ما بين الحفاظ على الدولة وتمكين الثورة… تحديات وأولويات في بداية عام جديد

​مع هروب رأس النظام السوري صباح الثامن من ديسمبر ٢٠٢٤، دخلت سوريا منعطفاً جديداً بدأ فيه مسار تشكيل النظام السياسي الجديد، وترميم علاقة الدولة بالمجتمع؛ من خلال السعي نحو بناء عقد اجتماعي يحافظ على الدولة من الانهيار، ويُمَكِّنُ الثورة من الحفاظ على مكتسباتها وتحقيق أهدافها التي تتجاوز مجرد إسقاط النظام، إلى تحقيق العدالة، وحفظ الكرامة، وصون الحريات.

​في هذا المسار، واجهت الإدارة الجديدة ثلاثة تحديات —تمت استعارتها من الأكاديمي والكاتب المصري الدكتور سيف عبد الفتاح لإسقاطها على الواقع السوري— تجلَّت في: الشرعية والمرجعية التي تستند إليهما في حكمها، بالإضافة إلى تحدي الهوية الوطنية والمواطنة، وإدارة التعدد والتنوع، والحد من الاستقطابات الفرعية (عبد الفتاح، ٢٠١٤: ٢٧-٣٨).

​وفي سبيل تجاوز هذه التحديات خلال العام الأول من المرحلة الانتقالية، تم اتخاذ عدة خطوات وإجراءات كان أولها على مستوى تحدي الشرعية حيث عقدت الفصائل العسكرية المسلحة “مؤتمر النصر” في كانون الثاني ٢٠٢٥، وأعلنت فيه حلَّ نفسها واندماجها ضمن وزارة الدفاع، واتخذت عدة قرارات عطَّلت بموجبها العمل بالدستور، وحلَّت مجلس الشعب والأحزاب السياسية، وعيَّنت قائد العمليات العسكرية “أحمد الشرع” رئيساً مؤقتاً للبلاد لسد الفراغ الرئاسي مستندةً إلى الشرعية الثورية.

​وبغية تثبيت المرجعية بقيم وأهداف وأطر مشتركة ومتوافق عليها، تمت الدعوة لعقد مؤتمر حوار وطني بهدف جمع كل الأطياف السياسية والمجتمعية، تم تنظيمه في شباط ٢٠٢٥، واختتم بميثاق حدد معالم التوافق الوطني، تمَّ بعده تشكيل لجنة وطنية قامت بصياغة إعلان دستوري جديد يكون مرجعاً خلال المرحلة الانتقالية إلى حين وضع دستور دائم للبلاد. وقد لاقت هذه الخطوات استحساناً من أطراف وانتقادات من أطراف أخرى على اعتبار أنَّ الحوار الوطني تم تنظيمه بشكل سريع وحُصرت المشاركة على مستوى الأفراد فقط، ولم يرقَ لمستوى طموحات وآمال بعض الأطراف، كما تم انتقاد الإعلان الدستوري من قبل البعض ممن وجدوا أنه تجاهل حقوقهم  ومطالبهم.

​أما تحدي الهوية، فقد تبنَّت السلطة الجديدة خطاباً وطنياً منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام، لكن من الملاحظ أنَّ حدَّة الاستقطاب لا تزال مرتفعة داخل المجتمع بشكل عام؛ خصوصاً بعد أحداث الساحل والسويداء، وفي ظل استمرار وجود فواعل عسكرية تسيطر على بعض المناطق وتغذيها أيادٍ إسرائيلية، مما يفاقم مشكلة بناء الهوية الوطنية ويهدد تماسكها.

​وبرز تحدٍ آخر من تفاعل تلك التحديات مع بعضها، هو تحدي “الفاعلية في الأداء” وتحقيق التغيير الملموس في حياة المواطن. فمع تحسن الأداء الحكومي في بعض القطاعات، إلا أنَّه لا زال يشكو من ضعف في التقدم فيما يخص تحسين الواقع المعيشي والخدمي على مستويات اخرى، يراه البعض مبرراً نظراً لترهل المؤسسات والفساد الكبير الذي كان مستشرياً إبَّان النظام السابق، بينما يحيل آخرون الأسباب لضعف الخبرات وتفضيل السلطة لمنطق الولاء على حساب الكفاءة. وفي الوقت الذي تحسّٕن فيه الوضع الراهن أمنياً -مقارنةً بما كان عليه في السابق- إلا أنَّ استمرار حدوث بعض الحالات السلبية الناجمة عن السلاح المنفلت وتهريب المخدرات تستمر في تشكيل تحدٍ ليس بالسهل إلى حد اللحظة.

