالاً مستمراً حول الحقيقة، والسلطة، والإنسان، فمنذ اللحظة التي وقف فيها سقراط في ساحة المدينة يسأل ويحاور، بدأت المواجهة الأولى بين الفيلسوف والسياسة؛ مواجهة لم تكن بسبب الأجوبة التي قدّمها، بل بسبب طبيعة السؤال ذاته، وقدرته على زعزعة ما يبدو ثابتاً داخل المجتمع.

 

تساءل سقراط عمّا إذا كان الإنسان قادراً على العيش خارج أفق السياسة، وعن معنى أن يكون الإنسان مواطناً قبل أن يكون فرداً منعزلاً، لكنه لم يدرك أن هذا الطريق، طريق السؤال الحر، سيقوده إلى الموت، وهنا تظهر المعضلة الحقيقية: هل تكمن خطورة الفلسفة في الأسئلة التي تطرحها، أم في قدرتها على كشف هشاشة اليقين السياسي والاجتماعي؟

 

بعد محاكمة سقراط، حاول أفلاطون إعادة التفكير في العلاقة بين الحقيقة والسياسة، فاعتبر أن الحقيقة تقف في مواجهة الرأي العام، وأن السياسة حين تُبنى على آراء الجماهير فقط تصبح مهددة بالانفصال عن الحكمة|، لذلك سعى إلى تأسيس تصور فلسفي يجعل الحقيقة أساساً للحياة السياسية، لا مجرد أداة للإقناع أو السيطرة.

 

أما أرسطو، فقد اتجه نحو فهم أكثر واقعية للعلاقة بين البشر داخل المدينة، فميّز بين الجدل والإقناع؛ إذ رأى أن الإقناع يتوجّه إلى الجماهير، بينما يقوم الجدل على الحوار بين طرفين يبحثان معاً عن المعنى، ومن هنا أدرك أن الجماعة الإنسانية لا تقوم على التشابه الكامل، بل على الاختلاف الذي يعاد تنظيمه عبر المساواة والعمل المشترك.

 

ورغم اختلاف رؤى هؤلاء الفلاسفة، إلا أن سؤالاً واحداً جمعهم جميعاً: كيف يمكن للإنسان أن يعيش مع الآخرين؟ وكيف تتشكل العلاقة بين الفكر والسياسة داخل المجتمع؟

 

إن العودة إلى هذه الأسئلة اليوم لا تأتي بوصفها استذكاراً للتاريخ الإغريقي فقط، بل لأنها ما تزال حيّة في عالمنا المعاصر، فنحن نعيش اليوم في زمن تغيّرت فيه أشكال السلطة، وتبدلت فيه مصادر الحقيقة، وأصبحت السياسة أقرب إلى صناعة الرأي منها إلى البحث عن المعنى، لذلك يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: من ورث دور الفيلسوف في العالم الحديث؟ وهل ما زال هناك من يتحمل مسؤولية التفكير السياسي والإنساني؟

 

لقد قامت الفلسفة القديمة على فكرة أساسية مفادها أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، وأن “الأنا” لا تكتمل إلا بوجود “الآخر”، فالحياة المشتركة لم تكن عند الفلاسفة مجرد ضرورة اجتماعية، بل شرطاً لوجود الإنسان نفسه. ولذلك سعى سقراط إلى تحرير المواطنين من أوهامهم، لا عبر تلقينهم حقائق جاهزة، بل عبر دفعهم للتفكير والحوار واكتشاف تناقضاتهم الداخلية.

 

كما أشار أرسطو إلى أن الجماعة لا تتكون من أفراد متساوين بالكامل، بل من أشخاص مختلفين، تنشأ بينهم المساواة من خلال الفعل السياسي والعيش المشترك، ومن هنا تصبح السياسة فعلاً إنسانياً يهدف إلى بناء عالم مشترك، لا مجرد صراع على السلطة.

