الملخَّص
يهدف هذا البحث إلى دراسة وتحليل الأثر المتوقع من انتشار الحركات الإسلامية على التعليم الديني الجامعي في سورية، وذلك في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها البلاد. ومع زوال نظام الأسد البائد الذي قيّد عمل الحركات الإسلامية لعقود طويلة، بدأت بعض الحركات الإسلامية بإعادة تشكيل حضورها في الساحة السورية، ما يثير تساؤلات محورية حول مصير التعليم الديني الجامعي، وطبيعة التغييرات المحتملة التي قد تطرأ على بنية هذا التعليم، ومناهجه، وأدواره الاجتماعية.
يرى البحث أن مستقبل التعليم الديني الجامعي في سورية يتوقف بدرجة كبيرة على شكل العلاقة المستقبلية بين الدولة والحركات الإسلامية، ومدى قدرة المجتمع على المطالبة بتعليم ديني مؤسسي بعيد عن التوظيف الأيديولوجي أو التبعية السياسية. كما يشدد على ضرورة ترسيخ مفاهيم الوسطية، والتعددية، والاستقلالية المعرفية في بناء منظومة تعليم ديني، تستجيب لتحديات ما بعد الحرب، وتؤسس لحوار داخلي عميق بين مكونات الفكر الإسلامي المعاصر.
ويوصي البحث بضرورة اعتماد إصلاحات عميقة في التعليم الديني الجامعي، تتبنى خطاباً دينياً وأخلاقياً، يعزز قيم التسامح والتعايش، ويعيد ربط الدين بوظائفه التربوية والمجتمعية بعيداً عن الخطابات الصراعية أو الإقصائية.
موقف الدولة السورية الحالي من هذا الحضور الحركي وتأثيره في المشهد التعليمي والديني:
في ضوء المرحلة الراهنة التي تمر بها الدولة السورية، حيث تسعى إلى تأسيس مشروع وطني جامع يقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة وترميم النسيج الاجتماعي، يبرز موقفها من الحركات الإسلامية بوصفه أحد المحاور الجوهرية في صياغة سياساتها الداخلية. فقد اختارت الدولة أن تقف على مسافة واحدة من جميع الأطياف والتيارات، بما في ذلك الحركات الإسلامية على اختلاف توجهاتها الفكرية والتنظيمية. هذا الموقف يعكس رغبة واضحة في تجاوز سياسات الإقصاء أو التمييز التي قد تُعيد إنتاج الانقسام، وذلك عبر إشراك جميع القوى الاجتماعية والسياسية في عملية البناء الوطني، شرط أن تتوحد الأهداف حول غاية كبرى جامعة هي إعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار، وترسيخ المواطنة المتساوية، والنهوض بالبلد لأعلى مستويات القوة.
إن سياسة الدولة في هذا المجال تقوم على أساسين متكاملين: الأول: هو الاعتراف بوجود الحركات الإسلامية كجزء من المكونات الفكرية والاجتماعية في المجتمع السوري، والثاني: هو ضبط الفضاء العام، من خلال وضع إطار وطني جامع يحكم عمل هذه الحركات، بحيث تتجه جميعها نحو خدمة مشروع الدولة الوطنية، لا نحو خدمة أجندات حزبية أو أيديولوجية ضيقة. ومن ثم، فإن قبول الدولة بمشاركة هذه الحركات في العمل الوطني ومواقع المسؤولية العامة لا يتم إلا تحت سقف المشروع الجامع، أي بناء الوطن وإعمار ما هدمه النظام البائد، وهو ما يضمن التوازن بين الانفتاح على الجميع، والحفاظ على ثوابت الدولة الوطنية.
ويؤثر هذا الموقف بصورة مباشرة على المؤسسات التعليمية، وبخاصة التعليم الديني الجامعي. فالتعليم في السياق الجديد، لا يُنظر إليه كأداة لترويج خطاب أيديولوجي أو لتغليب تيار على آخر، وإنما كوسيلة لبناء الإنسان السوري الواعي، القادر على المساهمة في إعادة الإعمار وصناعة المستقبل. ومن هنا، فإن حياد الدولة وانفتاحها على الجميع ينعكسان في صياغة مناهج تعليمية تقوم على الوسطية، وتبتعد عن التوظيف الحزبي أو الحركي. كما يسمح هذا الموقف بإعادة هيكلة المؤسسات التعليمية بحيث تكون منصات للحوار والانفتاح، لا ساحات صراع أو منافسة أيديولوجية. وبذلك تسهم الدولة في ترسيخ استقلالية التعليم الديني الجامعي عن تأثيرات الحركات الإسلامية، من دون أن تنفي دورها الاجتماعي أو الثقافي، بل عبر إعادة توجيهها نحو المصلحة الوطنية العليا.
