سياسة الاحتجاز الجماعي في مخيم الهول: حدودها وبدائلها

الملخص التنفيذي:

تُدار أوضاع مخيم الهول منذ عام 2016 ضمن تصميم سياساتي تشكّل في سياق فراغ سيادي وهيمنة فاعل غير دولتي على الملف، تمثّل في سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على المخيم والسجون المرتبطة بتنظيم داعش. هذا الواقع أفرز نمط إدارة قائمًا على الاحتجاز الجماعي طويل الأمد بوصفه أداة ضبط مركزية، مع تحويل المخيم إلى مساحة إدارة أمنية–إنسانية خارج إطار السياسات العامة الوطنية.

 

استقر هذا التصميم بفعل تداخل اعتبارات أمنية عاجلة، وحوافز تشغيلية قصيرة الأمد، ودعم دولي ركّز على الاحتواء المكاني، ما أدّى إلى تجميد مسار السياسات عند مرحلة التنفيذ دون المرور بمراحل الصياغة والتقييم وإعادة التصميم. ونتيجة لذلك، تحوّل إجراء احترازي مؤقت إلى سياسة فعلية مستقرة، تُدار من خلالها عشرات الآلاف من الحالات الفردية ضمن إطار جماعي واحد، مع تعليق المعالجة القانونية والاجتماعية على المدى الطويل و أنتج هذا النمط كلفًا تراكمية متعددة المستويات. فعلى الصعيد الأمني، أسهمت الإدارة الجماعية في إعادة إنتاج بيئات هشّة قابلة لتراكم المخاطر المؤجلة. وعلى الصعيد المجتمعي، تشكّلت فئات معزولة نشأت خارج أطر التعليم والتنمية الاجتماعية. وعلى الصعيد السيادي، استمر ملف وطني بالغ الحساسية خارج مؤسسات الدولة، ما حدّ من قدرة الحكومة على إدراجه ضمن سياسة عامة متماسكة للاستقرار وإعادة الدمج. في المرحلة السورية الراهنة، ومع بروز الدولة السورية الجديدة بوصفها الفاعل المخوّل بإعادة بسط السيادة وبناء أدوات الحكم، يكتسب ملف مخيم الهول أولوية سياساتية تتجاوز منطق الإدارة اليومية. إذ تفرض استعادة الدور السيادي الانتقال من إدارة الأمر الواقع إلى إعادة تصميم السياسة الحاكمة، بما يربط الأمن بالمسارات القانونية والاجتماعية، ويعيد توزيع المسؤوليات المؤسسية ضمن إطار وطني جامع.

 

تخلص هذه الورقة إلى أن معالجة ملف مخيم الهول تمر عبر مسار تحول تدريجي منخفض المخاطر، تقوده مؤسسات الدولة، ويقوم على التمييز بين الفئات، والتقييم الفردي، وبناء مسارات خروج مرحلية، مع تفكيك إرث الإدارة غير السيادية بصورة منظمة. وتمثّل هذه المقاربة مدخلًا عمليًا لمعالجة الكلفة التراكمية للاحتجاز الجماعي، وتعزيز الاستقرار المجتمعي، وترسيخ دور الدولة بوصفها الجهة الحصرية في إدارة هذا الملف.

 

 

المقدمة:

 

يُعد ملف مخيم الهول من أبرز القضايا السياساتيّة التي تعكس تحديات مرحلة ما بعد النزاع في سوريا، لما ينطوي عليه من تداخل بين الأمن، والمجتمع، والسيادة، وإعادة بناء أدوات الحكم. فقد تحوّل المخيم خلال السنوات الماضية إلى مركز إدارة جماعية لفئات واسعة من السكان المرتبطين بنتائج الصراع مع تنظيم داعش، ضمن إطار إداري تشكّل خارج مؤسسات الدولة، واستقر بفعل ظروف ميدانية وسياسية مؤقتة.

 

أفرز الفراغ السيادي في شمال شرق البلاد نمط إدارة قائمًا على تولّي فاعل غير دولتي مهام أمنية وإدارية واسعة، شملت السجون والمخيمات المرتبطة بملف داعش، ومن بينها مخيم الهول. هذا النمط اعتمد أدوات احترازية هدفت إلى ضبط المخاطر الآنية، وأسّس مع مرور الوقت تصميمًا سياساتيًا مستقرًا، يقوم على الاحتجاز الجماعي وإدارة السكان ضمن فضاء مغلق، مع فصل الملف عن مسارات السياسات العامة الوطنية و في هذا السياق، تبلور مخيم الهول بوصفه حالة إدارة أمر واقع، تُدار عبر إجراءات تشغيلية يومية، وتفتقر إلى أهداف انتقالية واضحة أو معايير تقييم دورية. وقد أسهم هذا الواقع في تثبيت سياسة فعلية دون إعلان رسمي، حيث توقّف مسار السياسات عند مرحلة التنفيذ، مع غياب مراحل الصياغة، والتقييم، وإعادة التصميم. ونتيجة لذلك، تراكمت آثار هذا النمط على المستويات الأمنية والمجتمعية والمؤسسية.

