إعادة هندسة بلاد الإسلام تحت مظلة “الكانتونات”: قراءة تحليلية في مشروع التفتيت الصهيوصليبي

منذ أكثر من قرنٍ، تتجدّد محاولات قوى الاستكبار العالمي لإعادة تشكيل الجغرافيا الإسلامية بما يتناسب مع مصالحها الاستراتيجية، غير أنَّ ما نشهده في العقدين الأخيرين لا يُعدّ مجرد إعادة ترسيم حدود، بل تفكيكاً مُمنهجاً للبنى العقدية والاجتماعية، عبر ما يمكن تسميته “مشروع تصنيع الكانتونات”؛ وهي كيانات هشة تُدار بالوكالة السياسية والطائفية والعِرقية. والقول إنّ هذه المشاريع نابعة من تطورات محلية أو نزاعات داخلية هو نوع من التبسيط الساذج، لأنّ خيوطها ترجع لمركزٍ مُوحّد، تديره المظلة الأمريكية الصهيونية التي تضبط الإيقاع الإقليمي وفق مخطط “الشرق الأوسط الجديد”.

 

أولاً: الجذور التاريخية لمفهوم التفكيك الجغرافي – العقدي

 

تعود جذور هذا المشروع إلى ما بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924م، حين أُنجزت معاهدة سايكس-بيكو (1916م)، فاتّخذ التقسيم في حينه شكلاً سياسياً مباشراً، اقتصر على الحدود. أما من مطلع القرن الحادي والعشرين، ومع احتلال العراق عام 2003م، فقد تحوّل الطرح من “تقسيم الحدود” إلى “تقسيم الهويات”، أي الانتقال من “جغرافيا الدول” إلى “جغرافيا المكونات”. وهنا بدأ الأمريكيون في هندسة النظام الطائفي في العراق عبر مجلس الحكم الانتقالي (2004م)، كأول نموذج عملي لـ”الكانتون السياسي”، بُني على أساس مذهبي (شيعي – سني – كردي)، تحت الوصاية الأمريكية المباشرة بموازاة النفوذ الإيراني المتنامي، مما شكّل النموذج الأقدم الذي تتفرع منه بقية أنماط الكانتونات في المنطقة.

 

ثانياً: خطّ التصنيع الحديث للكانتونات في الإقليم الإسلامي

 

لم يقتصر المشروع على العراق، بل توسّع كخط إنتاج متتابع:

ففي الصومال (منذ 1991م): انهارت الدولة المركزية، وتحوّل البلد إلى كانتونات مناطقية مثل “صومالي لاند” و”بونتلاند”، تحت إدارة شبه مستقلة خاضعة للاعتراف الجزئي من القوى الغربية، مما أتاح للوجود الأمريكي – الإسرائيلي موطئ قدم في الممر البحري الجنوبي للبحر الأحمر.

 

في السودان (2005–2011م): جاء المخطط عبر اتفاقية نيفاشا التي أُشرف عليها أمريكياً، ليُفضي إلى انفصال الجنوب، ثمّ تلتها حروب متشظّية في دارفور والنيل الأزرق وكردفان، تنتج منها اليوم بدايات “الكانتونات الجديدة” مثل “إقليم دارفور” المسلح ذاتياً.

 

في اليمن (2014م): دخل الحوثيون صنعاء بإسناد إيراني وصمت أمريكي، لتتشكّل نواة “كانتون الحوثي” في الشمال، مقابل “كانتون المجلس الانتقالي الجنوبي” في عدن المدعوم إماراتياً، وكلاهما يخضعان للتوجيه الاستراتيجي الأمريكي الذي يستهدف إعادة هندسة موقع باب المندب الدولي.

 

في ليبيا (منذ 2011م): بعد سقوط نظام القذافي، تحولت البلاد إلى فوضى مسلحة تقسمها خطوط قبلية وجهوية، وبظهور قوات حفتر المدعومة إماراتيا أصبحت القواعد الجوية والموانئ الليبية موزعة بين النفوذ الأمريكي والفرنسي والروسي، أي توزيع أدوار في كانتونات المصالح.

 

في سوريا (منذ 2012م): يشكّل المشروع السوري ذروة هذا التصميم، فقد صُمّم المشهد ليُسفر عن أربعة كانتونات رئيسية: “كانتون التمرد النصيري في الساحل”، و”كانتون الإدارة الذاتية في الشرق”، و”كانتون الدولة المركزية في دمشق”، و”الكانتون الدرزي في الجنوب”. لكن تثبيت هذه الصورة النهائية مؤجَّل إلى حين اكتمال التسوية الأمنية التي تُدار من واشنطن وتل أبيب، ويُراد من خلالها فرض اتفاق إذعان يضمن حدود “الأمن الإسرائيلي”.

