الدراما أداة للسلطة: من يكتب الرواية ومن يصدقها؟

لم تعد الدراما مجرد مساحة للترفيه أو وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت واحدة من أكبر أدوات التأثير في العصر الحديث، وفي جوهر السياسة هناك صراع دائم على السردية، أي على تفسير الواقع وتحديد من هو البطل، ومن هو الخصم، ومن هو الضحية، ومن هو الجلاد.

 

فالدراما لا تقدم الواقع على حقيقته، بل كما يراد له أن يفهم، لأنها تحمل في داخلها رسائل سياسية غير مباشرة، فعندما يتم تصوير شخصية معينة كبطل رغم تناقضاتها، أو تقديم جهة ما كخطر دائم، تتحول الدراما في كثير من الأحيان إلى أداة ناعمة بيد السلطة، تستخدم لإعادة صياغة صورتها أمام الجمهور.

 

فالدراما تأتي لتقدم الرسائل نفسها التي يراد إيصالها عبر الخطابات السياسية، ولكن بأسلوب إنساني وعاطفي وناعم، يجعل المشاهد شريكاً في إعادة إنتاج الرواية ذاتها.

 

في السياق العربي أو الغربي:

 

شهدت الدراما تحولات كبيرة على مختلف المستويات، وأهم ما فعلته أنها أعادت ترتيب مفاهيم الوطنية والخيانة، فغالبية الجماهير قد لا تكون واعية لحجم التأثير الذي تمارسه هذه الأعمال، ومع زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد تأثير الدراما يتوقف عند حدود الشاشة، بل أصبح يمتد إلى النقاشات اليومية وصناعة “الترند”.

 

وهنا تكمن قوة الرواية، ففي الدراما لا توجد أصوات متساوية، بل هناك كاتب ومخرج يحددان الممكن والممنوع، والأخطر من ذلك أن هذه السياسة المصنوعة تقدم على أنها تجربة إنسانية، بهدف خلق تعاطف لدى المشاهد وإعادة تشكيل مواقفه، وهنا تنتقل السياسة من مجال العقل إلى مجال العاطفة، وهو تحول بالغ الخطورة.

 

فالدراما أصبحت واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة التي تجيد التحكم بعقول الشعوب، لأنها تتسلل إلى الوعي بسلاسة، وتجعل المشاهد يصل إلى مرحلة القناعة المطلقة، من خلال صورة مدروسة ترسل إليه بعناية.

 

هل أصبحت المسلسلات والأفلام بديلاً عن الخطابات السياسية؟

 

أصبحت الدراما وسيلة لتعزيز الثقة بين المشاهد والمؤسسات، حتى الفاسدة منها أحياناً، وتحولت إلى لغة أكثر تأثيراً من الخطاب الرسمي، لأنها لا تخاطب الناس من موقع السلطة، بل من داخل المنزل والحياة اليومية.

 

فالخطاب السياسي يعتمد على الإقناع المباشر، وعلى البيانات والتصريحات والمناظرات، وقد يفشل إذا لم تتحقق الوعود التي يتم الإعلان عنها، كما أنه غالباً ما يقابل بالتشكيك أو اللامبالاة، خصوصاً في البيئات العربية.

 

أما الوسائل الدرامية فتقدم الخطاب بأسلوب غير مباشر، يخلو من الاصطدام ولذلك تبدو أكثر فاعلية، لأنها لا تطلب من الجمهور أن يصدقها، بل تجعله جزءاً من المشهد نفسه، ومن خلال ذلك تعمل على إعادة تشكيل الوعي المجتمعي عبر أدوات متعددة، بوصفها واحدة من أكثر الوسائل انتشاراً وتأثيراً.

 

فالشاشة لم تعد مجرد وسيط ينقل الواقع، بل أصبحت فاعلاً يشارك في التأثير على المجتمعات، وفي السياقات السياسية المعقدة، كالمجتمعات التي تعيش أزمات أو صراعات أو حروباً، يزداد دور الدراما في إعادة تشكيل الوعي، لأنها تقدم تفسيراً مبسطاً للأحداث.

 

فالدراما لا تؤثر فقط في ما نفكر به، بل في كيفية تفكيرنا أيضاً؛ فهي تعيد ترتيب الأولويات، وتحدد ما يستحق التعاطف وما لا يستحقه، ومن هو الضحية ومن هو المسؤول. وفي كل صراع سياسي أو اجتماعي هناك حاجة دائمة إلى تحديد “العدو”، لا بوصفه خصماً فقط، بل كصورة ذهنية متكاملة تبنى بعناية وترسخ في وعي الناس، لأن العدو ليس مجرد شخصية، بل فكرة تقدم من خلال صفات محددة.

 

كيف تعمل الدراما على إعادة تعريف القيم السياسية؟

 

تمتلك الدراما قدرة استثنائية على إعادة تقديم الشخصيات بما يخدم رؤية معينة، فالشخص الذي يقدم كبطل في عمل ما، قد يظهر في عمل آخر كخائن، من دون أن تتغير أفعاله بقدر ما تتغير زاوية السرد، ومن خلال الحبكة يتم توجيه تعاطف المشاهد.

 

كما أن هناك رسائل خفية في الأعمال المصورة، مثل المسلسلات والأفلام، وهي رسائل سياسية بلا تصريح مباشر، إذ لا تطرح المواقف السياسية بشكل واضح، بل تضمن في تفاصيل صغيرة أو حوار عابر، وقوة هذه الرسائل تكمن في أنها لا تناقش، بل تستقبل تلقائياً، فالمشاهد لا يتوقف عند كل تفصيلة ليفككها، بل يتابع ويتأثر بالشكل العام للعمل.

 

ومع مرور الوقت تتراكم هذه التأثيرات وتتحول إلى قناعات يصعب تتبع مصدرها، وفي كثير من الأحيان تستخدم هذه التقنيات لتمرير أفكار مثيرة للجدل، لو طرحت بشكل مباشر على هيئة تصريحات سياسية لواجهت رفضاً واسعاً.

 

وفي المجتمعات العربية، حيث تكون بعض القضايا حساسة ومحاطة بقيود اجتماعية أو سياسية، تلعب هذه الرسائل دوراً مزدوجاً، فهي من جهة تفتح المجال للنقاش، ومن جهة أخرى تُستخدم لإعادة إنتاج خطاب معين من دون مساءلة حقيقية.

 

 

وفي النهاية فإن الدراما لا تعمل بوصفها منبراً سياسياً مباشراً، لكنها ليست بريئة تماماً من التأثير السياسي غير المباشر، فهي تسهم في بناء سردية اجتماعية عن الدولة والمجتمع، وهي سردية قد تتقاطع أحياناً مع الخطاب الرسمي، وأحياناً تنحرف عنه، لكنها في جميع الأحوال تشارك في تشكيل الصورة العامة والوعي الجمعي.

 

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

الهجرة النبوية لم تكن انتقالاً في المكان فحسب، بل ثورة على الركود وتحولاً استراتيجياً نقل الرسالة من مرحلة الصبر إلى…
العدالة الانتقالية ليست خياراً سياسياً بعد الحروب بل شرطاً أساسياً لمنع انزلاق المجتمعات إلى الفوضى وترسيخ الاستقرار وبناء السلم الأهلي،…
تتجه الدبلوماسية السورية نحو تعزيز حضورها في إفريقيا عبر شراكات تقوم على التنمية والاستقرار واحترام سيادة الدول، مستفيدةً من انفتاحها…

القائمة