 

تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة في المرحلة السورية الراهنة، مع بروز الدولة السورية الجديدة بوصفها الفاعل المعني بإعادة بسط السيادة وبناء سياسة عامة وطنية شاملة. فإعادة إدراج ملف مخيم الهول ضمن إطار السياسات العامة تمثّل خطوة أساسية في الانتقال من إدارة التركة إلى إدارة التحول، ومن التعامل مع نتائج النزاع إلى بناء مسارات استقرار وإعادة دمج قائمة على التمييز بين الفئات وتوزيع المسؤوليات المؤسسية بوضوح.

 

تنطلق هذه الورقة من مقاربة سياساتيّة تعتبر أن التحدي المركزي في مخيم الهول يرتبط بطبيعة التصميم الذي حكم إدارته خلال المرحلة السابقة، وبالآليات التي ثبّتت الاحتجاز الجماعي بوصفه خيارًا افتراضيًا. وتسعى الورقة إلى تفكيك هذا التصميم، وتحليل منطق تشكّله واستقراره، واستكشاف خيارات تحول تدريجي تقودها مؤسسات الدولة، وتوازن بين متطلبات الأمن، والاستقرار المجتمعي، وإعادة بناء الدور السيادي.

 

 

تعريف المشكلة العامة:

 

تتمثل المشكلة العامة في استمرار إدارة مخيم الهول ضمن تصميم سياساتي تشكّل في سياق فراغ سيادي، واعتمد الاحتجاز الجماعي أداة مركزية لإدارة ملف مرتبط بنتائج الصراع مع تنظيم داعش. هذا التصميم استقر خلال مرحلة سيطرة فاعل غير دولتي على المخيم، وتحول مع مرور الوقت إلى نمط إدارة فعلي، جرى التعامل معه بوصفه سياسة قائمة بحكم الأمر الواقع، دون إدراجه ضمن إطار السياسات العامة الوطنية. يقوم هذا التصميم على افتراض إدارة المخاطر عبر العزل المكاني الجماعي، مع التعامل مع فئات سكانية متباينة ضمن إطار واحد. وقد شمل هذا الإطار نساءً وأطفالًا ومواطنين سوريين إلى جانب رعايا أجانب، مع اعتماد محدود على التقييم الفردي المنهجي، ودون بناء مسارات معالجة تفاضلية ترتبط بدرجة الخطورة أو قابلية الاندماج. ونتيجة لذلك، ترسّخ نمط إدارة يوسّع نطاق الاحتجاز، ويؤجّل الانتقال إلى حلول سياساتية متمايزة. يتعزّز هذا الخلل بفعل غياب منظومة انتقال مؤسسية واضحة. فإدارة المخيم جرت ضمن إطار مفتوح الأجل، دون مراحل زمنية محددة أو مؤشرات أداء تقيس التقدّم نحو تغيير الوضع القائم. هذا الواقع أسهم في تثبيت الاحتجاز الجماعي بوصفه الخيار الافتراضي، مع توزيع كلفته عبر الزمن والمؤسسات، وتراجع الحوافز المؤسسية لإعادة التصميم أو المراجعة الشاملة. على المستوى المؤسسي، أفضى هذا التصميم إلى تشتت الأدوار بين الجهات المعنية، مع غياب سياسة وطنية جامعة تنظم العلاقة بين الأبعاد الأمنية، والاجتماعية، والقانونية للملف. وقد انعكس هذا التشتت في اعتماد مقاربات قطاعية متوازية، تُدار كل منها ضمن منطقها الخاص، دون إطار تنسيقي قادر على توجيه الملف نحو أهداف انتقالية واضحة. في البعد المجتمعي، أسهم الاحتجاز الجماعي طويل الأمد في تشكّل بيئة اجتماعية مغلقة داخل المخيم، تتسم بمحدودية الوصول إلى التعليم النظامي، وبرامج الدعم النفسي، وبناء المهارات. هذا الواقع أثّر في مسارات التنشئة الاجتماعية، ورفع كلفة أي تدخل اندماجي لاحق، مع امتداد آثاره إلى خارج نطاق المخيم. تتضاعف تعقيدات المشكلة بفعل البعد الدولي المرتبط بالرعايا الأجانب، حيث جرى التعامل مع هذا الجانب ضمن توازنات سياسية مؤقتة، ركّزت على الاحتواء المكاني، وقلّصت فرص بناء حلول سياساتية مشتركة. وقد أسهم هذا الواقع في إبقاء العبء الإداري طويل الأمد على الجهات المحلية، ضمن تصميم يفتقر إلى أدوات سيادية شاملة.

