لم يكن التحول في خطاب قسد ومؤيديها مفاجئًا لمن قرأ المشهد بواقعية منذ البداية، لكنه كان كاشفًا، فاضحًا، ومليئًا بالدلالات السياسية العميقة. قبل أسابيع قليلة فقط، كان الخطاب القسدي متعاليًا، واثقًا أكثر مما ينبغي، يتحدث عن فدرالية مفروضة، بل عن كونفدرالية وانفصال كامل، ويستخف بأي حديث عن اللامركزية الإدارية، ويُشيطن أي فرح بالتحرير بوصفه «نصرًا مزيفًا» أو وهمًا إعلاميًا. اليوم، وبعد انهيار منظومة قسد عسكريًا وسياسيًا، وخسارتها الرقة ودير الزور وأجزاء واسعة من ريف حلب، تبدّل الخطاب فجأة. ما كان مرفوضًا بالأمس أصبح مقبولًا اليوم، لا بوصفه قناعة سياسية ناضجة، بل تحت لافتة براقة اسمها «حقن الدماء» و«السير نحو السلام». لكن الحقيقة أبسط من كل هذا التجميل الخطابي:
ما جرى ليس سلامًا، وما تم توقيعه ليس إنجازًا سياسيًا، بل قبول بشروط الهزيمة بعد سقوط الرهان. عندما يسقط الداعم، يتغيّر الخطاب طيلة سنوات ، كان الرهان القسدي واضحًا:
الاحتماء بالمظلّة الأمريكية، وبناء مشروع سياسي–عسكري منفصل عن محيطه الاجتماعي، وفرض وقائع بالقوة تحت وهم الدعم الدائم.
كثيرون قالوا وقلنا بوضوح:
الولايات المتحدة لا تملك أصدقاء دائمين، بل مصالح متغيّرة.
واشنطن تتعامل مع الدول لا مع التنظيمات المؤقتة.
أي مشروع لا يمتلك حاضنة شعبية حقيقية في بيئته، مصيره السقوط مهما طال الزمن. قوبلت هذه التحذيرات بالسخرية والتخوين والاستعلاء.
واليوم، الواقع أجاب بدل الجدل، وسقط الوهم كما يسقط دائمًا: فجأة وبلا مقدمات.
حالة ما بعد الصدمة: حين تُعاد صياغة الهزيمة:
يعيش كثير من مؤيدي قسد اليوم حالة ما بعد الصدمة السياسية.
الصدمة لم تكن في الخسارة العسكرية وحدها، بل في انهيار السردية كاملة: سردية القوة، والحماية الأمريكية، وفرض الوقائع بالقوة، وتحويل الأمر الواقع إلى مشروع دائم. هذه الصدمة لم تُستوعَب بعد، لذلك لم نشهد مراجعة حقيقية، بل شاهدنا محاولة نفسية وسياسية لتحويل الهزيمة إلى إنجاز. من هنا جاء الخطاب الجديد الذي يسعى لتسويق اتفاق الاستسلام على أنه «اتفاق سلام»، وكأن الانسحاب كان فعلًا أخلاقيًا اختياريًا هدفه «حقن دماء السوريين»، لا نتيجة انهيار عسكري وسقوط الرهان الخارجي. هذا النوع من الخطاب ليس تعبيرًا عن نضج سياسي، بل عن عجز عن الاعتراف بالواقع، ومحاولة للهروب من مواجهة الحقيقة والمسؤولية. الأخطر في هذا التحايل الخطابي أنه يتجاهل عمدًا سجلًا طويلًا من الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين على مدى أكثر من عشر سنوات:
من القمع، والاعتقال، والتجنيد القسري، والتغيير الديمغرافي، وملاحقة المعارضين، إلى حماية مجرمي النظام وإعادة تدويرهم تحت مسميات جديدة. وكأن الزمن يمكن شطبه باتفاق، وكأن الدم يمكن محوه بتغيير المصطلحات. الهزيمة ليست عيبًا إن أُتبعت بالمراجعة، لكن تحويل الهزيمة إلى بطولة، وتحويل الاستسلام إلى سلام، وتحويل الجريمة إلى «سوء تقدير سياسي»… هو سقوط أخلاقي قبل أن يكون سقوطًا سياسيًا.
