السردية القومية للأحزاب الكردية: دراسة في مضمون الخطاب والبعد الأيديولوجي

تمهيد

تُشير السردية السياسية إلى ذلك البناء الرمزي الذي تصوغه جماعة أو نخبة سياسية عن نفسها وعن الآخرين وعن الماضي والحاضر والمستقبل، عبر حياكة قصة متماسكة ظاهرياً عن الهوية والظلم والحق والغاية. وتتكوّن هذه السردية من انتقاء أحداث معيّنة، وتأويلها في ضوء منظومة قيمية مسبقة، ثم إعادة تقديمها في شكل خطاب مستمر عبر الخطب والبيانات والرموز والشعارات، بحيث تغدو مرجعاً لإنتاج الوعي الجمعي وتوجيه السلوك السياسي. ومن هنا تتداخل السردية السياسية مع الهوية بوصفها محدِّداً لمن “نحن”، وتغدو أداة لتأسيس الشرعية عبر تبرير من يملك حق التمثيل والقيادة، كما تتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع السلطة وحدودها داخل المجتمع وفي علاقته بغيره.

 

في هذا الإطار تتناول هذه الورقة السردية التي تنتجها الأحزاب القومية الكردية، ولا سيما في سوريا، حول التاريخ والهوية والحقوق، كما تتبدّى في خطابها عن “الأمة الكردية” و“الأرض الكردية” و“المظلومية الكردية”، مع استحضار الخلفية العراقية والتركية والإيرانية التي تُغذّي هذا الخطاب وتوسّع مداه الرمزي. ولا يهدف البحث إلى نفي وجود مظالم حقيقية أو إنكار خصوصية الهوية الكردية، بل يسعى إلى تفكيك هذه السردية على نحو نقدي؛ أي كشف آليات بنائها، وتعرية وجوه التعميم والانتقاء والتسييس فيها، وبيان ما تحجبه من تعقيدات اجتماعية ودينية وتاريخية، بعيداً عن أي مقاربة عدميّة تُسقط التجربة من أصلها.

 

تعتمد الورقة منهج تحليل الخطاب من خلال قراءة متقاطعة لبرامج الأحزاب القومية الكردية، ووثائقها التأسيسية، وخطب قياداتها وتصريحاتها الإعلامية، مع ربط هذا الخطاب بسياقه التاريخي والجهوي في مناطق انتشار الكرد الأساسية في العراق وسوريا وتركيا وإيران. وسيجري التعامل مع هذه النصوص بوصفها تعبيراً عن إرادة إنتاج معنى معيّن للتاريخ والواقع، لا مجرد تسجيل محايد للوقائع، مع الإشارة السريعة إلى المحطات التاريخية الكبرى في هذه الأقاليم التي شكّلت مادة أولية لصياغة السردية القومية، بما يسمح بقراءة أعمق لموقع الكرد في المشرق، وحدود ما تقوله الأحزاب القومية عنهم وما تسكت عنه.

 

مدخل تاريخي: نحو سبر جذور السردية

 

تعود الجذور العميقة لتشكّل السردية القومية الكردية إلى المراحل المتأخرة من العهد العثماني، حين بدأت البنية التقليدية للإمارات الكردية في التفكك تحت وطأة إصلاحات المركز العثماني وضغط القوى الإقليمية والدولية، ما أفسح المجال لولادة وعي قومي حديث يتجاوز الانتماء العشائري والمحلي. وفي هذا السياق انتقلت النخب الدينية والقبلية والمدينية من موقع الوسيط بين السلطة والإمارات والعشائر إلى موقع الفاعل السياسي الذي يستخدم لغة “الحقوق” و“القومية” في مواجهة سياسات التتريك والدمج القسري، خاصة مع تصاعد الصراع العثماني – الصفوي ثم العثماني – الجمهوري الكمالي.

 

وتستعيد السردية الحزبية القومية الكردية مجموعة من اللحظات المفصلية بوصفها محطات مؤسسة لوعيها السياسي: انهيار الإمارات الكردية في القرن التاسع عشر، وثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 ضد سياسات التتريك والعلمانية المتشددة في تركيا، وثورات البارزاني في العراق، وتجربة جمهورية مهاباد قصيرة العمر في إيران عام 1946، ثم الانتفاضات الكردية في العراق خلال التسعينيات وما أفضت إليه من إقليم شبه مستقل، وصولاً إلى تجربة الإدارة الذاتية في سوريا بعد 2011 وما رافقها من توسع عسكري وإداري في شمال وشرق البلاد. هذه اللحظات تُستحضر في الخطاب الحزبي المعاصر كخيط تاريخي واحد، رغم اختلاف سياقاتها، لتكوين صورة مسار نضالي متصل من “الإمارة” إلى “الثورة” إلى “الكيان”.