 

في المرحلة السورية الراهنة، تكتسب هذه المشكلة بعدًا سياساتيًا إضافيًا، يتصل بقدرة الدولة السورية الجديدة على إعادة إدراج ملف مخيم الهول ضمن سياسة عامة وطنية، تقودها مؤسسات الدولة، وتقوم على التمييز بين الفئات، والتقييم الفردي، وبناء مسارات تحول تدريجي قابلة للإدارة. ويشكّل هذا الانتقال شرطًا أساسيًا لمعالجة الكلفة التراكمية للاحتجاز الجماعي، وتعزيز الاستقرار المجتمعي، وترسيخ الدور السيادي في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية

 

الخلفية والسياق السياساتي:

 

تطوّر ملف مخيم الهول ضمن سياق تفكك منظومات الحكم المحلي في شمال شرق سوريا خلال سنوات النزاع، وما رافق ذلك من فراغ سيادي أتاح لفاعل غير دولتي تولّي مهام أمنية وإدارية واسعة. في هذه البيئة، برزت الحاجة إلى أدوات احترازية سريعة لاحتواء نتائج المواجهة مع تنظيم داعش، مع تجمّع أعداد كبيرة من المقاتلين السابقين وعائلاتهم ضمن نطاق جغرافي واحد. ابتداءً من عام 2016، ومع ترسّخ سيطرة قسد على المنطقة، تشكّل نمط إدارة اعتمد الاحتجاز الجماعي أداة مركزية لضبط المخاطر. هذا النمط استند إلى اعتبارات تشغيلية عاجلة هدفت إلى تأمين الاستقرار الموضعي، وضمان السيطرة على السكان، وتنظيم تقديم الحد الأدنى من الخدمات. ومع غياب مرجعية سيادية وطنية، جرى تطوير هذا النمط خارج إطار السياسات العامة، وتحوّل تدريجيًا إلى سياسة فعلية تحكم إدارة المخيم. من منظور دورة السياسات العامة، توقّف مسار التعامل مع المخيم عند مرحلة التنفيذ التشغيلي، مع غياب مراحل الصياغة، والتقييم، وإعادة التصميم. فقد جرى التعامل مع الاحتجاز بوصفه أداة كافية بذاتها، دون إدراج أهداف انتقالية، أو مؤشرات أداء، أو جداول زمنية تُقاس على أساسها النتائج. هذا التوقف أسهم في تكريس حالة تجميد سياساتي، حيث استقر الوضع القائم بفعل الاعتياد المؤسسي وتراكم الممارسات اليومية. أسهمت بنية الحوافز المؤسسية في ترسيخ هذا التجميد. فقد توزّعت المسؤوليات بين جهات أمنية محلية، وإدارات أمر واقع، ومنظمات إنسانية دولية، ما أدّى إلى تخفيف العبء المباشر عن كل جهة، وإبقاء كلفة الاستمرار ضمن نطاق إدارة يومية قابلة للاحتواء. في المقابل، ارتبط أي مسار تغيير بقرارات مركّزة تتطلب تنسيقًا سياسيًا ومؤسسيًا أوسع، ما عزّز استقرار التصميم القائم. على الصعيد القانوني والإجرائي، تشكّل إطار إداري عام لإدارة القاطنين، مع اعتماد محدود على منظومات تقييم فردي منهجية. هذا الإطار وفّر مرونة تشغيلية قصيرة الأمد، وأسهم في إطالة أمد الإقامة داخل المخيم، مع تعليق الأوضاع القانونية والاجتماعية ضمن مسار مفتوح الأجل. وقد انعكس ذلك في توسيع نطاق الاحتجاز ليشمل فئات متباينة من حيث درجة الخطورة والمسؤولية وقابلية الاندماج. في البعد الدولي، تفاعل هذا السياق مع سياسات خارجية ركّزت على احتواء التهديد ضمن الجغرافيا السورية، وتجنّب إعادة تصدير المخاطر. انحصر تدخل عدد من الدول المعنية بالرعايا الأجانب في دعم إنساني وتمويلي، مع محدودية الانخراط في حلول سياساتية طويلة الأمد. هذا التفاعل أسهم في تثبيت المخيم بوصفه مساحة إدارة مستمرة، وربط الملف بتوازنات مؤقتة خارج الإطار السيادي للدولة. على المستوى الاجتماعي، أفرز هذا السياق آثارًا تراكمية عميقة. فقد نشأت داخل المخيم بيئة اجتماعية مغلقة، اتسمت بمحدودية الوصول إلى التعليم النظامي، وبرامج الدعم النفسي، وبناء المهارات. هذا الواقع أسهم في إعادة إنتاج أنماط هشاشة اجتماعية، خصوصًا بين الأطفال، ورفع كلفة أي تدخل اندماجي لاحق على المستويات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية. في المرحلة السورية الراهنة في سوريا، يكتسب هذا السياق دلالة سياساتيّة إضافية. فبروز الدولة السورية الجديدة بوصفها الفاعل المعني بإعادة بسط السيادة وبناء أدوات الحكم يفتح نافذة لإعادة إدراج ملف مخيم الهول ضمن سياسة عامة وطنية. هذه السياسة تقوم على الانتقال من إدارة الأمر الواقع إلى إدارة التحول، ومن الاحتواء المكاني إلى مسارات تفاضلية تربط الأمن بالقانون، وإعادة الدمج، وتوزيع المسؤوليات المؤسسية.

