لا يشكّل إلغاء بنود قانون قيصر قطيعة مع سياسة العقوبات الأميركية بقدر ما يمثّل تحوّلًا في أدواتها فبدل العزل الشامل تنتقل واشنطن إلى نمط أكثر انتقائية يقوم على المشروطية والرقابة، واختبار السلوك ومن هذا المنظور لا ينبغي فهم مرحلة ما بعد قيصر كمسار انفراج اقتصادي فقط بقدر ما هي مرحلة إعادة تموضع للدولة السورية داخل نظام دولي مشروط، تُقاس فيه الاستجابة لا بحجم التنازلات السياسية الكبرى، بل بقدرة السلطة الحالية على تعديل أنماط الحكم الاقتصادي والأمني المتروك من حقبة الديكتاتورية السابقة، السؤال الأساسي كيف ستعيد الدولة السورية تنظيم علاقتها بالاقتصاد والأمن والمجتمع في ظل انفراج محدود ومحكوم بسقوف خارجية صارمة؟
اقتصاد الصمود القسري:
على امتداد أكثر من عقد لم تُفضِ العقوبات المفروضة على نظام الأسد إلى انهيار النظام الاقتصادي فقط بل و دفعته إلى إعادة التشكل حول نمط حكم اقتصادي أمني مغلق أدى الى سياسة خنق مالي وتجاري وتفكيك لبنية السلطة وأعادت إنتاج الاقتصاد عبر دمجٍ عضوي بين الأمن والاقتصاد تحوّل فيه السوق من فضاء تنافسي إلى شبكة امتيازات محمية سياسيًا، وتحولت الدولة من فاعل تنموي ولو شكلي إلى مدير غير مباشر للاقتصاد الاسود والتهريب والريع القسري وتجارة الكابتكون و هذا يمكن توصيفه في اقتصاد الصمود القسري لم يكن اقتصاد مقاومة بالمعنى التنموي، بل اقتصاد تكيّف سلطوي مع العزلة.
صمدت الدولة وظيفيًا لا لأنها أصبحت أكثر إنتاجية أو كفاءة، بل لأنها أعادت توزيع الخسائر اجتماعيًا، ونقلت عبء العقوبات إلى المجتمع وحافظت النواة الصلبة للسلطة على مواردها عبر السيطرة الأمنية وعلى ما تبقى من مفاصل الاقتصاد ومع الوقت تآكلت القاعدة الإنتاجية والصناعية وتفككت منظومات العدالة الاقتصادية فيما فقدت الأدوات التخطيطية والمؤسسية للدولة ، وولدت مصالح وشبكات نفوذ باتت ترى في استمرار التشوه الاقتصادي شرطًا لبقائها.
وبعد التحول السياسي الكبير وسقوط الإطار الذي فُرضت في ظله عقوبات قيصر، تواجه الدولة السورية اليوم تحديًا بنيويًا يتعلق بطبيعة الاقتصاد الذي تريد بناءه فالنظام الجديد لم يرث فقط اقتصادًا منهكًا، بل ورث أيضًا منطق إدارة قائم على الصمود عبر التحكم لا عبر الإنتاج و رفع العقوبات عن سورية لا يعني تلقائيًا الخروج من منطق العقوبات، ما لم يُكسر الاقتصاد الذي وُلد تحتها ومن دون هذا الكسر البنيوي، قد تجد سوريا نفسها انها خرجت رسميًا من قيصر، لكنها لا تزال تعيش داخله اقتصاديًا بأدوات أكثر نعومة وأقل صخبًا
واشنطن كفاعل مُنظِّم لا كشريك:
في مقاربتها الجديدة تجاه سوريا، لا تتحرك الولايات المتحدة بوصفها شريكًا يسعى إلى إعادة الدمج السياسي أو الاقتصادي الكامل، بل كفاعل مُنظِّم يهدف إلى ضبط السلوك العام للدولة السورية ضمن هوامش محددة فواشنطن بعد تجربة طويلة مع أدوات العزل الشامل باتت أقل اهتمامًا بتغيير الأنظمة وأكثر تركيزًا على إدارة المخاطر، ومنع إعادة إنتاج التهديدات الأمنية والإقليمية وضمان حدٍّ أدنى من الانضباط في سلوك الدول الخارجة من العزلة بالإضافة العلاقة مع سوريا لا تُطرح بوصفها مسار تطبيع أو تحالف، بل كصيغة إدارة مشروطة، تستخدم فيها الأدوات الاقتصادية والأمنية كآليات توجيه وضبط الانفتاح الأميركي بطريقة انتقائية تدريجية وقابلة للارتداد في أي لحظة، وهو مرتبط بمدى التزام الدولة السورية الجديدة بقواعد سلوك تُعرّفها واشنطن لا باعتبارها جزءًا من النظام الدولي، بل باعتبارها حالة تحتاج إلى مراقبة وتنظيم.
