زيارة الخمسة عشر: دمشق مركز توازن القوى الجديد ومعادلة ما بعد الأسد

تحوّل الجغرافيا السياسية بين دمشق وتل أبيب: من فراغ ما بعد الأسد إلى معادلات الردع والضمانات الدولية

 

منذ سقوط نظام بشار الأسد وصعود الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، دخلت سوريا مرحلة جيوسياسية غير مسبوقة في تاريخها الحديث. فبعد عام كامل من التحولات المتسارعة – خروج إيران من المشهد السوري، الفراغ الأمني جنوب البلاد، إعادة بناء مؤسسات الدولة، ومحاولة القوى الإقليمية إعادة رسم خرائط نفوذها – أصبحت دمشق مركز اهتمام دولي مضاعف.

 

وفي لحظة فارقة، جاء الحدث الأكثر رمزية: هبوط أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر مجتمعين في دمشق في زيارة ميدانية نادرة لم تحدث بهذا الشكل في أي دولة شهدت انتقالاً سياسياً متسارعاً.

 

لم يزر أعضاء المجلس مجتمعين العراق بعد صدام، ولا ليبيا بعد القذافي، ولا اليمن بعد انهياره، ولا حتى أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي. ولذلك فإن زيارة الخمسة عشر تحمل وزناً سياسياً يتجاوز حدود البروتوكول، لتصبح علامة واضحة على أن سوريا دخلت مرحلة جديدة: مرحلة الاعتراف الدولي الكامل، ومرحلة إعادة هندسة الأمن الإقليمي.

 

لكن الزيارة لم تكن مجرد رسالة دعم للحكومة الجديدة، بل كانت أيضاً مؤشراً على خريطة تفاهمات أوسع تشمل الجنوب السوري، الأمن الحدودي، مستقبل اتفاق 1974، وتحولات العلاقة بين دمشق وتل أبيب في ظل فراغ ما بعد الأسد.

ومن هنا يبدأ جوهر هذا التقرير.

 

أولاً: سقوط الأسد… وصعود لحظة دولية جديدة:

 

عام واحد فقط بعد سقوط نظام الأسد كان كافياً ليكشف أن سوريا لم تعد ملفاً داخلياً، بل أصبحت نقطة ارتكاز لعدد من الملفات: الأمن الإقليمي، التوازن الإيراني–الإسرائيلي، خطوط الطاقة، إعادة هندسة التحالفات الدولية، ومستقبل شرق المتوسط.

ومع وصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة، اتجهت البلاد نحو مسار جديد قائم على إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وتثبيت شرعية سياسية نابعة من الداخل ومُعترف بها دولياً. لكنّ هذا المسار دخل مرحلة حساسة عندما بدأت إسرائيل تتوسع في الجنوب مستغلة اللحظة الانتقالية، ما أثار قلقاً إقليمياً ودولياً.

في هذه اللحظة الحساسة تحديداً جاءت زيارة مجلس الأمن.

 

ثانيا : لماذا جاء أعضاء المجلس الخمسة عشر إلى دمشق؟

 

  • الاعتراف النهائي بسوريا الجديدة:

الزيارة كانت إعلاناً صريحاً بأن الشرعية الدولية انتقلت بالكامل إلى الحكومة الحالية، وأن المجتمع الدولي يعتبر الرئيس أحمد الشرع هو ممثل الدولة السورية بلا منازع.

 

  • إنهاء فراغ ما بعد خروج إيران:

بعد أن خرجت إيران من سوريا عقب سقوط الأسد، كان الفراغ الأمني في الجنوب أكبر من أن يُترك دون معالجة. كان لا بد من إطار دولي يمنع دخول قوى إقليمية أخرى، ويضمن عدم تحوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة.

 

  • مراقبة الانتقال من الثورة إلى الدولة:

أراد المجلس أن يرى بعيونه:

 

  • مستوى الاستقرار

 

  • جاهزية الحكومة

 

  • إعادة هيكلة الجيش

 

  • السيطرة على المناطق المحررة

 

  • آليات دمج الفصائل

 

  • أشكال الدعم الممكنة

 

كانت هذه الخطوة تُعرف في الأمم المتحدة زيارة تقييم ميدانية قبل اتخاذ قرار أكبر.

