يبدو أن الهدنة التي كنا ننتظرها منذ أشهر قد تحققت، لكن يجب أن نوضح فوراً أن النقطة التي وصلت إليها الحرب الإيرانية-الإسرائيلية-الأمريكية لم تنتهِ بموجب اتفاق هدنة، لأن التسوية المعنية يمكن اعتبارها مذكرة تفاهم أو محضر اتفاق، ولقد سجّل هذا النص مكانه في التاريخ كاتفاق إطاري سيحدد الهدنة، وربما السلام النهائي المحتمل الوصول إليه.
هناك سمة أخرى تجعل هذا النص تاريخياً، إنه أول اتفاق في التاريخ يعلن للرأي العام بتوقيع إلكتروني كنتاج للدبلوماسية الرقمية، ومن هذا المنطلق، فهو مهم أيضاً كونه الخطوة الأولى التي تمكّن الأطراف من بناء الثقة المتبادلة.
غير أن توقيت الاتفاق قد خلق أيضاً أزمة خطيرة، فقد أراد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أحد الموقعين على الاتفاق، اتخاذ خطوة تخدم مصلحته الشخصية في تاريخ 14 يونيو/حزيران 2026، الموافق لعيد ميلاده، وأيضاً حكومة طهران بذلت قصارى جهدها لمنحه هذا الشرف، ونتيجة للجهود المكثفة التي بذلها الدبلوماسيون، دخلت المذكرة حيز التنفيذ بتوقيع إلكتروني في توقيت يتوافق مع عيد ميلاد ترامب حسب التوقيت الأمريكي، لكنه يصادف 15 يونيو/حزيران حسب توقيت طهران، وذلك في الساعات التي تصل بين ليلة الأحد وصباح الاثنين.
بالنظر إلى هذا النص المكون من 14 مادة، يمكن القول إن إيران حصلت تقريباً على كل ما تريده، فالدعم الاستثماري والتمويلي البالغ 300 مليار دولار سيريح يد نظام الملالي في إيران، بالإضافة إلى ذلك يتوقع رفع جزء كبير من العقوبات والحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على مدار 47 عاماً، ومن المهم أيضاً أن يتم اعتماد ذلك من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
من ناحية أخرى، يجب اعتبار فتح مضيق هرمز أمام العبور الدولي على غرار الظروف التي كانت سائدة قبل الحرب، وعدم فرض رسوم إضافية، خطوة مهمة.
وبهذا انخفضت أسعار الطاقة بشكل كبير، وتقلص التأثير التضخمي الذي تعرضت له الدول على المستوى العالمي إلى أدنى حد.
في المقابل، يعد عدم إدراج عناصر مثل مخزون إيران الصاروخي، وإنتاج الصواريخ الباليستية، وتحديد مدى صواريخها الحالية في نص الاتفاق، مكسباً مهماً يسجل في سجل إيران، لأنه في حال نشوب نزاع جديد بين إيران وإسرائيل غداً، ستبقى قدرة إيران على الدفاع عن نفسها قائمة.
أما فيما يتعلق بعلاقة إيران بقواتها بالوكالة، فيجب تسجيل أن عدم وجود أي مادة في الاتفاق بشأن هذا الموضوع يشكل عائقاً خطيراً بالنسبة لتركيا ودول المنطقة، ذلك أن إيران ستحصل على أرضية لإعادة تطبيق سياساتها الرامية إلى زعزعة استقرار دول المنطقة في سياق الهلال الشيعي ومحور المقاومة بعد الحرب.
هنا لا بد من الحديث عن التصميم الأمريكي الجديد للشرق الأوسط، ووفقاً لهذه الخطة سيتم القضاء على جميع القوات بالوكالة، وستتعامل أمريكا مباشرة مع الدول القومية، وبذلك سيتم ضمان خطوط الطاقة والنفط، وفي هذا السياق ستحظى تركيا إلى جانب حكومات مركزية معززة في كل من العراق وسوريا، بفرصة القيام بأدوار مهمة في إعادة تشكيل المنطقة.