 

ومن زاوية المظاهر الإعلامية الزائفة، فإنّ ما يُبديه الحوثي من اعتراض على اعتراف نتنياهو بـ”صومالي لاند” أو ما يعلنه بعض وكلاء إيران من “عداء لفظي” مع إسرائيل، ليس إلاّ تمثيلاً استهلاكياً، لأنّ جذور قوتهم قائمة على الغطاء الدولي الذي يصوغ المشهد بما يضمن مصالح “المركز” الأمريكي الصهيوني، لا “الأطراف” المنفذة.

 

ثالثاً: مشروع الكانتونات كأداة وظيفية في الإستراتيجية الصهيونية – الأمريكية

 

وظيفة الكانتون ليست فقط تفكيك الدولة المستهدفة بل تفكيك الأمة داخلها.

تقوم الرؤية الأمريكية على أن بقاء الكيان الصهيوني آمناً يتطلب ثلاثة شروط استراتيجية:

تفتيت الكيانات الإسلامية الكبرى إلى وحدات أصغر غير قادرة على بناء قرار سيادي مستقل.

 

تفريغ المضمون العقدي والسياسي للإسلام من قوة “المرجعية الجامعة”.
بقاء مناطق الطاقة والممرات البحرية تحت سيطرة الأمن الدولي الذي تديره واشنطن من خلال وكلائها المحليين.

لذلك تُصنَع الكانتونات بحيث تبقى بحاجة دائمة إلى الدعم الخارجي السياسي والاقتصادي والعسكري، فلا تملك قرارها الذاتي، بل تُدار من وراء الستار كمناطق نفوذ تُمكّن القوى

الكبرى من التحكم بأمن البحر الأحمر، ومضائق الملاحة (باب المندب، هرمز، السويس)، وأحزمة النفط والغاز في الهلال الخصيب.

 

رابعاً: سنة التمكين وسنة الاستبدال

 

إنّ الله تعالى قرّر في كتابه قاعدة حاكمة بقوله:

{وَلَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141]، وهذه الآية تُقيّد بوجود “جماعة المؤمنين” على شرطها الشرعي، فإذا تفرّقت الأمة وتميّزت راياتها بالعصبيات الوطنية

والجهوية والعرقية، فُتح السبيل للكافرين عليها، تحقيقاً لقوله تعالى:

{وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].

والنبي ﷺ حذّر من العصبيات حين قال: “ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية”، لأنّ العصبية هي الشرارة التي يستثمرها الأعداء لتفكيك الأمة من داخلها.

وعليه، فإنّ الدفاع عن “الهوية الوطنية” أو “الانتماء العرقي” بمعزل عن النظام العقدي الجامع للأمة هو تفريط في جوهر الدين، وإسقاط للحصانة التي وعد الله بها المؤمنين حال

اجتماعهم على الحق.

 

خامساً: أسباب استمرار التفكيك وفشل مقاومته

 

يمكن تلخيص أسباب بقاء هذا المشروع فاعلاً في النقاط التالية:

غياب المشروع الإسلامي الجامع الذي يوازن بين القدرة الفكرية والوزن الجغرافي والبشري للأمة.

الارتهان للنظم الوطنية الضيقة والعصبيات العرقية التي تُمنع بها أي وحدة فوق قطرية.

اختراق البنى النخبوية والإعلامية والثقافية في المجتمعات الإسلامية بخطاب “الهوية المحلية” القائم على الولاء دون براء.

صمت القوى الفاعلة في العالم الإسلامي عن تسمية منبع المشروع باسمه الحقيقي: الهيمنة الأمريكية الصهيونية العالمية، لا الخصومات الإقليمية الوهمية.

 

خاتمة… نحو رؤية للخروج من هندسة التفكيك

 

لا سبيل لوقف عجلة “تصنيع الكانتونات” إلا بعودة الأمة إلى مشروعها القرآني الجامع، القائم على وحدة العقيدة ووحدة الراية ووحدة الولاء والعداء كما قال تعالى:
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].

إنّ القوى الكبرى لا تهاجم الأمة من فراغ، بل حين تجد الفراغ الداخلي مهيّأً، فلن تنكسر دوامة التقسيم إلا بمشروع حضاري رسالي يواجه التجزئة بمركزية “المنهج”، لا بتكرار الشكوى من أدواتها.

 

وما لم يستيقظ قادة المجتمعات الإسلامية على خطورة المرحلة، فسيبقى المشروع الأمريكي اليهودي يعيد إنتاج ذاته جيلاً بعد جيلٍ، بأسماء جديدة وأعلامٍ مختلفة، حتى يُستبدل جيل النصر بجيل الانهزام.

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

سقوط قسد لم يكن مفاجئاً؛ إذ اجتمعت الضغوط السياسية والميدانية والإنسانية لتفكك مشروعها وتفضح هشاشته، نجاح الدولة السورية في حلب،…
لم تكن عودة الشيخ مقصود والأشرفية استعادة جغرافيا فحسب، بل استعادة معنى الدولة حين تحضر بقانونها وجيشها ومؤسساتها، هناك حيث…
يحلل د. عرابي جذور الخلل في القطاع الأمني السوري وآليات إصلاحه على أسس قانونية ومؤسساتية حديثة، مؤكداً أن جوهر التحول…

القائمة