إن الحياد الإيجابي الذي تنتهجه الدولة تجاه الحركات الإسلامية يسهم، في المحصلة بتعزيز الثقة المتبادلة بينها وبين المجتمع، ويؤسس لتوازن دقيق يضمن وحدة السوريين حول مشروع الدولة، وفي الوقت نفسه، يقي المؤسسات التعليمية من مخاطر الاستقطاب والتأثيرات الفكرية الضيقة. وهكذا يصبح التعليم الديني الجامعي رافعة أساسية لإنتاج خطاب معرفي وروحي متوازن، يتكامل مع مشروع الدولة في إعادة البناء، ويُعيد للدين معناه الروحي والأخلاقي بعيداً عن التوظيف السياسي.
السيناريوهات المستقبلية لواقع التعليم الديني الجامعي في سورية:
يُعدّ التعليم الديني الجامعي في سورية أحد أبرز الميادين التي تتأثر مباشرةً بموقع الدولة من الدين، وبحضور الحركات الإسلامية المختلفة، وكذلك بتوازنات السياسة الداخلية والخارجية. ومن خلال قراءة الواقع الراهن واتجاهاته، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل التعليم الديني الجامعي في سورية، وهذه السيناريوهات:
- الاستقلالية الوسطية للمؤسسات التعليمية الدينية:
في هذا التصور، تبقى مؤسسات التعليم الديني الجامعي محافظة على استقلاليتها النسبية عن الحركات الإسلامية، مع تبنّيها منهجاً وسطياً يجمع بين الأصالة والانفتاح. ويعني ذلك أن الدولة قد تسمح بقدر من الحرية الفكرية لهذه المؤسسات، شريطة أن تبقى على مسافة واحدة من مختلف التوجهات الحركية. مثل هذا السيناريو يُتيح للتعليم الديني أن يقوم بدوره في إنتاج المعرفة الشرعية بصورة متوازنة، تراعي حاجات المجتمع المعاصر، دون أن يُستغل الحقل الأكاديمي كأداة في الصراع السياسي أو الأيديولوجي.
- هيمنة الحركات السلفية:
يفترض هذا السيناريو أن تُمكّن الدولة بعض الحركات السلفية أو التي لها ارتباط وثيق بها من السيطرة على مفاصل التعليم الديني الجامعي، بما في ذلك صياغة المناهج وتوجيه البحث العلمي، وذلك بهدف تكريس خطاب ديني يتماهى مع رؤيتها السياسية. إلا أن تحقق هذا السيناريو يبدو ضعيف الاحتمال في السياق السوري الراهن؛ إذ إن إبراز الحركات السلفية على الساحة التعليمية والدينية من شأنه أن يخلق صورة سلبية للدولة في المحافل الدولية، نظراً للارتباطات التاريخية لهذه الحركات. وعليه، فإن هذا المسار يظلّ محدود الفاعلية وغير مرجَّح التحقق في المستقبل القريب.
- فرض الاستقلالية الصارمة في حال نشوب الصراع بين الحركات:
هذا الاحتمال يرتبط بتفاقم التنافس بين الحركات الإسلامية المختلفة على التأثير في الحقل التعليمي الديني. وفي حال نشوب صراع واضح فيما بينها، قد تجد الدولة نفسها مضطرة للتدخل بقوة وفرض استقلالية صارمة على مؤسسات التعليم الديني الجامعي، وذلك من خلال إقصاء أنشطة كافة الحركات الإسلامية التي من شأنها أن توثر في الميدان الأكاديمي، ومنع أي محاولة لتسييس المعرفة الدينية. وبذلك يصبح التعليم الديني الجامعي أكثر تحرراً من الهيمنة الحركية، لكنه في المقابل يكون أكثر خضوعاً لإشراف الدولة المباشر، بما يضمن لها حياد المؤسسة الدينية الجامعية واستقرارها بعيداً عن الاصطفافات الفكرية أو الأيديولوجية.