 

  • التحضير لقرار دولي شامل بخصوص سوريا:

زيارة من هذا النوع عادة تسبق قراراً دولياً كبيراً قد يشمل

 

  • اتفاقاً حدودياً جديداً أو مطوّراً

 

  • بعثة مراقبة دولية

 

  • خطة إعادة إعمار

 

  • برنامج عودة اللاجئين

 

  • ترتيبات أمنية بين سوريا وإسرائيل

 

  • تثبيت الدستور الجديد

 

ثالثا :إسرائيل الطرف  الغائب الحاضر:

 

لم يكن من الممكن تجاهل أن إسرائيل سارعت بعد سقوط الأسد للتقدم داخل الجنوب السوري، مستغلة حالة الفراغ، ومبررة تحركها بـ“منع الفوضى”.

لكن هذه السلوكيات أثارت شكوكاً دولية واسعة:

هل تريد إسرائيل استغلال اللحظة لإعادة رسم الحدود؟

وهل تحترم اتفاق 1974 أصلاً، رغم إعلان الرئيس الشرع التزامه الكامل به؟

خلال عام الانتقال، اتضح للمجتمع الدولي أن:

 

  • إسرائيل لم تعد مقيّدة كما كانت في الماضي

 

  • الجنوب السوري أصبح مكشوفاً

 

  • سوريا بحاجة إلى ضمانات حقيقية

 

  • الاتفاقات القديمة لم تعد كافية

 

  • الاستفراد الإسرائيلي بالحدود يشكل خطراً إقليمياً

 

 رابعاً : هل الزيارة تهدف إلى تفاهم مع إسرائيل؟

 

الجواب الأقرب للواقع: نعم… ولكن ليس تفاهماً مباشراً. بل إطاراً دولياً يفرض معادلة جديدة.

سوريا تبحث عن:

 

  • منع أي اعتداءات مستقبلية

 

  • ضبط الحدود

 

  • إنهاء الاحتلال المؤقت للجنوب

 

  • ضمان التزام إسرائيل باتفاق 1974

 

  • اعتراف دولي بوحدة الأراضي السورية

 

بينما القوى الكبرى تريد:

 

  • تجنب صدام سوري–إسرائيلي

 

  • منع التمدد الإسرائيلي غير المنضبط

 

  • ضبط الجنوب قبل أن يتحول إلى بؤرة صراع

 

  • تثبيت شرعية الدولة السورية الجديدة

 

هذا التداخل فرض صيغة جديدة سُمّيت في الاجتماعات المغلقة:

“مبدأ الحدود المؤمّنة دولياً”

 

خامسا : مبدأ الحدود المؤمنة دولياً الصيغة الجديدة

 

الصيغة المقترحة – والتي تشكل أحد أهداف زيارة الخمسة عشر – تقوم على:

 

  • لجنة مراقبة مشتركة بين سوريا والأمم المتحدة

 

  • منع أي توغل جديد من إسرائيل

 

  • نشر وحدات مراقبة في نقاط محددة

 

  • دعم انتشار الجيش السوري الجديد في الجنوب

 

  • ضمانات سياسية من القوى الكبرى

 

  • إطار يمنع أي طرف من تغيير الحدود بالقوة

 

وبذلك يتحول اتفاق 1974 من نص قديم إلى آلية سياسية حية تحظى بغطاء دولي.

 

 سادساً : سوريا الجديدة: عودة الدور لا الدفاع

 

أهم ما تأكد للمجلس خلال الزيارة هو أن سوريا:

لم تعد تبحث عن حماية فقط ، بل عن دور إقليمي فاعل ، وعن استعادة مكانتها وعن فرض حضورها على خارطة الشرق الأوسط

سوريا اليوم لاعب في:

 

  • معادلة الطاقة شرق المتوسط

 

  • أمن الخليج والبحر الأحمر

 

  • التوازن الروسي–الأميركي

 

  • معادلة الردع مع إسرائيل

 

  • نظام عربي يعاد تشكيله

وزيارة الخمسة عشر كانت اعترافاً بهذا الدور.

