إعادة هندسة السيادة النقدية: الأبعاد الاستراتيجية لقرار استبدال العملة السورية

في أدبيات الاقتصاد السياسي، لا تُعد العملة الوطنية مجرد وسيط للتبادل التجاري أو مخزن للقيمة فحسب، بل هي أحد أهم رموز السيادة الوطنية وأدوات الدولة لفرض سيطرتها على المجال العام. من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة قرار استبدال العملة السورية، في هذا التوقيت المفصلي، بوصفه إجراءً فنياً روتينياً يقتصر على استبدال أوراق نقدية متهالكة بأخرى جديدة، ولا هو مجرد عملية تجميلية للواقع الاقتصادي. إننا أمام مناورة استراتيجية كبرى تقع عند تقاطع الاقتصاد بالأمن القومي، تهدف إلى إعادة ضبط المشهد المالي بعد سنوات من التشوهات الهيكلية، وتسعى لانتزاع “سلاح النقد” من الأطراف التي استخدمته لسنوات كأداة لزعزعة الاستقرار، تمهيداً لإعادة فرض سلطة الدولة المركزية على الدورة المالية للبلاد.

 

ما وراء “الرمزية”: القطيعة مع اقتصاد الظل

 

لتقييم نجاعة هذا القرار، ينبغي التمييز الدقيق بين المنافع التشغيلية المباشرة والأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى. على المستوى الظاهري، يحمل القرار دلالة سياسية بامتياز تتمثل في “القطيعة الرمزية” مع حقبة النظام السابق عبر إزالة رموزه من النقد المتداول، بالتوازي مع هدف لوجستي يتمثل في تيسير المعاملات اليومية وتقليل تكلفة إدارة النقد (Cash Handling) التي أرهقت كاهل المواطنين والتجار نتيجة التضخم وتآكل القيمة الشرائية للعملة القديمة.

 

لكن الجوهر الحقيقي يكمن في الأهداف غير المعلنة، وتحديداً استعادة “السيادة النقدية”. فخلال سنوات الثورة، تحولت الليرة السورية من أداة سيادية إلى سلعة للمضاربة وأداة ضغط بيد “أمراء الحرب” وشبكات الاقتصاد الأسود. لقد تشكلت خلال العقد الماضي كتل نقدية ضخمة خارج النظام المصرفي الرسمي، كدستها قوى غير شرعية واستخدمتها بانتظام لخلق أزمات سيولة مفتعلة، مما جعل السوق رهينة لتقلبات مدروسة تخدم أجندات سياسية معادية. لذا، فإن استبدال العملة هو عملية “فلترة” أو تعقيم نقدي (Monetary Sterilization) تهدف إلى سحب أوراق الضغط من هذه الأطراف، وتحييد قدرتها على التأثير في الاستقرار الاقتصادي للمرحلة الجديدة.

 

الهندسة الاقتصادية: إعادة ترميم الدورة الدموية للاقتصاد

 

من منظور الاقتصاد الكلي، يؤسس القرار لقاعدة بيانات نقدية جديدة بالكامل. إن إلزام حائزي النقد باستبداله ضمن مهل زمنية وسقوف محددة يجبر “الكتل النقدية المكتنزة” (Hoarded Cash) في الخزائن الخاصة والمستودعات السرية على الخروج من الظل والدخول في القنوات المصرفية الرسمية. هذا الإجراء يحقق عدة مكاسب هيكلية لا غنى عنها لأي عملية تعافٍ اقتصادي.

 

أولاً: يتيح هذا الإجراء للبنك المركزي معرفة الحجم الحقيقي للكتلة النقدية المتداولة بدقة متناهية، مما يرفع كفاءة السياسة النقدية وقرارات إدارة التضخم؛ فلا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه.

 

ثانياً: يمثل القرار حلاً جذرياً لأزمة السيولة المفتعلة، فالأوراق النقدية القديمة التي لن تُستبدل – خوفاً من المساءلة أو لعدم القدرة على إثبات مشروعيتها – ستفقد قيمتها الإبرائية وتُشطب من التزامات البنك المركزي. هذا “الشطب” يمنح الدولة هامشاً لضخ سيولة جديدة ومدروسة في شرايين الاقتصاد دون التسبب بموجات تضخمية ناتجة عن الطباعة العشوائية، بل هو استبدال لكتلة نقدية “ميتة” بكتلة “فعالة”.