 

ومع الزمن تتحول هذه الوقائع المتنوعة إلى ما يشبه “أساطير تأسيسية” تُعاد صياغتها في الأدبيات الحزبية والشعارات والرموز، بحيث تُسقِط تعقيداتها التاريخية لمصلحة قصة بسيطة عن شعب موحد، وقضية واحدة، وعدو متكرر، ونخبة قيادية تحمل راية التحرر جيلاً بعد جيل. وبهذا المعنى لا تُستخدم ثورة الشيخ سعيد أو تجربة مهاباد أو الإدارة الذاتية في سوريا كأحداث تُدرَس في سياقاتها، بل كعناوين كبرى لتبرير المشروع القومي الراهن، وإضفاء هالة شرعية عليه بوصفه الحلقة الأخيرة – أو الأهم – في سلسلة كفاح تاريخي ممتد.

 

أركان السردية: المكونات الكبيرة لوصفة العمل

 

تتأسس السردية الحزبية القومية الكردية – كما تعكسها وثائق عدد من الأحزاب الكردية وخطاباتها – على ثلاثة مكوّنات كبرى متداخلة: الهوية والأرض والمظلومية، تُبنى جميعها بوصفها مرتكزات لشرعية التمثيل واحتكار النطق باسم «الشعب الكردي». تشير بعض الأدبيات الحزبية إلى الكرد بوصفهم «أمةٌ عريقة حُرمت من حقها الطبيعي في الدولة»، وتصف حركتها السياسية بأنها «استمرار لنضال أمتنا الكردية في سبيل الحرية وتقرير المصير»، بما يحوّل هذه العناصر من توصيفات ثقافية إلى دعائم لشرعية سياسية شاملة.

 

الهوية الداخلية: حين يفشل الممثل في تعريف ذاته

 

في مستوى الهوية، تُبرز البرامج الرسمية لأحزاب مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) توصيف الكرد بكلمة «أمتنا» أو «شعبنا الكردي» المتمتّع بـ«خصوصية قومية ولغوية وتاريخية» ينبغي أن تُترجم إلى «كيان سياسي معبِّر عن إرادته». وتُقدَّم اللغة الكردية بوصفها «الوعاء الأصيل لروح الأمة»، مع استدعاء واعٍ للتراث الأدبي والملحمي مثل مم و زين، والرموز الوطنية كالعلم الكردي وألوانه، وشعارات من قبيل «وحدة الأمة الكردية من باكور إلى روج آفا»، في وثائق وخطابات مختلفة، لتثبيت صورة الكرد كجسد قومي متمايز سابق على تشكّل الدول الحديثة في المنطقة. هذا الخطاب يمهّد للانتقال من المطالبة بـ«الحقوق الثقافية والدستورية» داخل الكيانات القائمة إلى الحديث عن «حق تاريخي» في الدولة القومية، كما يرد في أدبيات أحزاب عراقية وسورية على السواء عند الحديث عن «حقنا في تقرير مصيرنا على أرض كردستان التاريخية».

 

لعنة الجغرافيا والحدود:

 

أما الأرض، فتُعاد صياغتها في نصوص العديد من الأحزاب تحت مفهوم «كردستان» كوحدة جغرافية – سياسية ممتدة عبر تركيا والعراق وإيران وسوريا، مع استخدام تعابير من قبيل «أجزاء كردستان الأربعة» في وثائق وبرامج سياسية منشورة لأحزاب ذات امتداد عابر للحدود. في بيانات أحزاب سورية مرتبطة أو متحالفة مع حزب العمال الكردستاني، يحضر مصطلح «روج آفا» بوصفه «الجزء الغربي من كردستان»، وتُقدَّم مشاريع «الإدارة الذاتية» أو «الفيدرالية الديمقراطية» كخطوات مرحلية على طريق «تحقيق وحدة شعبنا في عموم كردستان» – وهي صياغات تتكرر في أدبيات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وتقارير تحليلية تناولت خطابها الرسمي. بذلك تغدو صيغ مثل الفيدرالية أو الإقليم أو الإدارة الذاتية ليست حلولاً نهائية بقدر ما هي مراحل متتابعة في مسار مشروع قومي أكبر، تُعرّفه بعض الوثائق بوضوح على أنه «تحرر وتوحيد كردستان».

