شهد الاقتصاد التركي خلال الشهرين الأولين من عام 2026 منعطفاً دقيقاً يكشف عن مفارقة جوهرية في السياسة النقدية: خفض البنك المركزي لسعر الفائدة في يناير، ثم رفعه لتوقعات التضخم في مارس، هذا التناقض بين التقرير والقرار – في فترة زمنية قصيرة – يطرح تساؤلات حول انسجام السياسة النقدية في الاقتصادات الناشئة.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل هذه المفارقة واستخلاص دروس عملية للسياسة النقدية السورية الجديدة، خاصة في ظل التحديات التأسيسية التي تواجهها.
فبينما تعتمد تركيا على أداة سعر الفائدة، (تبنت سوريا رسمياً إطاراً نقدياً يستبعد الفوائد الربوية)، مما يجعل الاستفادة من التجربة التركية أمراً حاسماً لتجنب الأخطاء وتعزيز المصداقية النقدية في مرحلة إعادة بناء النظام المصرفي.
السياسة النقدية التركية: بين التقرير والقرار في بداية 2026
تركز السردية الرسمية على إيجابيات واضحة: بداية انخفاض التضخم، تباطؤ الطلب المحلي، اتجاه فجوة الناتج نحو السلبية (أي أن الإنتاج الفعلي أقل من الطاقة القصوى)، وتحسن في الاحتياطيات.
غير أن البيانات التفصيلية تظهر واقعاً أكثر تعقيداً: استمرار عمق تضخم الخدمات – أي تضخم قطاعات مثل الصحة والتعليم والسياحة – المدفوع بضغوط الأجور والتشوهات الهيكلية، إضافة إلى قوة الواردات التي تشير إلى عدم انكماش كافٍ للطلب المحلي.
يبرز هذا التناقض أهمية إدارة التوقعات كجوهر للسياسة النقدية. أي إشارة تيسيرية (كخفض الفائدة) في مرحلة حساسة من خفض التضخم تعيد تشكيل حسابات الفاعلين الاقتصاديين كافة. ولذلك، فإن الانسجام بين الرسائل الصادرة في مارس (رفع توقعات التضخم) والقرارات السابقة (خفض الفائدة) هو العامل الحاسم لنجاح الدورة النقدية خلال عام 2026.
الدروس التاريخية من التجربة التركية:
يُقدم التحسن في الاحتياطيات التركية كدليل على تعافي الثقة، إلا أن فحص الأساسيات يكشف أن جزءاً كبيراً منه يعود إلى عوامل خارجية مؤقتة (كتحركات أسعار الذهب وتحسن شهية المخاطرة العالمية).
التجربة التركية خلال العقد الماضي تؤكد أن التعامل مع بدايات انخفاض التضخم كـ«نقطة تحول نهائية» غالباً ما يؤدي إلى انتكاسات، وعودة التضخم بوتيرة أعلى، وتشديد لاحق أكثر كلفة. لذا يظل اتساق القرارات بين يناير ومارس 2026 – وبين التقرير والقرار عموماً – هو الفاصل بين دورة مستقرة وأخرى مضطربة.
السياق السوري: تحديات تأسيسية في غياب أدوات الفائدة
يقف الاقتصاد السوري أمام لحظة تأسيسية مختلفة تماماً عن الاقتصاد التركي، ليس فقط من حيث الحجم والصدمة التاريخية، بل من حيث طبيعة الأدوات النقدية المتاحة. فبينما تعتمد السياسة النقدية التركية على تعديل أسعار الفائدة كأداة مركزية، فإن السياسة النقدية السورية – بموجب تصريح رسمي – لن تعتمد الفوائد الربوية بشكل قاطع، مما يضعها أمام تحدٍ مزدوج: إدارة التضخم والاستقرار دون الاعتماد على آلية سعر الفائدة.
يتطلب هذا الواقع صياغة إطار نقدي جديد يقوم على ثلاثة محاور أساسية:
– إعادة بناء الثقة بالعملة الوطنية من الصفر من خلال أدوات كمية وإدارية صارمة.
– ترسيخ استقلالية البنك المركزي كمؤسسة مهنية بعيدة عن التدخلات المالية والسياسية.
– تطوير أدوات نقدية بديلة (مثل التمويل الإسلامي، الرقابة الكمية على السيولة – أي التحكم المباشر في حجم المعروض النقدي دون استخدام سعر الفائدة – وضوابط الائتمان، وإدارة الاحتياطيات) تتناسب مع بيئة اقتصادية انتقالية خارجة من إرث طويل من التشوهات.
لذلك تصبح الأولوية الأولى هي استعادة المصداقية النقدية قبل أي اعتبارات نمو قصير الأجل أو إعادة إعمار، لأن غياب أداة الفائدة يجعل الثقة والشفافية هما السبيل الوحيد لضبط التوقعات وكبح الدولرة والتضخم.
الدروس المقارنة والتوصيات السياسية:
تقدم التجربة التركية في الشهرين الأولين من 2026 نموذجاً معقداً يعتمد على أسعار فائدة موجبة حقيقية وانضباط في الخطاب. أما في سوريا، فيجب أن يركز الإطار النقدي الجديد على أدوات بديلة قادرة على تحقيق الاستقرار دون الاعتماد على الفائدة.
التوصيات الرئيسية:
تبني نهج محافظ صارم يضع استقرار الأسعار والعملة في المقدمة قبل أي تيسير.
تجنب المفارقة التركية: عدم رفع تقدير المخاطر في التقارير (كما حدث في مارس 2026) مع تبني تيسير سريع في القرارات (كما حدث في يناير 2026).
تعزيز الشفافية والتواصل المنتظم لإدارة توقعات الأسواق والمواطنين.
تطوير أدوات نقدية إسلامية فعالة (مثل الصكوك، التمويل بالمشاركة، والرقابة الكمية) بدلاً من الاعتماد على تسهيل الائتمان المفرط.
الخاتمة:
تُظهر المقارنة بين أنقرة ودمشق أن السياسة النقدية ليست مجرد استجابة فنية للمؤشرات، بل إدارة شاملة لتوقعات المجتمع والأسواق. في المراحل الانتقالية الحساسة، تتضاعف كلفة الإشارات غير المتسقة.
وفي حين أن أنقرة دفعت ثمن تناقضها في بداية 2026 جزءاً من مصداقيتها، فإن دمشق – حيث أعلنت رسمياً أنها لن تستخدم الفائدة كأداة – سيكون الثمن مضاعفاً إن هي تبعتها في هذا التناقض. ففي اقتصادات الذاكرة التضخمية العميقة، يبقى الانسجام بين الخطاب والقرار هو حجر الأساس لأي مسار مستدام.