 

“مصيدة السيولة”: البعد الأمني وتجفيف منابع الفساد

 

لعل الجانب الأكثر ذكاءً وخطورة في هذا القرار هو طبيعته كعملية “دفاع اقتصادي استباقي”. فالقرار يضع الفئات المستفيدة من اقتصاد الحرب – من فلول النظام السابق، وشبكات التهريب، وتجار المخدرات المرتبطين بميليشيات عابرة للحدود – أمام معضلة وجودية وخيارات صفرية “Game Theory Dilemma”.

 

هذه القوى، التي يُعتقد أنها تحوز مليارات الليرات المنهوبة أو الناتجة عن أنشطة غير مشروعة، تجد نفسها اليوم محاصرة.

 

الخيار الأول هو الامتناع عن الاستبدال، وهذا يعني تحول ثرواتهم النقدية الهائلة إلى ورق عديم القيمة، ما يمثل “تصفية ذاتية” لقوتهم المالية.

 

أما الخيار الثاني فهو المغامرة بمحاولة الاستبدال، مما يعرضهم لآليات “اعرف عميلك” (KYC) والتدقيق المالي الصارم الذي سيكشف هوياتهم ومصادر أموالهم، ويضعهم تحت طائلة الملاحقة القانونية. عملياً، يؤدي هذا الإجراء إلى حرق السيولة التي كانت تُستخدم كوقود لتمويل الفوضى وشراء الولاءات، وهو ما يُعرف في العلوم الأمنية بتجفيف البيئة الحاضنة للجريمة المنظمة.

 

سيكولوجية السوق: الاستقرار كبنية تحتية للنمو

 

أخيراً، لا يمكن إغفال البعد السيكولوجي في الاقتصاد، فالنقد في جوهره هو “عقد ثقة” بين الدولة وحامل العملة. إن استمرار التداول بأوراق نقدية متهالكة تحمل صور حقبة بائدة كان يرسخ شعوراً بعدم اليقين واستمرار الأزمة. في المقابل، فإن الانتقال إلى عملة جديدة، نظيفة، ومحمية بإجراءات حكومية حازمة، يرسل إشارات تطمين قوية للأسواق، وينقل سيكولوجية المتعاملين من حالة “الذعر والتحوط” إلى حالة “القدرة على التنبؤ”.

إن تجارب الدول التي مرت بتحولات مشابهة، مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية أو تركيا في مطلع الألفية، تُظهر أن ضبط الكتلة النقدية وتجديد العملة هو الخطوة الأولى لإنهاء فوضى التسعير واستعادة ثقة المستثمر المحلي قبل الأجنبي. فعندما يلمس المواطن وجود سلطة نقدية قادرة على اتخاذ قرارات سيادية وتنفيذها بجرأة، يبدأ التعافي التدريجي للثقة في المؤسسات الاقتصادية، وتتراجع ظاهرة “الدولرة” (Dollarization) تلقائياً لصالح العملة الوطنية.

 

الخاتمة:

 

في المحصلة، لا يجب النظر إلى قرار استبدال العملة السورية باعتباره “عصا سحرية” قادرة وحدها وبشكل فوري على حل كافة المشكلات الاقتصادية المتراكمة عبر سنوات الحرب، لكنه بالتأكيد يمثل “حجر الزاوية” الذي لا يمكن البناء بدونه. إنه قرار تأسيسي يعيد للدولة احتكارها الشرعي لإدارة النقد، ويجرد القوى المعرقلة من سلاحها المالي الأقوى. نحن أمام عملية “تطهير اقتصادي” تمهد الأرضية لسياسات تنموية قادمة، وتعلن نهاية حقبة كان فيها النقد الوطني رهينة للفوضى، وبداية مرحلة تكون فيها العملة مرآة لسيادة الدولة وتعافيها.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

لم يتغيّر خطاب قسد نضجًا، بل انكسر تحت وقع الهزيمة، فاستبدل لغة الفرض بلغة التبرير، وحين يسقط الوهم الخارجي، لا…
سقوط قسد لم يكن مفاجئاً؛ إذ اجتمعت الضغوط السياسية والميدانية والإنسانية لتفكك مشروعها وتفضح هشاشته، نجاح الدولة السورية في حلب،…
قسد مشروع وُلد في فراغ الحرب وعاش على دعم الخارج، بلا شرعية وطنية ولا جذور شعبية، ومع تبدّل الموازين، تقترب…

القائمة