لن تقسم سوريا: سوريا في قلب إعادة تشكيل التوازن الدولي والإقليمي

تعيش سوريا بعد التحول السياسي الجذري الذي شهدته حالة قلق عميق بشأن مستقبل وحدتها وسيادتها. هذا القلق لا ينبع فقط من آثار الحرب الطويلة والدمار الواسع، بل يتغذى من غموض المواقف الدولية. ولا سيما الموقف الأمريكي الذي يُفسر لدى كثير من السوريين بوصفه مؤشراً على نيات محتملة لإبقاء البلاد ضعيفة أو دفعها نحو مسارات تقسيم غير معلنة. وفي منطقة شهدت خلال العقود الماضية نماذج متعددة لتفكيك الدول وإنتاج كيانات هشة، يصبح السؤال مشروعا: هل تسير سوريا في الاتجاه ذاته أم أن حسابات القوى الكبرى قد تغيرت؟

ننطلق في هذا الحديث من فرضية مغايرة للتصور السائد، مفادها أن الدولة السورية الموحدة باتت تخدم المصالح الأمريكية أكثر من دولة ضعيفة أو مقسمة. فالعالم يشهد تحولاً عميقا في بنية النظام الدولي وتراجعاً تدريجيًا للقطبية الواحدة ما يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة أدوات نفوذها. وفي هذا السياق لا تُفهم الحالة السورية بوصفها ملفاً محليا معزولاً، بل كجزء من مسعى أوسع لإعادة بناء توازن قوى إقليمي ودولي أكثر استقراراً.

 

تغيّر منطق القوة من التفكيك إلى إعادة الدمج:

 

خلال مرحلة الهيمنة الأمريكية شبه المطلقة شكل إضعاف الدول وتفكيكها أداة فعالة لإدارة الخصوم والبيئات الإقليمية الغير مستقرة . بل ان الاقتصاد الأمريكي كان يقوم على الحروب في بعض اجزاءه . غير أن هذا المنطق بات أقل جدوى في ظل صعود قوى دولية منافسة. وتحول مناطق التفكك إلى ساحات فوضى مزمنة تستنزف الجميع، بما في ذلك القوة التي ساهمت في إضعافها. اليوم تميل الولايات المتحدة إلى مقاربة مختلفة تقوم على إعادة دمج دول منهكة ضمن توازنات إقليمية مستقرة بدل تحويلها إلى فراغات مفتوحة يصعب التحكم بمآلاتها.

 

محور إقليمي جديد وتكامل مع أوروبا:

 

ولا يمكن فهم هذا التحول دون ربطه بالصراع البنيوي الأوسع بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين. فأوروبا رغم قوتها الاقتصادية والتكنولوجية تعاني ضعفاً ديموغرافياً ونفسياً يجعلها غير قادرة على تحمل صراعات طويلة الأمد بمفردها. في المقابل تمتلك دول الشرق الأوسط ذات الغالبية السنية عمقاً بشرياً وموقعاً جيوسياسياً حاسما وقدرة أعلى على تحمل كلفة الاستقرار والصراع. وفي هذا السياق تسعى الولايات المتحدة إلى تمكين محور إقليمي تقوده دول ذات غالبية سنية وفي مقدمتها تركيا والسعودية، يتمتع بقدرات بشرية وجيوسياسية واقتصادية متكاملة وقابل للتحالف الوظيفي مع أوروبا بما يحقق توازن قوى طويل الأمد دون انخراط أمريكي مباشر.

 

سوريا…. الموقع والتحول والفرصة النادرة:

 

تندرج سوريا ضمن هذا التصور بوصفها حلقة مركزية لا يمكن تجاوزها. فهي تتمتع بموقع جيوسياسي يجعل أي استقرار أو فوضى فيها ذا أثر إقليمي مباشر. كما أنها تشكل نقطة وصل بين تركيا والعالم العربي وتؤثر في شرق المتوسط وأمن أوروبا غير المباشر عبر ملفات الهجرة والطاقة.
إضافة إلى ذلك شهدت سوريا تحولاً كاملاً في بنية السلطة ما جعلها أقرب إلى “ورقة بيضاء” مقارنة بدول أخرى ما زالت تعاني من استمرارية نخب قديمة أو شبكات نفوذ متجذرة.

أما الدمار الشامل الذي طال مختلف القطاعات وعلى امتداد الجغرافيا السورية، فرغم كلفته الإنسانية الهائلة فقد خلق واقعاً لا يملك فيه أي طرف مصلحة حقيقية في استمرار الفوضى. الجميع دولةً ومجتمعاً بحاجة إلى إعادة بناء شاملة. ما يعزّز الطلب على الاستقرار السياسي والاقتصادي بوصفه شرطاً أساسياً للبقاء وإعادة النهوض.

 

فرض العكس…. لماذا لا يخدم التقسيم المصالح الأمريكية؟

 

ولتدعيم هذه الفرضية يمكن اعتماد منهج فرض العكس فلو كانت الولايات المتحدة تسعى إلى إضعاف سوريا أو تقسيمها لكان من المنطقي أن تكرس كيانات موازية دائمة أو تفرض تجميداً طويل الأمد للملفات السيادية أو تبقي منظومة عقوبات خانقة تمنع أي تعاف اقتصادي. غير أن غياب هذه السياسات بصيغتها القصوى وعدم تحويلها إلى شروط نهائية قبل رفقع العقوبات، يشير إلى أن التقسيم لم يعد خياراً وظيفياً يخدم المصالح الأمريكية بل عبئاً استراتيجياً في بيئة دولية شديدة التنافس.