​وقد سجَّلت وزارة الخارجية أداءً لافتاً أدى لكسب الإدارة الجديدة للشرعية الدولية إذ نجحت الدبلوماسية السورية عبر نشاطها المكثف في إعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي عبر مسارعتها بإرسال رسائل تطمين لدول الإقليم والعالم، واتباع سياسة التوازن وتصفير المشاكل، وتقديم حسن النوايا، وعدم استعداء الدول، والانفتاح الاقتصادي؛ مما أدى لكسبها ثقة ودعم المجتمع الدولي. وتُوِّجَت جهودها بخطاب الرئيس الشرع في نيويورك باجتماع الأمم المتحدة، ورفع تصنيفات الإرهاب بحقه وحق وزير الداخلية بالإضافة إلى دخول سوريا كحليف للولايات المتحدة في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وآخرها رفع “عقوبات قيصر” التي كانت مفروضة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام ٢٠١٩.

 

أولويات العام الجديد

 

​وفي ظل تداخل التحديات وتأثرها ببعضها، تتحرك المرحلة الانتقالية ضمن سياق تؤثر فيه عوامل بنيوية تتعلق بضعف الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتتشابك فيه مع تشكل ثقافة سياسية تتجلى في انخراط المجتمع بقضايا الشأن العام والسياسة. برز هذا الانخراط على ارض الواقع  وبصورة أوضح من خلال مشاركة رقمية غزيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى حدٍ يمكننا من استعارة التعبير الذي استعمله الدكتور أحمد تهامى عبد الحي في توصيفه للحالة المصرية وهو “الإنترنت السياسي” (عبد الحي، ٢٠١٧: ٢٣) في توصيف الحالة السورية على منصات التواصل الاجتماعي حيث كان لما يسمى “التريند” دور كبير في توجيه الأداء الحكومي نحو بعض القضايا التي ألهبت الرأي العام وأشعلت تفاعلاً كبيراً أدَّت لاستجابات سريعة في التعامل مع هذه القضايا وحلها او تقديم توضيحات بشأنها. لكن رغم ذلك، تقترب سوريا من دخول عام ٢٠٢٦ ولا تزال بعض الملفات تستدعي صيغ تعامل أكثر استجابة وجدية في إعطائها الأولوية، وهذه الملفات هي:

 

​١. العدالة الانتقالية والتأخر في تفعيل مسار محاكمات المجرمين والمسؤولين عن الانتهاكات السابقة في عهد النظام البائد؛ فاستمرار التباطؤ في التعامل مع هذا الملف الحساس سيزيد من حالات الاحتقان لدى أهالي الضحايا والمفقودين، ويؤدي إلى تآكل شرعية السلطة، ويعيق تحقيق أهداف الثورة المرتبطة بتحقيق العدالة وإنصاف المظالم.

 

٢. تأخر إنهاء ملف المجلس التشريعي مما يعطل سن وتشريع القوانين كقانون الأحزاب السياسية والاستثمار، ما يعني تأخر أو توقف الكثير من المعاملات واستمرار الاحتكام إلى القوانين القديمة  وضبابية البيئة القانونية الحاضنة للاستثمار.

 

٣. الاعتباطية وفوضى التعيينات  والتي أظهرت  عدم الكفاءة التي تحتاجها المرحلة الانتقالية في بعض المناصب، بالإضافة إلى إعادة تدوير وتعويم بعض ممن كان محسوباً على النظام السابق وتعيينهم في بعض المناصب؛ مما يتيح المجال أمام مقتنصي الفرص للتصيد والانقضاض على مكتسبات الثورة وتخريب المرحلة الانتقالية، وزيادة عبء التخلص من إرث النظام وفساده الذي كان مستفحلاً بالأصل ضمن مؤسسات الدولة.

 

٤. غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة: والتي تؤثر بشكل مباشر على حياة الناس وتمس معيشة المواطن.

 

٥. عدم تحقيق تقدم إيجابي بخصوص الفواعل العسكرية فمع بداية ٢٠٢٦ تنتهي مدة “اتفاق ١٠ آذار” الذي بقي حبراً على ورق، وفي حال لم تتخذ خطوات جادة لإيجاد صيغة تفاهم، ترتفع احتمالية حدوث صدام عسكري مرتقب ستنعكس نتائجه على المرحلة الانتقالية؛ خصوصاً في ظل وجود فاعلين آخرين كقوات الحرس الوطني في السويداء وفلول النظام السابق.