- التوفيق بين الانفتاح والعمل المؤسسي:
يُمكن النظر إلى هذا السيناريو كحل وسط بين الاحتمالات السابقة، حيث تشرف الدولة على مؤسسات التعليم الديني الجامعي، ولكنها في الوقت نفسه تسمح بقدر من التنوع الفكري والبحثي داخلها، دون أن يصل إلى حدّ الهيمنة الحركية أو الاستقلال المطلق. ويمثل هذا السيناريو خياراً واقعياً تسعى من خلاله الدولة إلى موازنة حاجتها للسيطرة مع متطلبات الانفتاح الأكاديمي، بما يحافظ على استقرار النظام التعليمي الديني، ويُعطي صورة أكثر اعتدالاً في الداخل والخارج.
وبناءً على هذه السيناريوهات، يمكن القول إن مستقبل التعليم الديني الجامعي في سورية سيظل رهين توازنات دقيقة بين موقف الدولة من الحركات الإسلامية، وضغوط المجتمع الدولي، والقدرة الداخلية للمؤسسات التعليمية على الحفاظ على استقلالها العلمي والمعرفي. ومن هنا، فإن أي توجه مستقبلي لن يكون مطلقاً، بل سيُشكّل مزيجاً من هذه السيناريوهات، بحسب ما تفرضه التحولات السياسية والاجتماعية القادمة.
وبناءً على تحليل الواقع الراهن للتعليم الديني الجامعي في سورية، وما تشهده الساحة من تعدّد في الحركات الإسلامية مع تباين مرجعياتها الفكرية ومشاريعها الاجتماعية والسياسية، يمكن القول إنّ السيناريو الأكثر ترجيحاً هو سعي الدولة إلى ترسيخ استقلالية التعليم الديني الجامعي، بما يضمن تحييده عن الاستقطابات الأيديولوجية والتجاذبات الحزبية. فالوقائع تشير إلى أنّ الدولة تدرك خطورة تحويل المؤسسات التعليمية الدينية إلى ساحات صراع بين التيارات الإسلامية، إذ إنّ ذلك من شأنه أن يُفقد هذه المؤسسات دورها المعرفي والعلمي ويحوّلها إلى أدوات للصراع السياسي.
من هنا، يبدو أنّ الخيار الأمثل للدولة – انسجاماً مع طبيعة المرحلة الراهنة والاعتبارات الإقليمية والدولية – هو تعزيز نموذج “المنهج الوسطي”، الذي يجمع بين الأصالة والانفتاح على متطلبات العصر، مع الالتزام بالمعايير الأكاديمية الحديثة في البحث والتعليم. وفي هذا الإطار، يُتوقّع أن تحترم الدولة وجود الحركات الإسلامية ونشاطها الدعوي أو الاجتماعي، ولكن في الوقت نفسه، تقتصر أدوار هذه الحركات على الفضاءات غير الجامعية، بحيث يُسمح لها بممارسة أنشطتها الفكرية والثقافية ضمن إطار مدني واجتماعي، دون أن تمتلك سلطة أو نفوذاً مباشراً داخل مؤسسات التعليم الديني الجامعي.
وبناءً على ذلك، يمكن الاستنتاج أنّ الدولة ستعمل على تحقيق توازن دقيق: فهي من جهة تحافظ على استقلالية وحيادية التعليم الديني كجزء من استراتيجيتها في ضبط الخطاب الديني، ومن جهة أخرى تتيح للحركات الإسلامية هامشاً للنشاط في المجال العام بعيداً عن التأثير المباشر في البنية التعليمية. هذا السيناريو – حسب الوضع الراهن – هو الأكثر انسجاماً مع توجهات الدولة السورية نحو إعادة ضبط الخطاب الديني، بما يحمي مؤسسات التعليم من التسييس، ويضمن إنتاج معرفة دينية رصينة ووسطية تسهم في الاستقرار الفكري والاجتماعي.
اقتراح آليات تطوير وتحصين التعليم الديني الجامعي بما يضمن استقلاليته المعرفية، وتوازنه بين الأصالة والانفتاح.
أولاً: آليات وتوصيات موجهة إلى الدولة:
- دعم استقلالية مؤسسات التعليم الديني الجامعي:
ويعني أن تعمل الدولة على منح الجامعات الدينية قدراً كافياً من الاستقلالية في وضع مناهجها، واختيار هيئاتها التدريسية، وإدارة شؤونها الأكاديمية والإدارية بعيداً عن التدخلات السياسية أو الأمنية. فكلما اتسعت دائرة الاستقلالية المؤسسية، ضمنت الجامعة قدرة أكبر على تطوير المعرفة، وتقديم العلوم الشرعية بما يتناسب مع متطلبات العصر.
