سوريا بين رفع العقوبات وطفرة التفاؤل الشعبي

يعيش السوريون اليوم، داخل البلاد وخارجها، حالة من التفاؤل الغامر بعد القرارات الأخيرة التي أُعلنت حول رفع جزء كبير من العقوبات المفروضة على سوريا.

 

فبعد سنوات من الضيق والانسداد، بدا الأمر أشبه بباب فُتح فجأة في جدار مغلق، لكن خلف هذا الاندفاع العاطفي، يقف سؤال لا يقل أهمية: هل ما حدث هو بداية انفراج حقيقي أم مجرد تبديل في الأدوار مع بقاء البنية القديمة كما هي، تختبئ خلف لغة جديدة؟ العقوبات التي رُفعت لم تكن حكراً على المؤسسات الرسمية، بل شملت شخصيات وشبكات اقتصادية لطالما التصقت بدوائر الأسد واشتغلت في ظلّه، حتى تحولت إلى جزء من عصب السلطة غير المعلن، حيث بدأت الوجوه القديمة تظهر بلا أي حرج؛ مجالس تُعقد هنا، تبرعات تُنثر هناك، وولائم تعود إلى عادته.

 

هذا الحضور السريع يجعل السؤال ملحّاً: هل نحن أمام إعادة تدوير لطبقة الحرب؟ أم أن هذه مجرد فوضى مؤقتة تسبق مرحلة إعادة ترتيب جادّة؟.

 

شبكة النفوذ الاقتصادي: من أجنحة النظام إلى قوائم العقوبات

 

وبحسب ما نشره موقع Syria Monitor، فإن عدد الأفراد والكيانات التي كانت مدرجة ضمن قوائم مكتب الأصول الأجنبية (OFAC) وصل إلى نحو 518 اسماً وكياناً، وهذا الرقم ليس مجرد إحصاء تقني، بل وثيقة سياسية تكشف حجم الامتداد الاقتصادي الذي نما في الظل، خارج أي رقابة، وداخل شبكة النفوذ التي تكوّنت خلال الثورة والحرب. فهذه الكيانات لم تكن “شركات عادية”، بل أذرع مُحكمة تعمل في خطوط حساسة: النفط، التحويلات، الحبوب، الطيران، التهريب، والكبتاغون.وتضمّنت القائمة أسماء يعرفها السوريون جيداً: محمد حمشو، سامر فوز، حسام القاطرجي، خضر علي طاهر، أيمن جابر، ورامي مخلوف… إلى جانب شركات مثل “أجنحة الشام”، “أرفادا للنفط”، “الفاضل للصرافة”، ومصفاة الساحل.

 

 

كل هذه المنظومات صنعت ثرواتها من اقتصاد الحرب، لا من السوق الطبيعية، واعتمدت على الاحتكار والوساطات والصفقات التي تعبر الحدود أكثر مما تعبر القانون.والمفارقة أن كثيراً من هذه الشخصيات عاد اليوم إلى الظهور وكأن شيئاً لم يكن. مشاريع تُستأنف، مجالس تُقام، ووجاهات تعود وكأن الماضي قد مُسح بجرة قرار.

 

 

وهنا يكمن الخوف الحقيقي: هل رفع العقوبات سيعيد هذه الشبكات للتحكم في عجلة الاقتصاد؟ أم أن الفرصة سانحة أخيراً لتفكيك هذه البُنى وإعادة ضبط السوق على أسس أكثر عدلاً وشفافية؟.

 

أموال مجمّدة… أم أموال مستعادة؟

 

ومع كل هذه الأسئلة، يبقى السؤال الأشد حساسية:هل ستعود الأصول والأموال التي جُمّدت لسنوات إلى خزينة الدولة السورية؟ أم أنها ستعود ببساطة إلى من اكتنزها على ظهر الشعب؟ هذا السؤال ليس اقتصادياً فقط؛ إنه سؤال في جوهر العدالة.

 

 

فهذه الأموال جُمعت من امتيازات مرتبطة بالسلطة، ومن التحكم بالأسواق، ومن نهب الموارد العامة، ومن شبكات موثقة في تقارير دولية تحدثت صراحة عن تبييض أموال واتجار غير مشروع.إذا عادت هذه الأموال إلى جيوب تلك المنظومة، فنحن أمام إعادة ترميم لاقتصاد الحرب بوجوه مهيأة لاكتمال الدورة مرة أخرى.

 

 

نفوذ يولّد مالاً، ومال يعيد النفوذ… والبلد يبقى يدور في نفس الحلقة القاتلة. أما لو توجهت الأموال إلى خزينة الدولة، فسنكون أمام خطوة أولى ولو متواضعة نحو إعادة الثقة العامة وفتح الباب أمام اقتصاد لا تحكمه القلة ولا تديره الولاءات.اليوم، السوريون لا يخافون من رفع العقوبات بحد ذاته، بل يخافون مما قد يختبئ خلفها: هل هو فتح لباب جديد، أم عودة مقنّعة للأسماء التي صنعت أسوأ مراحل انهيار البلاد؟

 

 

والسؤال الأعمق يبقى كما هو:ليس ماذا رُفع عن سوريا… بل من سيرفع سوريا؟ ومن سيمسك مفاتيحها في المرحلة القادمة؟.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

لم يتغيّر خطاب قسد نضجًا، بل انكسر تحت وقع الهزيمة، فاستبدل لغة الفرض بلغة التبرير، وحين يسقط الوهم الخارجي، لا…
سقوط قسد لم يكن مفاجئاً؛ إذ اجتمعت الضغوط السياسية والميدانية والإنسانية لتفكك مشروعها وتفضح هشاشته، نجاح الدولة السورية في حلب،…
قسد مشروع وُلد في فراغ الحرب وعاش على دعم الخارج، بلا شرعية وطنية ولا جذور شعبية، ومع تبدّل الموازين، تقترب…

القائمة