 

٦. المفاوضات مع إسرائيل وعدم الوصول إلى صيغة نهائية ملموسة فرغم النجاح الكبير للدبلوماسية السورية على الصعيد الخارجي، لا تزال إسرائيل تشكل خطراً كبيراً على مسار العملية الانتقالية ووحدة الأراضي السورية حيث برزت أطماعها من خلال تدميرها لسلاح وثكنات الجيش السوري، واقتطاع أجزاء من الأراضي السورية، واستمرارها في التوغلات في الجنوب السوري، واعلانها عن رغباتها في تفريغ الجنوب السوري من السلاح الثقيل، ودعمها لبعض الأصوات والأطراف الانفصالية التي تلجأ بين الحين والآخر لاستخدام العنف كأداة سياسية، في سبيل سعيها لفرض شروطها على الحكومة.

 

​مع أخذ إرث النظام القديم، والحالة المزرية قبيل السقوط في كل القطاعات، ووجود العديد من الفواعل العسكرية بعين الاعتبار، بالإضافة إلى عنصر المفاجأة في سرعة سقوط النظام يمكن تفهم الكثير من سياسات الإدارة الجديدة تحت مسمى “قواعد الضرورة” خلال السنة الأولى من المرحلة الانتقالية، والتي حققت فيها إنجازات على المستوى الخارجي وتحسناً في بعض القطاعات الداخلية. لكن في الوقت ذاته، لا تزال الدولة تحتاج إلى مزيد من العمل والجهد لترسيخ مؤسساتها وبناء الثقة بين مكونات الشعب السوري، والحفاظ على الهوية الجامعة أهمها: الإسراع في السنة الثانية بتفعيل ملف العدالة الانتقالية، تعزيز الخطاب الوطني وتكريسه من خلال الممارسات والحوارات وتفعيل المشاركة السياسية وتوسيعها، تحسين مستوى الشفافية في جميع الوزارات والهيئات المرتبطة برئاسة الجمهورية، إحراز تقدم في ملف المفاوضات مع إسرائيل، الإسراع بإنهاء ملف تشكيل السلطة التشريعية وفتح الباب أمام العمل السياسي، تبني رؤية اقتصادية واضحة، العمل على تحسين الواقع المعيشي للمواطن من خلال تحسين الخدمات العامة ورفع الأجور، الاستمرار في إعادة هيكلة المؤسسات وحوكمتها واستقطاب الكفاءات، تفعيل الدور الرقابي ومنظمات المجتمع المدني، واستنفاذ كل الطرق السلمية والدبلوماسية في ردع الكيان الإسرائيلي.

 

​وبالتالي، ما بين التفاؤل المحاط بالحماس، والحذر والتشاؤم الذي ترافقه الشكوى، يراقب السوريون الأداء الحكومي منتظرين ما سيسفر عنه انتهاء “اتفاق ١٠ آذار” مع قوات سوريا الديمقراطية في بداية العام، وما سيفرزه من مألات قد  ترسم خطاً مختلفاً للمرحلة الانتقالية وتؤثر على الأداء الحكومي إيجاباً أو سلباً خلال عام ٢٠٢٦.

 

المراجع:

 

عبد الفتاح، سيف الدين. (٢٠١٧). المرحلة الانتقالية؛ قراءة في المشهد المصري. ط١، القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم، ومركز الحضارة للدراسات السياسية.

 

​عبد الحي، أحمد تهامي. (٢٠١٧). إدارة المرحلة الانتقالية بين استراتيجيات الفاعلين وتحديات الواقع: دراسة تقويمية لتجربة دول الربيع العربي. المجلة العلمية لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية، مج ٢، ع ٤، ٧-٣٢.

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

في شرق الفرات، يواجه أحمد الشرع معركة بلا مدافع، حيث تُدار السيادة بالحساب لا بالنار، رهانه واضح: ما يُستعاد بالعقل…
الجيش السوري الجديد يُولد في حقل ألغام سياسي وعقائدي، بين ذاكرة الفصائل وضغوط العواصم، فإما أن يصبح مظلة سيادة وطنية…
سوريا اليوم ليست على حافة التقسيم بقدر ما تقف أمام اختبار تاريخي لقراءة التحول الدولي واستثماره، فالوحدة باتت خياراً وظيفياً…

القائمة