الواسطة مقابل الجدارة: انعكاسات على الأداء المؤسسي

تُعدّ المؤسسات بمختلف أنواعها—سواء كانت عامة أو خاصة—مرتكزاً أساسياً في إدارة الموارد البشرية وتحقيق التنمية المستدامة. وفي ظلّ التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، برزت الحاجة إلى تعزيز مبدأ

 

الجدارة في التوظيف والترقيات، بوصفه معياراً موضوعياً لقياس كفاءة الأفراد وقدرتهم على المساهمة في تحقيق أهداف المؤسسة. غير أنّ ظاهرة الواسطة ما تزال تشكل تحدياً هيكلياً في العديد من البيئات الإدارية،

 

حيث يتم تجاوز الكفاءات لصالح اعتبارات شخصية أو اجتماعية. ويثير هذا الواقع أسئلة ملحّة حول مدى انعكاس الواسطة على الأداء المؤسسي، وموقع الجدارة كمدخل رئيس لتعزيز الكفاءة والفعالية.

 

 

أولاً: مفهوم الواسطة والجدارة

 

 

1. الواسطة:

الواسطة هي استخدام النفوذ أو العلاقات الشخصية لتسهيل الحصول على فرص وظيفية أو امتيازات مؤسسية بعيداً عن المعايير الرسمية. ورغم أنّها تُبرَّر أحياناً بكونها جزءاً من الثقافة الاجتماعية، إلا أنّها في جوهرها

تمثل انتهاكاً لمبدأ تكافؤ الفرص، وتُفضي إلى إقصاء الأفراد الأكفأ.

 

2. الجدارة:

أما الجدارة فهي الاعتماد على الكفاءة، المؤهلات العلمية، والخبرة العملية كمعايير رئيسة في التوظيف أو الترقية. تقوم الجدارة على مبدأ العدالة المؤسسية، إذ تعطي كل فرد حقه وفق ما يمتلكه من قدرات، مما

يجعلها دعامة أساسية لتحقيق التنافسية وجودة الأداء.

 

ثانياً: انعكاسات الواسطة على الأداء المؤسسي

 

1. تراجع الكفاءة المهنية:

حين يتم تعيين الأفراد أو ترقيتهم بناءً على الواسطة، تُستبدل الكفاءات الحقيقية بأشخاص يفتقرون للمهارات الضرورية. هذا يؤدي إلى ضعف جودة القرارات الإدارية وتراجع مستوى الإنجاز.

 

2. ضعف الدافعية والتحفيز:

يشعر الموظفون الأكفاء بالإحباط حينما يُستبعدون لصالح أصحاب العلاقات، مما يقلل من التزامهم الوظيفي ويضعف دافعيتهم للعمل الجاد.

 

3. إضعاف العدالة المؤسسية:

الواسطة تقوّض مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، وهو ما يولّد شعوراً بالظلم بين الموظفين، وقد يؤدي إلى نزاعات داخلية وانخفاض مستوى الرضا الوظيفي.

 

4. فقدان الثقة في المؤسسة:

المؤسسات التي تشيع فيها الواسطة تفقد تدريجياً ثقة العاملين والمجتمع، مما ينعكس على سمعتها وقدرتها على جذب الكفاءات المتميزة.

 

5. عرقلة الابتكار والإبداع:

غياب الكفاءات الحقيقية يحدّ من إمكانيات الابتكار، إذ غالباً ما يميل الموظفون الذين حصلوا على مناصب بالواسطة إلى الالتزام بالروتين والجمود، بدلاً من المبادرة والتجديد.

 

ثالثاً: مزايا الجدارة وانعكاساتها على الأداء المؤسسي

 

1. تحسين جودة الأداء:

اختيار الأفراد على أساس الكفاءة يضمن انسجام المهارات مع متطلبات الوظيفة، مما يعزز جودة الإنجاز ويقلل من الأخطاء.

 

2. تعزيز العدالة والثقة:

تطبيق مبدأ الجدارة يعزز العدالة التنظيمية ويُشعر الموظفين أنّ جهودهم وتفانيهم لن يذهبا سدى، وهو ما يقوي روح الانتماء والثقة المتبادلة.

 

3. رفع مستوى الدافعية:

حين يدرك الموظف أنّ الترقية أو المكافأة ترتبط بأدائه الفعلي، فإن ذلك يحفّزه لبذل المزيد من الجهد وتحقيق نتائج أفضل.

 

4. تشجيع الابتكار والإبداع:

بيئة العمل المبنية على الجدارة تستقطب العقول المبدعة، وتتيح لها فرصاً متكافئة للتعبير عن أفكارها، مما يرفع من مستوى الابتكار المؤسسي.

 

5. تعزيز السمعة المؤسسية:

المؤسسات التي تطبّق الجدارة تكتسب سمعة إيجابية في سوق العمل، ما يجعلها أكثر قدرة على استقطاب المواهب والحفاظ عليها.