 

وفي هذا السياق تظهر فكرة “العيش مع النفس” بوصفها نقطة أساسية في فهم العلاقة مع الآخرين، فالإنسان بحسب التصور الفلسفي، لا يعيش باعتباره ذاتاً واحدة مغلقة، بل باعتباره “اثنين في واحد”، أي كائناً قادراً على محاورة نفسه ومراجعتها وكائناً قادراً على محاورة الآخرين، ومن لا يستطيع العيش مع ذاته، لا يستطيع بناء علاقة حقيقية مع الآخرين.

 

وربما لهذا السبب تبدو تجربة الأمومة التي أعيشها تجربة فلسفية عميقة أيضاً؛ لأنها تعيد تشكيل معنى الذات، ففي لحظة الحمل، لا يعود الحديث مع النفس حديثاً فردياً خالصاً، بل يصبح وجود الآخر حاضراً داخل الجسم والفكر معاً، وكأن الإنسان يختبر للمرة الأولى معنى أن يكون “واحداً وأكثر من واحد” في الوقت ذاته، وهي تجربة إنسانية نادراً ما تناولتها الفلسفة بوصفها تجربة وجودية كاملة، رغم قدرتها على إعادة تعريف العلاقة بين الذات والآخر، وهي ما سمحت لمشاعر جديدة أن أُعيشها لا يمكن وصفها من جمالها.

 

وفي عالمنا الحديث، لم يعد الفيلسوف وحده من ينتج الأفكار أو يؤثر في الوعي الجماعي، فقد انتقلت هذه المسؤولية إلى جهات متعددة: الإعلام والجامعات والسياسيين والمثقفين، وحتى منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تصنع الرأي العام بشكل يومي. لكن السؤال الحقيقي يبقى: هل ما زال الهدف هو البحث عن الحقيقة، أم أصبح الهدف مجرد القدرة على الإقناع؟

 

هنا يعود الفرق الذي وضعه أرسطو بين الجدل والإقناع ليظهر من جديد، فالكثير من الخطابات المعاصرة لا تسعى إلى التفكير المشترك، بل إلى التأثير السريع وتوجيه الجماهير، ولذلك تبدو السياسة الحديثة وكأنها فقدت علاقتها القديمة بالفلسفة، لتحل محلها صناعة الصورة والرأي والانفعال الجماعي.

 

ومع ذلك، لا يمكن القول إن دور الفلسفة انتهى بالكامل، بل ربما تغيّر شكله فقط، فالمسؤولية الفلسفية اليوم لم تعد محصورة في الفيلسوف التقليدي، بل أصبحت مسؤولية كل من يحاول حماية القدرة على التفكير والحوار وبناء المعنى الإنساني المشترك داخل عالم سريع ومزدحم بالأصوات المتناقضة.

 

إن الأزمة الحقيقية في العالم الحديث ليست غياب السياسة، بل غياب التفكير الذي يجعل السياسة فعلاً إنسانياً وأخلاقياً. ولذلك يبقى السؤال الفلسفي ضرورياً، ليس لأنه يقدم أجوبة نهائية، بل لأنه يمنع الإنسان من التحول إلى كائن يعيش داخل رأي واحد وحقيقة واحدة دون أن يراجعها أو يحاورها.

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

الصندوق السيادي ليس مجرد وعاء للأموال، بل رهان على تحويل ثروة سوريا إلى قوة مستدامة تصنع التنمية وتعزز السيادة….
اتفاق طهران وواشنطن يقوم على تخفيف التوتر وإعادة ضبط ميزان القوى في الشرق الأوسط، مقابل مكاسب اقتصادية ورفع جزئي للعقوبات…
تتجه الدبلوماسية السورية نحو تعزيز حضورها في إفريقيا عبر شراكات تقوم على التنمية والاستقرار واحترام سيادة الدول، مستفيدةً من انفتاحها…

القائمة