 

المظلومية: نقطة الارتكاز وقطب الرحى

 

وفي مستوى المظلومية، تحتل سردية الاضطهاد موقعاً مركزياً في نصوص الأحزاب ومنابرها، حيث تُستحضر سياسات التعريب في سوريا، والتتريك في تركيا، والقمع في إيران، وحملات الأنفال وقصف حلبجة في العراق، ضمن عبارات من قبيل «قرن من سياسات الإبادة والصهر القومي التي استهدفت شعبنا الكردي في الأجزاء الأربعة لكردستان» كما يرد في بعض البيانات المشتركة والتحليلات الفكرية المقربة من هذه الأحزاب. وتُستخدم هذه الوقائع لصياغة صورة «شعب تعرّض لمحاولات المحو والتهجير والإنكار» يواجه «أنظمة شوفينية» متعاقبة، مع تأكيد متكرر – في وثائق الإدارة الذاتية وتقييمات مشروعها – على أن الكيانات الحزبية الراهنة هي «الممثل الشرعي» أو «القوة المدافعة عن شعبنا في مواجهة سياسات الإبادة»، وهو ما يُدمَج في خطاب الحرب على تنظيم الدولة عبر تعبيرات مثل «قواتنا التي حمت شعوب المنطقة والعالم من الإرهاب» في نصوص رسمية صادرة عن قسد ومؤسساتها. بهذه الطريقة تتحول المعاناة التاريخية إلى رأس مال رمزي وسياسي، يتيح للأحزاب تبرير خيارات عسكرية وتحالفات دولية وإجراءات داخلية حتى عندما تُواجَه باعتراضات من شرائح كردية أو من المكوّنات العربية والتركمانية المجاورة، بدعوى أن أي مساس بهذه القوى هو مساس بـ«قضية شعبنا» أو «حقوق أمتنا الكردية» التي «دفعت أنهاراً من الدم» في سبيلها.

 

تناقضات السردية القومية: بين الشعاراتية الزائفة وحلم الفردوس الأرضي

 

تظهر التناقضات العملية للسردية القومية الكردية بوضوح في التجربة السورية، حيث يُكشف الواقع الحزبي والاجتماعي عن مسافة واسعة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية على الأرض، كما يعكس ذلك تحليلات وثائق الأحزاب نفسها.

 

البنية الحزبية والهيكلية المتردية:

 

في مستوى تشرذم البنية الحزبية، تبدو خريطة الأحزاب الكردية السورية مثقلة بالانقسامات التاريخية والتنظيمية، سواء بين الأحزاب التقليدية مثل الحزب الديمقراطي الكردي السوري (PDK-S / بارتي) الذي انقسم عام 1963 إلى يساري وتقدمي قبل توحُّده مع يكيتي، أو بينها وبين كيانات مثل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ذات الامتداد التركي، أو حزب الوحدة الديمقراطي الكردي (يكيتي) الذي يدعو في برنامجه إلى «الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكردي في إطار وحدة سوريا» مع التركيز على «النضال السلمي»، أو حزب (AZADI) الذي يؤكد «حقوق الكرد في الإدارة الذاتية». هذا التعدُّد أنتج تعددية شكلية تعكس صراعاً على التمثيل والشرعية والنفوذ أكثر مما تعبِّر عن تعددية سياسية صحية، وينعكس على المجتمع الكردي في استقطابات عائلية وعشائرية ومناطقية، كما يؤثر في علاقته بجواره العربي في الجزيرة والفرات وعفرين وحلب، حيث يُعمِّق الشك المتبادل والتوتر اليومي المتغذِّي من الخطاب الإعلامي المتوتر كما في بيانات PDK-S ويكيتي حول «الوحدة الكردية» مقابل رفض PYD لـ«أي اتفاق مناهض لمصالح كردستان».

