قراءة تحليلية سياسية وتوضيح لدور تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة في مستقبل سوريا

أولاً: تركيا – دعمٌ للشعب السوري لكن وفق حسابات مصالحها

 

على الرغم من أن تركيا قدمت دعمًا سياسيًا وإغاثيًا وإعلاميًا للشعب السوري خلال سنوات الثورة، ووقفت إلى جانب مطالبه في المحافل الدولية، إلا أن تحركاتها في الملف السوري لم تكن خالية من الحسابات الاستراتيجية الخاصة بها. فالموقف التركي، كما أراه، لم يكن موجّهًا بالدرجة الأولى لإسقاط النظام أو إعادة بناء الدولة السورية، بل ارتبط أساسًا بمصالح أنقرة وأولوياتها الأمنية.

 

فتركيا رغم دعمها المعلن للثورة السورية، حرصت على تحقيق أهداف محددة، من أبرزها:

 

تأمين حدودها والسيطرة على الشريط الحدودي؛

منع قيام أي كيان قد يهدد أمنها القومي، وخاصة الكيان الكردي؛

تعزيز نفوذها السياسي والعسكري داخل سوريا بما يخدم رؤيتها الإقليمية.

 

لذلك، ورغم اعترافنا بدورها في دعم الشعب السوري وموقفه العادل، فإن الدور الحاسم في صمود الثورة لم يكن تركيًا، بل كان نتيجة تضحيات الشعب السوري نفسه، وإرادته التي تجلّت في نضاله المستمر، إضافة إلى الجهود القيادية التي بذلها الرئيس أحمد الشرع في لحظات مفصلية.

ومن هذا المنطلق، فإن ما قامت به تركيا — رغم أهميته — يبقى ضمن إطار المساندة لا صناعة التغيير. أما التغيير الحقيقي فقد صنعه الشعب السوري بدمائه وصموده، قبل أي دعم خارجي.

 

ثانيًا: إسرائيل والمخططات المرتبطة بها

 

وفق القراءة التحليلية التي أعتمدها، تتحرك إسرائيل ضمن استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى إضعاف العالم العربي، وتُعدّ سوريا واحدة من أهم العقبات أمام هذه الاستراتيجية. ولذلك تعمل إسرائيل عبر أدوات متعددة على:

تغذية الانقسامات الداخلية وتعزيزها؛

استغلال الحساسية الطائفية والمجتمعية؛

دعم حالات عدم الاستقرار السياسي والأمني؛

وإبقاء سوريا في حالة إنهاك دائم يمنعها من النهوض.

 

فالموقع الجغرافي لسوريا وفلسطين يجعل منهما منذ عقود الدرع المتقدم في مواجهة النفوذ الإسرائيلي. وأي استعادة للقوة السورية ستخلق توازنًا إقليميًا لا يتوافق مع مصالح إسرائيل، التي تسعى إلى تفتيت القوى المحيطة بها أو إبقائها ضعيفة.

 

وبحسب هذا التصور، فإن التحركات الإسرائيلية ليست منفصلة عن منظومة دولية أوسع — يشار إليها غالبًا تحت مسمى “الماسونية العالمية” — والتي يُعتقد أنها تعمل على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الكبرى.

 

ثالثًا: الدور الأمريكي وشخصية زهران ممداني

 

في هذا السياق المعقد، تبرز شخصية زهران ممداني، عمدة نيويورك، الذي انتقل من عالم الموسيقى والراب إلى السياسة وتمكن خلال فترة قصيرة من الوصول إلى موقع مؤثر داخل النظام السياسي الأمريكي.

 

يمتلك ممداني خلفيات ثقافية متعددة، وزوجته سورية، ما يجعله قريبًا من ملف الشرق الأوسط بشكل أو بآخر. لكنه يقدم نفسه سياسيًا عبر مواقف تبدو ظاهريًا مناهضة لإسرائيل، مثل:

رفضه استقبال بنيامين نتنياهو في نيويورك،

انتقاده المعلن للسياسات الإسرائيلية،

دخوله في صدامات سياسية مع الرئيس دونالد ترامب.

وبحسب الرؤية التي أطرحها، فإن إبراز ممداني في هذا التوقيت قد لا يكون أمرًا عفويًا. إذ يُنظر إلى ترامب — وفق هذا التحليل — بوصفه شخصية كانت تسعى إلى صياغة اتفاقات جديدة وتحولات سياسية في المنطقة قد تمنح سوريا فرصة للنهوض أو إعادة التموضع، وهو ما لا يتوافق مع مصالح الجهات الماسونية التي يُقال إنها تدعم استراتيجيات إسرائيل في الشرق الأوسط.

 

ومن هنا، قد يكون الدفع بممداني جزءًا من خطة سياسية تهدف إلى إزاحة التيارات التي قد تمنح سوريا هامش استقرار أو نهوض.

إن مواقفه “العدائية” تجاه إسرائيل قد تكون — وفق هذا التصور — مجرد أداة لكسب تعاطف شرائح واسعة في الداخل الأمريكي، تمهيدًا لصعود سياسي أكبر، وربما فتح الطريق لاحقًا نحو مناصب أعلى، حتى الوصول إلى البيت الأبيض. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فقد يساهم ذلك في إعادة تشكيل السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بطريقة تخدم إسرائيل بطريقة غير مباشرة، رغم الخطاب الظاهري الذي قد يبدو مخالفًا لذلك.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

لم يتغيّر خطاب قسد نضجًا، بل انكسر تحت وقع الهزيمة، فاستبدل لغة الفرض بلغة التبرير، وحين يسقط الوهم الخارجي، لا…
سقوط قسد لم يكن مفاجئاً؛ إذ اجتمعت الضغوط السياسية والميدانية والإنسانية لتفكك مشروعها وتفضح هشاشته، نجاح الدولة السورية في حلب،…
قسد مشروع وُلد في فراغ الحرب وعاش على دعم الخارج، بلا شرعية وطنية ولا جذور شعبية، ومع تبدّل الموازين، تقترب…

القائمة