 

تشير قراءة هذا السياق إلى أن السياسة المعتمدة تشكّلت عبر تفاعل تدريجي بين ضرورات أمنية، وحوافز تشغيلية، وتوازنات محلية ودولية. هذا التشكّل يفسّر استقرار الوضع القائم، ويحدّد في الوقت ذاته مدخل معالجته، عبر إعادة تصميم سياساتي يقوده الدور السيادي للدولة، ويستند إلى دورة سياسات مكتملة تشمل الصياغة، والتنفيذ، والتقييم، وإعادة الضبط

 

تحليل منطق السياسة المعتمدة وحدود تصميمها:

 

تشكل المنطق الحاكم لإدارة مخيم الهول ضمن إطار سياساتي اعتمد الاحتجاز الجماعي أداة مركزية لتحقيق هدف الضبط الأمني. هذا المنطق نشأ في سياق سيطرة فاعل غير دولتي على الملف، تمثّل في قسد، ومع غياب مرجعية سيادية وطنية تضبط العلاقة بين الأداة والهدف. وقد جرى التعامل مع الاحتجاز بوصفه حلًا تشغيليًا شاملًا، قادرًا على استيعاب تعقيدات الملف دون الحاجة إلى تصميم مسارات سياساتية تفاضلية. يقوم هذا المنطق على افتراض أن تجميع الفئات المرتبطة بنتائج الصراع ضمن فضاء مكاني مغلق يحقق مستوى مقبولًا من الاستقرار الموضعي، ويحدّ من انتقال المخاطر إلى المجال المجتمعي الأوسع. هذا الافتراض أتاح للإدارة القائمة تركيز الموارد على الضبط المكاني وإدارة الخدمات الأساسية، وأسهم في تثبيت الاحتجاز الجماعي بوصفه أداة منخفضة المتطلبات من حيث التخطيط والسياسات طويلة الأمد. مع مرور الوقت، تحوّل هذا الافتراض إلى قاعدة تشغيلية عامة، توسّع نطاق تطبيقها ليشمل فئات متباينة من حيث المسؤولية القانونية، والانتماء الوطني، وقابلية الاندماج. ونتيجة لذلك، جرى التعامل مع المخيم بوصفه وحدة إدارة واحدة، مع تعليق التمييز الوظيفي بين الأفراد، وتأجيل تطوير أدوات تقييم فردي قادرة على توجيه مسارات معالجة متمايزة. يبرز الحدّ الأول لهذا التصميم في الفجوة بين الأداة والهدف. فالاحتجاز الجماعي وفّر ضبطًا مكانيًا قصير الأمد، في حين أدّى إلى تراكم آثار طويلة الأمد تتصل بإعادة إنتاج الهشاشة الاجتماعية، وتآكل فرص إعادة الدمج، وارتفاع كلفة المعالجة المستقبلية. هذا الخلل يعكس اعتماد أداة واحدة لمعالجة أهداف متعددة، دون مواءمة بين طبيعة الأداة وتعقيد الأهداف المعلنة. أما الحدّ الثاني فيرتبط بطبيعة الجهة المصمِّمة والمنفِّذة للسياسة. فقد أُدير المخيم ضمن إطار أمر واقع، اعتمد منطق السيطرة والإدارة اليومية، دون امتلاك أدوات سياسات عامة متكاملة تشمل الصياغة، والتقييم، وإعادة الضبط. هذا الواقع قيّد قدرة الإدارة القائمة على الانتقال من منطق الاحتواء إلى منطق التحول، ورسّخ استقرار التصميم القائم بفعل الاعتياد المؤسسي وتراكم الممارسات. يتصل بذلك حدّ ثالث يتمثل في غياب مسارات انتقال واضحة. فالتصميم المعتمد افتقر إلى مراحل محددة تُنقل فيها الفئات من وضع الاحتجاز إلى أوضاع إدارية أو قانونية أخرى، وافتقر إلى مؤشرات أداء تقيس التقدم نحو أهداف انتقالية. هذا الغياب أسهم في تحويل الاحتجاز إلى حالة ممتدة، تُدار عبر الاستمرارية التشغيلية، مع توزيع كلفتها عبر الزمن والمؤسسات.

