يشكّل الحديث عن “الجيش السوري الجديد” أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد السوري المعاصر، نظرًا لتداخل العوامل المحلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية. فبعد سنوات من الصراع المسلح وتفكك بنية الدولة، برزت محاولات لإعادة بناء قوة عسكرية سورية تعتمد على مكونات محلية، لكنها في الوقت نفسه تخضع لشروط وضغوط خارجية تؤثر في بنيتها وعقيدتها الفكرية والعسكرية. وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا مع الجدل حول دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن هذا التشكيل، في ظل خلفية إسلامية جهادية لبعض الفصائل التي تشكّل نواته الأساسية.
أولا: المكونات السورية المحلية للجيش الجديد
يعتمد مشروع الجيش السوري الجديد بشكل أساسي على فصائل محلية نشأت خلال سنوات الصراع، أغلبها ذات طابع إسلامي، وبعضها تبنّى في مراحل سابقة خطابًا جهاديًا عقائديًا. هذه الفصائل اكتسبت شرعيتها من:
* دورها العسكري في مواجهة النظام السوري أو تنظيمات متطرفة أخرى.
* ارتباطها بالمجتمعات المحلية التي وفّرت لها الحاضنة البشرية.
* قدرتها على ملء الفراغ الأمني في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة.
غير أن هذا التنوع الفصائلي، سواء من حيث الخلفية الأيديولوجية أو التنظيمية، يخلق تحديًا كبيرًا أمام بناء جيش وطني موحد بعقيدة واضحة وسلسلة قيادة مركزية.
ثانيا: التحول في العقيدة الفكرية والعسكرية
كانت العقيدة الفكرية لعدد من هذه الفصائل تقوم على مرجعية إسلامية جهادية، تركز على مفاهيم “التمكين” و”الحاكمية” ورفض النماذج العسكرية التقليدية للدولة الوطنية. إلا أن مشروع الجيش الجديد يتطلب:
* الانتقال من عقيدة دينية أيديولوجية إلى عقيدة عسكرية وطنية.
* الالتزام بهيكلية جيش نظامي يخضع لسلطة سياسية مدنية.
* التخلي عن خطاب الإقصاء الديني أو الأيديولوجي.
هذا التحول لا يتم بسهولة، إذ يواجه مقاومة داخلية من عناصر ترى فيه تفريطًا بالهوية الفكرية التي قاتلت على أساسها لسنوات.
ثالثا: تأثير القوى الغربية على تشكيل الجيش
تلعب الدول الغربية دورًا محوريًا في توجيه مسار الجيش السوري الجديد، خاصة من خلال:
* ربط الدعم المالي والعسكري بشروط تتعلق بحقوق الإنسان والانضباط العسكري.
* فرض نموذج “الجيش المهني غير الأيديولوجي”.
* الضغط من أجل إشراك مكونات غير إسلامية لضمان التعددية ومنع احتكار السلاح من قبل تيار واحد.
هذه الضغوط تؤدي عمليًا إلى إعادة صياغة العقيدة العسكرية بما يتوافق مع المصالح الغربية، وهو ما يُنظر إليه من قبل بعض الفصائل الإسلامية كنوع من الوصاية أو محاولة لتفريغ المشروع من مضمونه العقدي.
رابعا: الدور الإقليمي وحساباته
لا يقل الدور الإقليمي أهمية عن الغربي، إذ تسعى بعض الدول إلى:
* منع قيام جيش ذي طابع جهادي قد يشكل تهديدًا لأمنها.
* استخدام الجيش الجديد كورقة نفوذ سياسي داخل سوريا.
* موازنة النفوذ الغربي أو الكردي داخل المؤسسة العسكرية الناشئة.
وتنعكس هذه الحسابات في دعم فصائل معينة دون غيرها، أو في الدفع نحو صيغ اندماج محددة تخدم مصالح إقليمية مباشرة.
خامسا: إشكالية دمج قوات قسد
يُعد دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من أكثر القضايا إثارة للجدل. فالفصائل الثورية ابدت استعدادها في اندماج جميع مكونات السورية من واجبها الوطني اتجاه وطنه وثورته النبيلة ،الا ان قوات سوريا الديمقراطية هي التي تقوم على اساس فقدان الهوية الوطنية بسبب الايدي الخارجية مم جعلها غير ملتزمة في اي اتفاق يوحد سوريا جغرافيا وسياسيا واقتصاديا و اجتماعيا وفي نفس الوقت قسد اعتبرت نفسها حليفًا مباشرًا للغرب، ما يثير الشكوك حول استقلالية الجيش الجديد.
في المقابل، ترى القوى الغربية أن دمج قسد ضروري لضمان تمثيل شامل ومنع عودة النزاعات الداخلية، ما يضع المشروع برمته أمام معادلة صعبة بين القبول الخارجي والتماسك الداخلي.
خاتمة
إن تشكيل جيش سوري جديد بمكونات محلية يواجه تحديات فكرية وعسكرية وسياسية عميقة. فالانتقال من فصائل ذات خلفية إسلامية جهادية إلى جيش وطني جامع يتطلب إعادة صياغة شاملة للعقيدة والهوية، وهو أمر تصطدم به الحسابات الإقليمية والدولية، إضافة إلى الانقسامات الداخلية، خاصة فيما يتعلق بدمج قوات قسد. ويبقى مستقبل هذا الجيش مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الخصوصية السورية ومتطلبات الشرعية الدولية، دون أن يتحول إلى أداة بيد أي طرف خارجي.