 

 سابعاً : معادلة الردع الجديدة من صمت البنادق إلى صمت الخروقات

 

الردع القديم كان عسكرياً.

الردع الجديد سياسي–دولي–قانوني.

حيث صرّح الرئيس أحمد الشرع بأنه ملتزم باتفاق 1974، لكن إسرائيل انتهكته. وبعد الدعم الدولي لسوريا الجديدة بات واضحاً أن:

  • إسرائيل لم تعد قادرة على التحرك بلا ثمن

 

  • الجنوب لن يكون ساحة مفتوحة

 

  • أي خرق سيملك تبعات سياسية دولية

 

  • الجيش السوري الجديد محمي سياسياً

 

  • موسكو وواشنطن متفقتان على منع التصعيد

هذه أول مرة منذ 50 عاماً تُفرض فيها معادلة ردع دولية لحماية الحدود السورية.

 

خاتمة :

 

وهكذا، فإن زيارة أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر إلى دمشق ليست محطة رمزية ولا بروتوكولاً عابراً، بل هي العلامة الأكثر وضوحاً على أن سوريا دخلت طوراً جديداً من تاريخها السياسي بعد سقوط النظام السابق. فهذه الزيارة لا تشكّل نهاية مرحلة، وإنما تُفتتح بها مرحلة مختلفة كلياً، مرحلة تحدد شكل سوريا في العقد القادم، وحدود نفوذ القوى الإقليمية، وموازين الردع بين دمشق وتل أبيب.

 

إن ما بعد زيارة الخمسة عشر لا يعني فقط إبداء الدعم للحكومة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بل يتضمن مساراً متكاملاً يجري صياغته الآن في الغرف السياسية المغلقة: قرارٌ دولي جديد يعيد تعريف الالتزامات تجاه الجنوب السوري، صيغة أمنية جديدة تضمن عدم تكرار الفراغ الذي سمح لإسرائيل باحتلال مناطق واسعة عقب سقوط الأسد، خطة رسمية لإعادة الإعمار بآليات رقابة تمويلية دولية، برنامج عودة تدريجية للاجئين يرتبط بتحسن البنية الإدارية والخدمية، إضافة إلى تثبيت نهائي للامركزية الإدارية باعتبارها جزءاً من العقد السياسي الجديد. أما أولوية الداخل، فتكمن في إنهاء الفراغ الأمني وبناء مؤسسات الدولة الحديثة على أساس المهنية والشفافية.

 

إن جوهر الرسالة التي حملتها هذه الزيارة هو أن سوريا بعد عام على التحرير لم تعد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ولا فراغاً سياسياً تتسابق القوى لملئه، بل كيان يعود تدريجياً إلى النظام الإقليمي كلاعب، لا تابع، وشريك، لا ساحة نفوذ. وبينما تستكمل دمشق تثبيت توازناتها الجديدة، يبدو واضحاً أن مستقبل المنطقة، وحدود الردع، ومعادلات الأمن، لن تعود كما كانت قبل زيارة الخمسة عشر… بل ستبنى على ما تلاها.

 

 

 

 

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

لم يتغيّر خطاب قسد نضجًا، بل انكسر تحت وقع الهزيمة، فاستبدل لغة الفرض بلغة التبرير، وحين يسقط الوهم الخارجي، لا…
سقوط قسد لم يكن مفاجئاً؛ إذ اجتمعت الضغوط السياسية والميدانية والإنسانية لتفكك مشروعها وتفضح هشاشته، نجاح الدولة السورية في حلب،…
قسد مشروع وُلد في فراغ الحرب وعاش على دعم الخارج، بلا شرعية وطنية ولا جذور شعبية، ومع تبدّل الموازين، تقترب…

القائمة