 

في البعد المؤسسي، أفرز هذا التصميم نمط إدارة قطاعي، تُدار فيه الجوانب الأمنية بمعزل عن الجوانب الاجتماعية والقانونية. هذا الفصل حدّ من فعالية التدخلات، وأضعف القدرة على بناء سياسة عامة متماسكة تربط بين الضبط الأمني، وإعادة التأهيل، وإعادة الدمج. كما أسهم في تقييد دور المؤسسات الوطنية، وإبقاء الملف خارج إطار التخطيط السياساتي الشامل. على المستوى الدولي، تفاعل هذا المنطق مع مقاربات خارجية ركّزت على الاحتواء المكاني وتجنّب المخاطر العابرة للحدود. هذا التفاعل عزّز الاعتماد على الاحتجاز الجماعي بوصفه أداة مقبولة دوليًا لإدارة الملف، وأسهم في تثبيت التصميم القائم، مع تقليص الحوافز لإعادة النظر فيه أو تطوير بدائل أكثر استدامة. في المرحلة السورية الراهنة، يكشف هذا التحليل حدود التصميم المعتمد بوصفه نتاج مرحلة مؤقتة ارتبطت بفراغ سيادي وتوازنات استثنائية. ويظهر أن استمرار هذا التصميم يفرض كلفًا متزايدة على الأمن والاستقرار المجتمعي وبناء مؤسسات الحكم. كما يبرز أن الانتقال إلى سياسة عامة وطنية يتطلب إعادة مواءمة الأداة مع الهدف، واستبدال منطق الاحتجاز الجماعي بمنطق تفاضلي يقوده التقييم الفردي، ومسارات المعالجة المرحلية، وتوزيع المسؤوليات المؤسسية ضمن إطار سيادي جامع. يشكّل هذا التحليل نقطة الإغلاق لمرحلة التشخيص، ويمهّد للانتقال إلى مرحلة بناء البدائل، عبر تحديد ما ينبغي تغييره في التصميم، وما يمكن الحفاظ عليه مؤقتًا، وكيفية إدارة التحول بصورة تدريجية تحافظ على الاستقرار وتفتح أفق المعالجة المستدامة.

 

خيارات السياسات:

 

تنطلق خيارات السياسات التالية من هدف مركزي يتمثل في نقل إدارة ملف مخيم الهول من نمط إدارة أمر واقع قائم على الاحتجاز الجماعي إلى سياسة عامة وطنية تفاضلية تقودها مؤسسات الدولة. وتراعي هذه الخيارات متطلبات الأمن، وكلفة التحول، وقابلية التنفيذ المرحلي، مع التعامل مع المخيم بوصفه ملفًا انتقاليًا يتطلب إدارة تدريجية منظمة.

 

الخيار الأول: الإبقاء على نمط الاحتجاز الجماعي مع نقل الإشراف الاسمي إلى الدولة

 

يقوم هذا الخيار على استمرار الاحتجاز الجماعي بوصفه الأداة الأساسية لإدارة المخيم، مع نقل الإشراف الإداري والأمني شكليًا إلى مؤسسات الدولة. ويشمل ذلك إعادة تسمية الهياكل الإدارية، وتوسيع الحضور المؤسسي الحكومي، مع الإبقاء على منطق الإدارة الجماعية دون إدخال تغييرات جوهرية على آليات التقييم أو مسارات الخروج.

 

المنطق السياساتي:

يوفّر هذا الخيار استمرارية تشغيلية سريعة، ويقلّص مخاطر الانتقال الفوري، ويتيح للدولة بسط حضورها المؤسسي الأولي.

 

الآثار المتوقعة:

يحافظ على مستوى الضبط المكاني، ويؤجّل معالجة جذور المشكلة، ويُبقي الكلفة التراكمية للاحتجاز قائمة، مع محدودية الأثر على الاستقرار المجتمعي طويل الأمد.

 

قابلية التطبيق:

مرتفعة على المدى القصير، مع محدودية الجدوى على المدى المتوسط.