 

سياسة الضغط ثم فتح المخارج:

 

تعتمد الولايات المتحدة في تعاملها مع سوريا على إدارة مرحلة انتقالية تقوم على الغموض والضغط المتدرج. فهي لا تقدم حلولاً شاملة فوراً بل تترك الحكومة السورية الجديدة والشعب السوري ايضاً يواجهون تحديات مركبة ما يبرز حجم العوائق الداخلية والخارجية. وفي مرحلة لاحقة تتدخل الولايات المتحدة بوصفها فاعلاً قادراً على فتح المخارج عبر الاعتراف السياسي ورفع العقوبات وإعادة الدمج الدولي. هذه المقاربة لا تقوم على الوصاية المباشرة بل على صناعة اعتماد عقلاني يترجم إلى نفوذ طويل الأمد أقل كلفة من الإكراه وأكثر استقرارًا حيث انه يكون طوعاً فالشعوب والحكومات لاتعادي الدول التي ساعدتها في أوج محنتها.

 

الاستقرار الممكن: سياسي واقتصادي قبل أي شيء آخر:

 

الاستقرار الممكن في هذا المسار هو استقرار سياسي واقتصادي بالدرجة الأولى لا استقراراً أمنياً كاملاً. فالعوامل الأمنية ستبقى هشة بفعل وجود فواعل غير دولية وامتدادات إقليمية معقدة. إلا أن هذا لا يمنع ترسيخ شرعية سياسية. وإطلاق مسار تعافي اقتصادي تدريجي.
في هذا النموذج يدار العنف بدل القضاء عليه ويحتوى بدل أن يترك ليقوض الدولة. ويصبح الاقتصاد الأداة الأساسية للضبط عبر إعادة الإعمار وربط مختلف الأطراف بشبكة مصالح تجعل العودة إلى الفوضى خياراً مكلفاً.

 

حدود النظام ونقطة ضعفه (إيران – إسرائيل):

 

ولا يفترض هذا المسار تحولاً جذريا في تموضع إيران إذ أنها تشكل حدود هذا النظام ونقطة توقفه البنيوية. غير أنه قد يؤدي إلى تعديل سلوكي محدود يتمثل في انكفاء نسبي وتركيز أكبر على الداخل والاقتصاد الإيراني. دون انتقال كامل إلى محور هذا النموذج. ويعد هذا المستوى من التغيير كافيا لخفض التوتر ومنع التخريب الواسع الذي قد تلجأ إليه إيران وخاصة عند تعميم هذا النموذج في العراق ولبنان.

في المقابل تمثل إسرائيل نقطة الضعف الأكثر حساسية في هذا المسار. فالسلوك الإسرائيلي العدواني أو الاستفزازي قادر على تقويض الشرعية الشعبية لأي ترتيب استقرار. خصوصاً في ظل الوعي السوري المتأثر بما جرى في غزة. لذلك لا يقوم الحل الواقعي على تطبيع أو اندماج اقتصادي بل على ترتيبات أمنية ملزمة تُفرض بضغط أمريكي مباشر حيث تقيد الخروقات وتمنع التصعيد دون فرض سلام أو شراكة مرفوضة شعبياً.

 

دورة حضارية وفرصة قد لا تتكرر:

 

لا يمكن فصل هذه التحولات عن سياق عالمي أوسع يتجاوز مجرد تغير في ميزان القوى. فالعالم يعيش اليوم مرحلة انتقال تاريخي–حضاري تعاد فيها صياغة مراكز النفوذ وأدوار الدول وإعادة رسم الخرائط. وفي مثل هذه المراحل لا تمنح الفرص بالتساوي بل تتاح للدول القادرة على التقاط اللحظة التاريخية واستثمارها ضمن التوازنات الجديدة. وفي هذا السياق تمثل سوريا نافذة نادرة قد لا تتكرر! بفعل تحول السلطة والحاجة الشاملة لإعادة البناء والموقع الجيوسياسي الذي يمنحها وزناً يتجاوز حدودها.

 

وفي النهاية في لحظة دولية تتغير فيها موازين القوة وتعاد فيها صياغة الأدوار، لم يعد تقسيم الدول خياراً وظيفياً بقدر ما أصبح تهميشها نتيجة لفشلها في قراءة التحول التاريخي الجاري.

وسوريا، التي تقف اليوم عند تقاطع جيوسياسي نادر. ليست أمام اختبار وحدة جغرافية بقدر ما هي أمام اختبار قدرة سياسية على استثمار نافذة قد لا تتكرر. قبل أن يغلق النظام الدولي الجديد خرائطه النهائية دونها.

 

لن تُقسم سوريا…. لا لأن العالم أصبح أكثر عدلاً…. بل لأن لحظات إعادة بناء القوة لا تنتظر من يتأخر عن التقاطها.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

في شرق الفرات، يواجه أحمد الشرع معركة بلا مدافع، حيث تُدار السيادة بالحساب لا بالنار، رهانه واضح: ما يُستعاد بالعقل…
يعد عام 2026 محطة مفصلية في مسار المرحلة الانتقالية السورية، مع تصاعد الرهانات على تثبيت الاستقرار وبناء الدولة، وتأتي هذه…
الجيش السوري الجديد يُولد في حقل ألغام سياسي وعقائدي، بين ذاكرة الفصائل وضغوط العواصم، فإما أن يصبح مظلة سيادة وطنية…

القائمة