وبذلك يصبح تعميق العلاقة مع الولايات المتحدة ممكنًا فقط عبر مسارات ضيقة، تبدأ بتفاهمات أمنية تقنية محدودة، تتعلق بضبط الحدود ومكافحة شبكات العنف العابر، ومنع عودة الفاعلين غير الدوليين إلى ملء الفراغ غير أن هذه التفاهمات لا تقف عند بعدها الأمني الظاهر، بل تمتد عمليًا إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة وأجهزتها العسكرية وإلى إعادة تعريف دور الجيش والأمن داخل البنية السياسية والاقتصادية لسورية وهنا تكمن العقدة الأساسية إعادة تنظيم قطاعي الجيش والأمن، كما تُلمّح إليه المقاربة الأميركية، تعني عمليًا تفكيك أحد الأعمدة التي قام عليها اقتصاد الصمود القسري و هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف تتقارب سوريا مع الولايات المتحدة بل إلى أي مدى تستطيع الدولة السورية الجديدة إعادة تعريف علاقتها بذاتها: هل هي دولة أمنية ستدير الاقتصاد أم دولة تحاول إخضاع الأمن لمنطق الدولة والمؤسسات؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد طبيعة العلاقة مع واشنطن، وحدودها، وسقفها، أكثر بكثير من أي تفاهمات تقنية أو قنوات دبلوماسية معلنة.
هل يمكن ان يكون الاقتصاد كعقد اجتماعي مؤجل:
لا يمكن النظر إلى الاقتصاد في الحالة السورية بوصفه مجموعة سياسات مالية أو إجراءات تقنية منفصلة عن المجتمع بل بوصفه التعبير العملي عن العقد الاجتماعي نفسه فسنوات الحرب والعقوبات لم تُنهك الموارد فحسب بل أدّت إلى تآكل عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تراجع مفهوم الدولة بسورية نتيجة ما فعله الأسد من موقع الاستبداد الاقتصادي واصبح المجتمع يرى الدولة بموقع صانع دائم لانهيارات وبالتالي لم يعد المجتمع يتعامل مع الدولة كإطار حماية أو أفق تحسين، بل كجهاز توزيع انتقائي لمحسوبيات والفساد وانتقائي للخدمات الأساسية و فرص العمل، الوصول إلى الدعم، وحتى الحق في الاستقرار، باتت مرتبطة بقرب الفرد أو الجماعة من شبكات النفوذ، لا بكونهم مواطنين متساوين و تآكل الإحساس بالمواطنة الاقتصادية وحلّ محله منطق التكيّف الفردي والهجرة والاقتصاد غير الرسمي ما عمّق الفجوة النفسية والسياسية بين الدولة ومجتمعها وبالتالي أي انفراج اقتصادي محدود في مرحلة ما بعد قيصر، إذا لم يُترجم إلى تحسّن ملموس في حياة الناس اليومية، سيبقى بلا أثر اجتماعي إيجابي، بل قد يتحول إلى عامل إحباط إضافي فالانفتاح الذي يقتصر على بعض القطاعات، أو يُترجم إلى فرص استثمار ، أو ينعكس على مؤشرات كلية دون أن يصل إلى الخدمات الأساسية، سيُقرأ اجتماعيًا بوصفه إعادة توزيع للفرص داخل النخبة، لا إعادة بناء للعقد الاجتماعي.
من دولة أمنية مُعسكرة اقتصاديًا إلى دولة تنظيمية:
لا يُقاس نجاح مرحلة ما بعد الإزالة الكاملة لقانون قيصر بعودة التدفقات المالية وحدها، بل بقدرة الدولة السورية الجديدة على تفكيك الاقتصاد السياسي الذي تشكّل تحت العقوبات التحدي اليوم سياسي اقتصادي بامتياز: الانتقال من دولة مسيطرة إلى دولة منظِّمة، ومن شرعية الصمود إلى شرعية الأداء.
فتح السوق دون كسر بنية الريع يعيد إنتاج الاختلالات، وكسرها دون مؤسسات يخلق فراغًا لذلك فإن ما بعد قيصر ليس لحظة تقنية، بل اختبار لإعادة توزيع السلطة الاقتصادية، وبناء عقد اجتماعي جديد، أو إعادة إنتاج القديم بصيغة أقل صخبًا..