 

الخيار الثاني: التفكيك السريع للاحتجاز الجماعي وإغلاق المخيم

 

يقوم هذا الخيار على إنهاء الاحتجاز الجماعي خلال فترة زمنية قصيرة، عبر تفكيك المخيم، ونقل القاطنين إلى مجتمعاتهم الأصلية أو مراكز بديلة، مع اعتماد إجراءات عامة لمعالجة الأوضاع القانونية والاجتماعية.

 

المنطق السياساتي:

يهدف إلى إنهاء أحد أبرز رموز إدارة الأمر الواقع، وتحقيق قطيعة سريعة مع المرحلة السابقة.

 

الآثار المتوقعة:

يخفّض كلفة الاحتجاز على المدى البعيد، ويولّد في المقابل مخاطر أمنية واجتماعية مرتفعة نتيجة غياب البنية المؤسسية اللازمة للتقييم الفردي وإعادة الدمج المرحلي.

قابلية التطبيق:

منخفضة في المرحلة الراهنة، نظرًا لارتفاع كلفة المخاطر، وحجم المتطلبات المؤسسية والتنفيذية.

 

الخيار الثالث: التحول التدريجي نحو سياسة تفاضلية متعددة المسارات

(الخيار الموصى به)

يقوم هذا الخيار على إعادة تصميم السياسة الحاكمة للمخيم عبر انتقال تدريجي تقوده مؤسسات الدولة، ويستند إلى التمييز بين الفئات، والتقييم الفردي، وبناء مسارات معالجة متمايزة. ويتعامل مع المخيم بوصفه فضاءً انتقاليًا يخضع لإدارة مرحلية قابلة للضبط والتقييم.

 

مكونات الخيار:

 

  1. نقل القيادة السياساتية إلى الدولة

إرساء إطار حكومي جامع يحدّد الجهة القائدة للملف، ويوزّع الأدوار بين وزارات الداخلية، والخارجية، والشؤون الاجتماعية والعمل، ضمن سياسة وطنية معلنة.

 

  1. إطلاق منظومة تقييم فردي مرحلية

تطوير آليات تقييم تعتمد معايير قانونية وأمنية واجتماعية، وتصنّف القاطنين وفق مستويات المخاطر وقابلية الاندماج.

 

  1. بناء مسارات معالجة متمايزة

 

مسار إدماج اجتماعي للمواطنين السوريين منخفضي المخاطر

 

مسار تأهيل ورعاية للأطفال

 

مسار قانوني–دبلوماسي للرعايا الأجانب

 

مسار أمني–قضائي للحالات عالية الحساسية

 

  1. إعادة تعريف وظيفة المخيم

تحويل المخيم من أداة احتجاز جماعي إلى مساحة إدارة انتقالية، تُستخدم مؤقتًا لدعم مسارات الخروج، مع تقليص تدريجي للنطاق السكاني.

 

المنطق السياساتي:

يوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار، ويعيد مواءمة الأداة مع الهدف، ويتيح للدولة تفكيك إرث المرحلة السابقة بصورة منظمة.

 

الآثار المتوقعة:

خفض الكلفة التراكمية للاحتجاز، تعزيز فرص الاندماج، استعادة الدور السيادي، وبناء ثقة مؤسسية تدريجية.

 

قابلية التطبيق:

مرتفعة على المدى المتوسط، مع إمكانية الإطلاق المرحلي دون صدمات تشغيلية.

 

مقارنة موجزة بين الخيارات

المعيار

الخيار الأول الخيار الثاني

الخيار الثالث

الضبط الأمني

مرتفع قصير الأمد متذبذب متوازن
كلفة المخاطر مؤجلة مرتفعة فورية

مُدارة

الاستقرار المجتمعي

محدود غير مضمون قابل للبناء

القابلية التنفيذية

عالية قصيرة الأمد منخفضة

مرتفعة مرحليًا

الاتساق السيادي شكلي اندفاعي

متماسك

    

 

خلاصة الخيارات

 

يُظهر التحليل أن التحول التدريجي نحو سياسة تفاضلية متعددة المسارات يقدّم أفضل توازن بين الأمن، والكلفة، وقابلية التنفيذ، واستعادة الدور السيادي للدولة. ويمهّد هذا الخيار للانتقال المنظّم من مرحلة إدارة الأمر الواقع إلى سياسة عامة وطنية قابلة للتقييم والتطوير.