- تعزيز البحث العلمي:
كالاستثمار في مراكز بحثية متخصصة، وتخصيص صناديق تمويل بحثية، حيث يعدّ من أهم الأدوات لتطوير المعرفة الدينية وتحريرها من الجمود. وإن فتح المجال أمام الأساتذة والباحثين لإنتاج بحوث رصينة ونشرها عالمياً يرفع من قيمة هذه المؤسسات، ويمنحها شرعية علمية واسعة.
- تعزيز الرقابة العلمية بدلاً عن الأمنية:
إن الرقابة في المؤسسات التعليمية ينبغي أن تكون أكاديمية، قائمة على الجودة العلمية، ونزاهة البحث، ومطابقة المخرجات لمعايير التعليم العالي، لا على أساس الانتماء الفكري أو الحركي. فاستبدال الرقابة الأمنية بالرقابة العلمية يخلق بيئة آمنة وحاضنة للإبداع الفكري.
- تطوير الكوادر الأكاديمية:
من المفترض أن تهدف الدولة إلى الاستثمار في رفع كفاءات الكادر الأكاديمي عبر برامج تدريب، وبعثات علمية، وفرص للتطوير المستمر. إذ أن رفع مستوى أعضاء هيئة التدريس يسهم مباشرة في تحسين جودة التعليم والبناء الأمثل للأجيال.
- استقطاب الكفاءات العلمية العالمية:
وذلك بفتح الأبواب أمام العلماء المتميزين، من الداخل والخارج، للتدريس والإشراف والبحث داخل الكليات الشرعية، مما يساهم في نقل الخبرة وتطوير أساليب التعليم، ويمنح هذه المؤسسات حضوراً دولياً أوسع.
- تفعيل الدور العلمي للكوادر الأكاديمية:
وذلك بإشراك الأكاديميين والمختصين في عملية صنع القرار التربوي، وصياغة السياسات التعليمية الدينية، بما يضمن توازناً بين أصالة التراث وحاجات الواقع.
ثانياً: آليات وتوصيات موجهة إلى الحركات الإسلامية:
- الالتزام بالعمل الأكاديمي بدلاً من الحركي
على الحركات أن تدرك أن المؤسسات التعليمية ليست ساحة للصراع الأيديولوجي أو التنافس السياسي، وإنما فضاء علمي تربوي يهدف إلى بناء إنسان كفؤ ومتوازن.
- قبول التعددية الفكرية واحترامها
وذلك من منطلق أن التنوع في الآراء والاتجاهات داخل الوسط الأكاديمي ظاهرة صحية. واحترام التعددية يخلق بيئة نقاشية خصبة، تمنع الاستبداد الفكري، وتوسع دائرة الحوار.
- المشاركة في الحوار العلمي
وذلك بدلاً من الانغلاق أو الصراع، يمكن للحركات أن تساهم في مؤتمرات وندوات علمية، وأن تدخل في حوار مفتوح مع التيارات الأخرى، مما يرفع من مستوى الوعي، ويعزز روح التفاهم.
- فصل العمل الدعوي عن العمل الأكاديمي
يجب التمييز بوضوح بين العمل الجامعي والمؤسساتي كمنبر للعلم والمعرفة، وبين ميدان الدعوة كحقل للتربية والتوجيه. وأن الفصل بين المجالين يجنّب تضارب الأدوار ويمنع تحويل الجامعات إلى منصات أيديولوجية.
- التركيز على الأهداف المشتركة:
مثل النهوض بالبلد، وتطوير التعليم، وخدمة المجتمع، ونشر الوسطية، والارتقاء بالقيم الأخلاقية. كل هذه المشتركات يجب أن تكون محور التعاون بين الحركات والجامعات.
إن ضمان استقلالية مؤسسات التعليم الديني الجامعي لا يتحقق بمجرد إصدار قرارات إدارية أو تنظيمية، بل هو عملية معقدة تتطلب توازناً دقيقاً بين دور الدولة ودور الحركات. فالدولة مطالبة بإرساء بيئة تعليمية قائمة على الحرية الأكاديمية والبحث العلمي، بينما تتحمل الحركات مسؤولية أخلاقية في تجنيب المؤسسات التعليمية صراعاتها الأيديولوجية، والالتزام بدورها كفاعل مجتمعي يسهم في البناء لا في الانقسام. وعندما يلتقي هذان المساران، يمكن لمؤسسات التعليم الديني أن تتحول إلى فضاءات معرفية حيوية، قادرة على تجديد الفكر الديني، ومواكبة تحولات العصر، والإسهام الفاعل في خدمة المجتمع والدولة معاً.