ومع ذلك، فإن عدم إشراك إسرائيل في الاتفاق بين إيران وأمريكا يخلق حالة من عدم اليقين الخطيرة فيما يتعلق باستقرار المنطقة وازدهارها، فالأوساط الصهيونية التي تعارض إبرام اتفاق بين أمريكا وإيران، ستبذل قصارى جهدها لتخريب هذا التفاهم، وستكون منطقة التخريب هي لبنان وخاصة بيروت.
منذ طرح الاتفاق، أعلن بعض الوزراء ورئيس الوزراء نتنياهو نفسه، في تصريحات متعددة، أن هذا الاتفاق لا يلزم إسرائيل، وأنهم سيواصلون سياساتهم الاحتلالية في لبنان، وهذا الأمر يثير رد فعل إيران، ويحرضها على انتهاك الاتفاق.
من ناحية أخرى، يمكن ملاحظة أن جيوسياسية الشرق الأوسط بدأت تتغير جذرياً مع هذه الحرب، خاصة وأن فشل أمريكا في حماية دول الخليج خلال الحرب ضد الهجمات الإيرانية، وعدم قدرتها على الوفاء بوعودها للأنظمة الملكية الخليجية على الرغم من المكاسب الاقتصادية الكبيرة التي حققتها، يخلق حاجة لهذه الدول إلى هندسة أمنية جديدة ومظلة دفاعية جديدة.
وفي هذا السياق، فإن اتفاق التعاون المبرم بين سوريا وباكستان قبل الحرب، إلى جانب دول مثل تركيا ومصر والسعودية وقطر والكويت، يخلق توليفة جديدة. خاصة وأن انضمام دول مثل إسبانيا وإيطاليا وأيرلندا إلى هذا التعاون، وإعلان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي زار بلادنا الأسبوع الماضي، دعمه لهذا التشكيل، يزيد من احتمالية تحول هذا التضامن إلى تحالف.
بالإضافة إلى ذلك، من اللافت للنظر أن بريطانيا، التي تتبع سياسة خارجية جديدة برؤية “بريطانيا العالمية” بعد مشروع الحزام والطريق الذي أُعلن عام 2013، تباعد بينها وبين أمريكا وتتجه لرعاية هذا التعاون، وهذا يمنع هذا التعاون من التحريض من قبل القوى الإمبريالية الأخرى، ويجعله أكثر استدامة وفعالية.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الأطروحات والمعايير التي طرحها وزير خارجيتنا، هاكان فيدان، بشأن إعادة تصميم الشرق الأوسط، قد تحققت مباشرة، وفقاً لنهج السيد فيدان، حيث يجب على دول الشرق الأوسط تطوير تعاون عميق بحيث لا تستطيع القوى الخارجية مثل أمريكا التدخل في شؤونها الداخلية، بينما تدخل الجهات الفاعلة التي تعكر الاستقرار الإقليمي بسياسات أحادية الجانب مثل إسرائيل وإيران في عملية تطبيع حول هذا المحور.
وخلاصة القول، إن قمة الناتو التي ستعقد في أنقرة بتاريخ 7-8 يوليو/تموز 2026، تحمل أهمية كبيرة لترسيخ هذا النموذج الفكري بأكمله على أسس أكثر صلابة، وتعتبر تركيا الدور الموكول إليها مهماً في هذه الفترة التي يعاد فيها تشكيل الهندسة الأمنية الأوروبية، وتتصرف بحزم في هذا الشأن.
غير أن المخاوف من أن الهندسة الدفاعية الأوروبية الجديدة قد تضر بمبدأ “الحياد الإيجابي” الذي أظهرته تركيا في حرب أوكرانيا، وتؤدي إلى تدهور العلاقات مع روسيا، ليست بلا أساس على الإطلاق، وفي هذا السياق، تحمل زيارة السيد هاكان فيدان إلى موسكو دلالات جيوسياسية خطيرة.
هذه الزيارة من ناحية، تعطي رسالة لموسكو مفادها: “نحن نأخذ أولوياتكم بعين الاعتبار، ونرغب في مواصلة علاقاتنا معكم على أسس سليمة على الرغم من كوننا عضواً في الناتو”، ومن ناحية أخرى، فهي تنقل بقوة رسالة إلى دول الناتو مفادها: “نحن عضو مهم ولا غنى عنه في الناتو، كوننا دولة قادرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو”.