 

تقييم البدائل ومزاياها وعواقبها واختيار البديل الأعلى كفاءة وفاعلية

 

التفريق بين مخرجات السياسة ونتائجها بوصفه أساسًا للتقييم

فكرة التقييم ضمن دورة السياسات والحصول على تغذية راجعة ثم تعديل السياسة

 

تقييم الخيارات

 

يعتمد تقييم الخيارات الثلاثة على مقاربة تميّز بين مخرجات السياسة بوصفها ما يُنجَز تشغيلًا وإجرائيًا، ونتائج السياسة بوصفها الأثر على المجتمع والاستقرار والسيادة. هذا التمييز يرفع دقة المقارنة، ويمنع خلط الضبط المكاني قصير الأمد بأثر الاستقرار طويل الأمد.

 

معايير التقييم المعتمدة

  1. الفاعلية الأمنية المرحلية: القدرة على إدارة المخاطر خلال الانتقال.
  2. الكفاءة التشغيلية والموارد: عبء التنفيذ على أجهزة الدولة والقدرة على الاستمرار.
  3. العدالة الإجرائية: اتساق المعالجة مع التقييم الفردي والتمييز بين الفئات.
  4. قابلية التطبيق المؤسسي: قابلية تحويل الخيار إلى إجراءات حكومية قابلة للمتابعة والتقييم.
  5. الاستدامة السيادية: قدرة الخيار على إدراج الملف ضمن سياسة وطنية تقودها مؤسسات الدولة.
  6. أثر الاستقرار المجتمعي: أثر الخيار على إعادة الدمج وتقليص المخاطر المؤجلة.

 

 

 

التقييم المقارن للخيارات

 

الخيار الأول:

الإبقاء على نمط الاحتجاز الجماعي مع نقل الإشراف الاسمي إلى الدولة

 

المخرجات المتوقعة: إعادة تسمية الهياكل، توسيع حضور مؤسسات الدولة، استمرار الضبط المكاني.

 

النتائج المتوقعة: استمرار الكلفة التراكمية للاحتجاز على المجتمع، وبقاء ملف المخيم ضمن نمط إدارة يقيّد التحول إلى سياسة تفاضلية.

 

التقدير وفق المعايير:

 

الفاعلية الأمنية المرحلية: مرتفعة

 

الكفاءة التشغيلية: متوسطة

 

العدالة الإجرائية: منخفضة

 

قابلية التطبيق المؤسسي: مرتفعة في الشق الإداري، ومتوسطة في التحول السياساتي

 

الاستدامة السيادية: متوسطة

 

أثر الاستقرار المجتمعي: منخفض

 

خلاصة الخيار الأول: يوفر استقرارًا تشغيليًا سريعًا، ويؤجل بناء المسارات التفاضلية، ويضعف جدوى الإصلاح على المدى المتوسط.

 

الخيار الثاني

 

التفكيك السريع للاحتجاز الجماعي وإغلاق المخيم

المخرجات المتوقعة: تفكيك البنية المكانية بسرعة، نقل أعداد كبيرة خلال فترة قصيرة.

النتائج المتوقعة: انتقال ضخم للمخاطر إلى المجال المجتمعي مع ضغط عالٍ على قدرة الدولة على التقييم الفردي والمتابعة، وارتفاع احتمالات الارتداد الأمني.

التقدير وفق المعايير:

الفاعلية الأمنية المرحلية: منخفضة إلى متذبذبة

الكفاءة التشغيلية: منخفضة بسبب كثافة المتطلبات الفورية

العدالة الإجرائية: متوسطة نظريًا، وضعيفة عمليًا بسبب ضغط الزمن

قابلية التطبيق المؤسسي: منخفضة

الاستدامة السيادية: مرتفعة من حيث الشكل، ومتذبذبة من حيث الأثر

أثر الاستقرار المجتمعي: متذبذب مع مخاطر عالية

خلاصة الخيار الثاني: يحقق قطيعة سريعة مع الوضع القائم، ويضع الدولة أمام عبء فوري مرتفع، ويولد مساحة مخاطر انتقالية واسعة.

 

الخيار الثالث:

 

التحول التدريجي نحو سياسة تفاضلية متعددة المسارات

 

المخرجات المتوقعة: تأسيس منظومة تقييم فردي، إنشاء مسارات خروج مرحلية، تنظيم الأدوار بين الوزارات، تقليص تدريجي للنطاق السكاني داخل المخيم.

 

النتائج المتوقعة: خفض الكلفة التراكمية للاحتجاز عبر تفكيك الإدارة الجماعية على مراحل، رفع قابلية إعادة الدمج، وتعزيز السيادة المؤسسية للدولة على الملف.