 

رابعاً: الواسطة والجدارة في سياق التنمية المستدامة

 

لا يمكن النظر إلى مسألة الواسطة والجدارة بمعزل عن الإطار الأشمل للتنمية المستدامة، إذ تشكّل الموارد البشرية العنصر الأكثر أهمية في دفع عجلة النمو الاقتصادي والاجتماعي. فالاعتماد على الواسطة في

 

التعيين والترقية يعيق الاستغلال الأمثل لهذه الموارد، لأن الكفاءات الحقيقية تُقصى أو تُهمّش لصالح أشخاص غير مؤهلين. هذا الواقع يفضي إلى هدرٍ مزدوج: الأول يتمثل في خسارة المؤسسة لطاقات كان يمكن أن

 

تسهم في رفع الإنتاجية، والثاني في تكريس حلقة من التراجع على مستوى المجتمع ككل. في المقابل، فإن تمكين مبدأ الجدارة يعزّز من كفاءة المؤسسات وقدرتها على التكيف مع المتغيرات، إذ يُسهم في خلق بيئة

 

تنافسية عادلة تُحفّز الأفراد على تطوير مهاراتهم باستمرار. كما أنّ المؤسسات التي تقوم على الجدارة تكون أكثر استعداداً للابتكار ومواكبة متطلبات الاقتصاد المعرفي، وهو ما ينعكس إيجاباً على تحقيق التنمية

 

المستدامة بمختلف أبعادها: الاقتصادية، الاجتماعية، والبيئية. وعليه، فإن العلاقة بين الجدارة والتنمية علاقة تكاملية لا يمكن الاستغناء عنها في أي مشروع إصلاحي يسعى إلى النهوض بالمؤسسات وبالمجتمع على حد سواء.

 

خامساً: البعد الأخلاقي والقانوني للواسطة

 

تتجاوز الواسطة كونها ممارسة إدارية غير سليمة لتلامس أبعاداً أخلاقية وقانونية بالغة الأهمية. فمن الناحية الأخلاقية، تتعارض الواسطة مع قيم العدالة والمساواة، إذ تمنح الامتيازات لمن لا يستحقها وتحرم منها من هو

 

أولى بها. هذا التناقض يولّد خللاً في منظومة القيم داخل المؤسسة، حيث يُكافَأ الانتماء الشخصي على حساب الالتزام المهني. أما من الناحية القانونية، فإن العديد من التشريعات الحديثة تنصّ على مبدأ تكافؤ الفرص

 

وحظر التمييز في التوظيف والترقية. وعليه، فإن ممارسة الواسطة لا تُعدّ مجرد خيار إداري، بل قد تشكّل خرقاً صريحاً للقوانين والأنظمة المرعية، بما يعرض المؤسسة للمساءلة القانونية ويضعف مصداقيتها أمام الرأي

 

العام. ومن هنا، يصبح الالتزام بمبدأ الجدارة ليس فقط ضرورة لتحقيق الأداء الأمثل، بل أيضاً واجباً أخلاقياً وقانونياً يعزز من شرعية المؤسسة ويحافظ على استقرارها على المدى الطويل.

 

سادساً: سبل الحد من الواسطة وتعزيز الجدارة

 

1. وضع معايير واضحة للتوظيف والترقية بحيث تكون مبنية على الكفاءة والخبرة والشهادات.

 

2. تعزيز الشفافية من خلال الإعلان عن الوظائف والنتائج بشكل علني.

 

3. استخدام الاختبارات الموضوعية لقياس قدرات المرشحين بعيداً عن الانحياز.

 

4. تعزيز الثقافة المؤسسية التي ترفض الواسطة وتحتفي بالجدارة.

 

5. إيجاد آليات رقابية مثل وحدات التدقيق والحوكمة للحد من المحسوبيات.

 

6. برامج تدريبية لترسيخ مبدأ العدالة التنظيمية لدى القادة والمديرين.

 

 

في الختام: إنّ المقارنة بين الواسطة والجدارة تكشف عن فجوة واضحة بين نهجين متناقضين في الإدارة. فالواسطة، رغم كونها جزءاً من ثقافات اجتماعية معينة، تظلّ عاملاً مدمراً للأداء المؤسسي ولثقة الأفراد

 

بالمؤسسات. أما الجدارة، فهي الطريق الأمثل نحو تحقيق الفعالية، العدالة، والابتكار. ومن هنا، فإن أي مؤسسة تطمح إلى الاستدامة والتنافسية مطالبة بالانتقال من منطق العلاقات الشخصية إلى منطق الكفاءة

 

والعدالة. إنّ مستقبل المؤسسات، ولا سيما في البيئات النامية، يتوقف بدرجة كبيرة على قدرتها في الانتصار للجدارة على حساب الواسطة.

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

يعيش الشرق الأوسط صراع نفوذ بين إيران وإسرائيل المدعومة دولياً، ما يحتم على الدول العربية والإسلامية تجاوز الانحياز العاطفي وقراءة…
سقوط قسد لم يكن مفاجئاً؛ إذ اجتمعت الضغوط السياسية والميدانية والإنسانية لتفكك مشروعها وتفضح هشاشته، نجاح الدولة السورية في حلب،…
لم تكن عودة الشيخ مقصود والأشرفية استعادة جغرافيا فحسب، بل استعادة معنى الدولة حين تحضر بقانونها وجيشها ومؤسساتها، هناك حيث…

القائمة