الخاتمة:
تُظهر معطيات الواقع السوري الراهن أنّ الحركات الإسلامية بمختلف أطيافها وتوجّهاتها ما زالت في طور المراقبة والترقّب، حيث تعمل على دراسة سُبل التأثير في التعليم الديني الجامعي، سواء عبر كوادرها البشرية التي بدأت بممارسة العمل الأكاديمي في مؤسسات التعليم العالي، أو من خلال محاولاتها صياغة المناهج وتوجيه المراجع الفكرية والمعرفية، أو حتى عبر أنشطتها وفعالياتها الدعوية والثقافية التي تحاول أن تجد لنفسها موقعاً داخل الحقل الأكاديمي الديني. وهذا الحضور المتعدد المسارات يعكس سعي الحركات الإسلامية إلى إعادة إنتاج نفسها داخل المجال الأكاديمي.
غير أنّ ما يلفت النظر أنّ الدولة السورية في هذه المرحلة لم تتخذ أي إجراء جذري من شأنه أن يغير البنية السابقة للتعليم الديني الجامعي، أو أن يضع خطة استراتيجية واضحة المعالم لمستقبله. بل يمكن القول إنّ الدولة تحاول إلى الآن الوقوف على مسافة واحدة من جميع الفاعلين الدينيين والاجتماعيين، مكتفية بقدر من المشاركة التوافقية التي تسمح لكل طرف بالعمل وفق قدراته وتخصصه ودوره، دون أن تفرض وصاية صارمة أو توجهاً إقصائياً. هذه السياسة، وإن كانت توفّر حداً أدنى من التوازن وتمنع احتكار المجال التعليمي من طرف واحد، إلا أنّها في الوقت نفسه تُبقي الباب مفتوحاً أمام تنافس غير محسوم قد يفضي إما إلى إثراء التجربة التعليمية أو إلى تكريس مزيد من الانقسام الأيديولوجي داخل الحقل الجامعي.
من هنا، يؤكد هذا البحث أنّ المستقبل المنشود للتعليم الديني الجامعي في سورية لا يمكن أن يُبنى على الهيمنة الأحادية، سواء من الدولة أو من أي حركة إسلامية بعينها، بل على العكس يتطلب الأمر صياغة رؤية تشاركية تعترف بتعدد المرجعيات الإسلامية وتستفيد من التنوع المعرفي والحركي الموجود في المجتمع السوري. ومن الأهمية بمكان أن تتحول مؤسسات التعليم الديني الجامعي إلى منابر جامعة للكلمة، تُعلي من شأن وحدة الصف الإسلامي، مع احترام خصوصيات كل تيار، بحيث تبقى هذه المؤسسات بمثابة منارات للفكر ومصادر لإنتاج المعرفة، وقنوات لتصدير العلم الشرعي، لا مجرد أدوات صراع، أو ساحات للصراع الحركي والأيديولوجية.
كما أن بناء مثل هذا التعليم الديني الجامعي يتطلب في المقام الأول ترسيخ استقلالية المؤسسات التعليمية عن التجاذبات الحزبية والسياسية، وضمان حياديتها في الإدارة والمناهج والوظائف. فالاستقلالية ليست مطلباً إجرائياً فحسب، بل هي ضرورة لضمان جودة التعليم ومصداقيته وفاعليته، إذ بدونها سيبقى التعليم أسير الأيديولوجيات ومشاريع الهيمنة. كما أن الحيادية تتيح للمؤسسات أن تستوعب مختلف الرؤى الإسلامية، وأن تُدار وفق أسس علمية وأكاديمية، بدل أن تكون مجرد امتداد لتيار سياسي أو أداة في يد تيار معين.
وفي هذا السياق، فإن الأمل معقود على أن تتبنى الحركات الإسلامية خطاباً إصلاحياً جامعاً، يوازن بين الانتماء الأيديولوجي الخاص والانفتاح على المجال العام المشترك، وأن تدرك أنّ الاستثمار في التعليم الديني الجامعي لا ينبغي أن يكون لمصالح خاصة بتيار أو حركة معينة، بل لأجل إعداد جيل علمي واعٍ قادر على النهوض بمسؤولياته التربوية والمجتمعية. كما ينبغي على الدولة أن تراعي هذا التوازن وأن تُسنّ تشريعات تحفظ للمؤسسات التعليمية استقلالها، وتؤسس لشراكة حقيقية بين مختلف الفاعلين، بما يجعل التعليم الديني الجامعي رافعة أساسية لبناء مجتمع ينتمي لدينه ووطنه.