 

التقدير وفق المعايير:

الفاعلية الأمنية المرحلية: مرتفعة مع إدارة مخاطر مرحلية

الكفاءة التشغيلية: مرتفعة على المدى المتوسط بسبب توزيع العبء على مراحل

العدالة الإجرائية: مرتفعة عبر التقييم الفردي والتمييز بين الفئات

قابلية التطبيق المؤسسي: مرتفعة مع قابلية المتابعة والتقييم والتعديل

الاستدامة السيادية: مرتفعة

أثر الاستقرار المجتمعي: مرتفع مع تركيز خاص على الأطفال ومسارات الإدماج

خلاصة الخيار الثالث: يقدّم أفضل توازن بين الضبط الأمني ومتطلبات التحول، ويتيح دورة سياسات قابلة للتقييم والتعديل مع مرور الوقت.

مصفوفة مختصرة للقرار

 

المعيار

الخيار الأول الخيار الثاني الخيار الثالث

الفاعلية الأمنية المرحلية

عالية مرتفعة منخفض / متذبذب

الكفاءة التشغيلية

متوسط

منخفض

مرتفع

العدالة الإجرائية

منخفض متوسط

مرتفع

قابلية التطبيق المؤسسي

متوسط مرتفع

منخفض

الاستدامة السيادية متوسط متذبذب

مرتفع

أثر الاستقرار المجتمعي منخفض متذبذب

مرتفع

 

 

خلاصة التقييم:

 

يُظهر التقييم أن الخيار الثالث يتصدر وفق معيارَي الفاعلية والكفاءة اللذين يدعو الدليل إلى اعتمادهما عند اختيار البديل مع توضيح أسباب الترجيح.

كما يحقق هذا الخيار تفريقًا عمليًا بين المخرجات والنتائج في إدارة المخيم، ما يعزّز اتساق السياسة مع أهداف الاستقرار والسيادة.

 

 

الخاتمة السياساتية:

يبيّن تحليل ملف مخيم الهول أن الاحتجاز الجماعي طويل الأمد شكّل نتاجًا مباشرًا لمرحلة فراغ سيادي وإدارة أمر واقع، وأسّس تصميمًا سياساتيًا استقر بفعل الضرورات التشغيلية وتوازنات مؤقتة، مع كلفة تراكمية متزايدة على الأمن والاستقرار المجتمعي وبناء مؤسسات الحكم. وقد أظهر التشخيص أن استمرار هذا التصميم يقيّد قدرة الدولة على الانتقال من إدارة النتائج إلى إدارة التحول.

 

في المرحلة السورية الراهنة، يفتح استعادة الدور السيادي نافذة عملية لإعادة إدراج هذا الملف ضمن سياسة عامة وطنية تقودها مؤسسات الدولة، وتقوم على التمييز بين الفئات، والتقييم الفردي، وبناء مسارات معالجة مرحلية قابلة للضبط والتقييم. ويؤكد تقييم البدائل أن التحول التدريجي نحو سياسة تفاضلية متعددة المسارات يقدّم التوازن الأعلى بين متطلبات الأمن، وكلفة التنفيذ، وقابلية التطبيق المؤسسي، وأثر الاستقرار طويل الأمد.

 

توفّر التوصيات المقترحة خريطة طريق تنفيذية واضحة، تربط القرار بالمسؤولية، وتحوّل الهدف إلى إجراءات قابلة للقياس والمتابعة. كما تتيح هذه المقاربة تفكيك إرث المرحلة السابقة بصورة منظمة، مع الحفاظ على الاستقرار المرحلي، وتعزيز الثقة المؤسسية، وترسيخ دور الدولة بوصفها الجهة الحصرية لإدارة أحد أكثر الملفات حساسية.

 

تخلص الورقة إلى أن نجاح هذا المسار يتطلب التزامًا حكوميًا واضحًا بالقيادة السياساتية، وتنسيقًا مؤسسيًا فعّالًا، ونظام متابعة وتقييم يضمن التعلم والتعديل المستمر. ويمثّل اعتماد هذه السياسة خطوة أساسية في مسار بناء الاستقرار المجتمعي، وحماية الأمن الوطني، وإعادة الاعتبار لمنطق السياسات العامة بوصفه أداة الدولة في إدارة التحولات المعقّدة.

 

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

التعيينات الدبلوماسية ليست اختبار أسماء، بل امتحان كفاءة وقدرة على الفعل في عالم سريع التحوّل، فالخبرة الحقيقية هي ما يصنع…
لم يكن الملف الكردي في سوريا أزمة حقوق فقط، بل مشروع توظيف سياسي جرى استثماره داخليا وخارجيا حتى لحظة انكشافه،…
في لحظة تعيد فيها سورية إعادة مقاربة العلاقة بين الدين والدولة، يقف التعليم الديني الجامعي عند مفترق طرق حاسم بين…

القائمة