المشكلة لم تكن بالكرد… بل بالمشروع:
من الضروري هنا التفريق بوضوح بين الكرد كمكوّن وطني سوري أصيل، وبين مشروع قسدي مسلح صادر القرار، واحتكر التمثيل، وقمع المخالفين له من الكرد قبل غيرهم، وبنى شرعيته على السلاح والدعم الخارجي لا على الإرادة الشعبية.
الصراع لم يكن يومًا صراعًا قوميًّا، بل صراع مع مشروع:
منفصل عن محيطه الاجتماعي، معتمد على الخارج، ومبني على فرض الأمر الواقع لا على التوافق الوطني. ولهذا سقط، لأن المشاريع التي تُبنى ضد الجغرافيا والتاريخ والمجتمع لا تعيش.
قسد وادعاء الثورة: تزوير الذاكرة لا يصنع شرعية:
ومن أكثر الادعاءات تضليلًا في الخطاب القسدي اليوم، محاولة بعض مؤيديه تصوير قسد على أنها كانت يومًا في صف ثورة الشعب السوري.
هذا الادعاء لا يصمد أمام أي فحص تاريخي أو واقعي. نعم، لا أحد ينكر الحضور الكردي المشرف في بدايات الثورة السورية، ولا مشاركة آلاف الكرد في الحراك الشعبي ضد بشار الأسد وعصابته الحاكمة، شأنهم شأن بقية السوريين. لكن الخلط المتعمّد بين الكرد كجزء من الثورة، وبين قسد كمشروع مضاد لها، هو تزوير فاضح للتاريخ. فقسد، منذ لحظة دخولها المشهد، لم تكن امتدادًا للثورة، بل كانت خنجرًا في خاصرتها.
اعتقلت وقتلت كل من وقف ضد نظام الأسد وكان مؤمنًا بالثورة السورية، وفتحت السجون للثوار، ونسّقت أمنيًا مع النظام، وحمت فلوله، ووفّرت لهم الغطاء في مناطق سيطرتها.
ثم يخرج علينا اليوم بعض مؤيديها ليقولوا: «نحن كنا مع الثورة».
لا، لا تحملوا السوريين جميلة لم تكن لكم.
ليس لقسد في الثورة شرف، ولا لها فيها نصيب.
قسد لم تكن يومًا في مواجهة نظام الأسد، بل كانت وجهه الآخر بوظيفة مختلفة. والدليل الأوضح على ذلك وجود عناصر من فلول عصابة الأسد الساقطة ضمن صفوفها، والذين أصبحوا اليوم أسرى لدى الحكومة السورية.
فأي ثورة هذه التي تحتضن قتلتها؟
وأي خطاب ثوري هذا الذي يُبنى على حماية أعداء الثورة؟
الثورة ليست شعارًا يُرفع بعد الهزيمة،
ولا بطاقة تُستخرج بأثر رجعي،
ولا سردية تُزوَّر لتخفيف وقع السقوط.
العدالة ليست خيارًا سياسيًا… بل شرط الدولة:
وفي ختام هذا النقاش، لا بد من قول الحقيقة دون مواربة:
أي حديث عن الدمج، أو التسويات، أو إعادة التموضع داخل الدولة، لا يلغي مبدأ المحاسبة. من لوّثت يداه بالدم السوري سيُحاسَب، سواء كان من قسد أو من فلول النظام. ومن ارتكب الجرائم أو شارك فيها أو وفّر الغطاء لها لن يحميه تغيير الراية ولا تبديل الخطاب. ومن حمى فلول نظام الأسد بعد سقوطه، أو ساهم في إعادة تدويرهم، فهو شريك في الجريمة ومسؤول عنها. قد تسامح الدول تحت ضغط السياسة أو موازين القوى،
لكن التاريخ لا يسامح. التاريخ لا يُكتب بالبيانات. التاريخ لا يُكتب بالاتفاقات الدولية، ولا بالبيانات المنمّقة، ولا بسرديات المنتصر المؤقت.
التاريخ يكتبه الناس، وتكتبه الذاكرة الجمعية، وتكتبه الوقائع كما حدثت لا كما أُريد لها أن تُروى. ونحن كسوريين نعرف ما رأينا، ونعرف من أجرم، ومن راهن على الخارج، ومن حذّر مبكرًا وقال: ما لنا غير بعض.
الحقيقة واضحة وضوح الشمس وسوريا القادمة، إن كُتب لها أن تُبنى، فلن تُبنى بالإنكار ولا بتبييض الصفحات السوداء، بل بدولة العدالة، وذاكرة لا تُمحى.