 

بين الواقع والمأمول: تحليل فجوة الطرح القومي:

 

أما الفجوة بين خطاب التحرر وممارسة السلطة فتتجلّى في أداء الإدارة القائمة في مناطق سيطرة القوى ذات الطابع القومي مثل PYD، إذ تُمارَس السلطة عبر آليات تقرِّبها من «سلطة الأمر الواقع» أكثر مما تقرِّبها من النموذج التحرري المعلن في برنامجها مثل «ترسيخ الإدارة الذاتية وضمان حقوق الشعب الكردي دستورياً»؛ من خلال عسكرة المجتمع، وتقييد الحريات السياسية، وفرض مناهج أحادية تعيد إنتاج السردية القومية، مع تغيّرات في البنية الدينية والاجتماعية والاقتصادية. وتتشابه هذه الملامح مع تجارب حزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) في العراق الذي يُنتقَد لاستخدام السردية القومية غطاءً لشبكات مصالح عائلية، بينما يدَّعي برنامجه «التجديد والعدالة والتعايش»، أو حتى في تركيا مع PKK، مقابل خطاب PDK-S ويكيتي الذي يبقى نظرياً في دعوتهما «النضال السلمي والديمقراطية العالمانية».

 

إشكالية التعايش كأبرز عوائق الخطاب الحزبي

 

إن خطاب بعض الأحزاب الكردية في سوريا، مثل PYD و”يكيتي”، غالباً ما يتعامل مع المكونات الأخرى (العربي أو التركماني) باعتبارها جزءاً من “النظام الاستبدادي” أو “منافساً على التمثيل الوطني”. هذا التصوير يُعزز ثنائية قومية حادة (كرد مقابل عرب) ويهدد إمكانية بناء تعايش مشترك. نتيجة لذلك، يتم تفسير التحالفات العسكرية والسياسية والخطابات الإعلامية من خلال عداء قومي، مما يُضعف الجهود لإصلاح العلاقات التاريخية بين الكرد ومحيطهم في سوريا، رغم وجود دعوات من أحزاب أخرى مثل AZADI وPDK-S تؤكد على “الاعتراف بالخصوصية مع الحفاظ على الوحدة السورية”.

 

المظلومية بوصفها نسق أداتي خارج المألوف:

 

تحتل المظلومية موقع القلب النابض في السردية القومية الكردية، ولا سيما في خطاب الأحزاب السورية، حيث تتحول من وصف لوقائع تاريخية وسياسات قمعية إلى بنية تفسيرية شاملة تُقرأ من خلالها كل معضلة سياسية واجتماعية.

هذا المرتكز ليس عرضياً، بل هو الرابط الذي يجمع بين عناصر الهوية والأرض، ويمنح الأحزاب شرعيةً تبدو مطلقة في تمثيل «الشعب الكردي المضطهد».

 

المظلومية كـ«هوية جرح» عابرة للحدود:

 

يُعاد تجميع ذاكرة الظلم الممتدة بين سوريا والعراق وتركيا وإيران في قالب واحد، كما في برنامج حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الذي يصف «قرنين من الاضطهاد والإبادة الثقافية للشعب الكردي في الأجزاء الأربعة لكردستان»، ويربط سياسات التعريب في سوريا بثورة الشيخ سعيد في تركيا وحلبجة في العراق، دون تمييز بين مستويات القمع أو السياقات السياسية المختلفة. كذلك يستدعي حزب الوحدة الديمقراطي الكردي (يكيتي) في بياناته «التاريخ المأساوي للكرد تحت سياسات الإنكار في سوريا والدول المجاورة»، بينما يؤكد حزب (AZADI) «حقوق الكرد المضطهَدين تاريخياً في الجزيرة وعفرين»، مما يحوّل هذه الذاكرة إلى هوية جرح جامعة تفرض على الكرد أن يقرأوا ذواتهم أولاً كضحايا قبل أي تعريف آخر.

 

يُعاد إنتاج هذه المظلومية في المناهج الحزبية غير الرسمية لـPYD وPDK-S، حيث تُقدَّم كسلسلة غير منقطعة من «المجازر والتهجيرات»، وفي الإعلام التابع مثل رووداو أو بيانات يكيتي التي تركِّز على «الشهداء والمظالم»، والرموز البصرية كصور حلبجة والشهداء في كل مناسبة، فتترسَّخ لدى الأجيال الشابة ذاكرة انتقائية تُعمِّم الشكّ على المحيط العربي – السنِّي دون تحويل الجرح إلى مشروع إصلاح مشترك.

 

استثمار المظلومية في إعادة تعريف الحلفاء والخصوم:

 

تُوظَّف المظلومية لإعادة رسم خريطة الحلفاء، كما في خطاب PYD الذي يحوّل الدعم الأمريكي في مكافحة داعش إلى «اعتراف دولي بقضية الكرد المضطهَدين»، مقابل وصف البيئة العربية – الإسلامية بـ«شريكة في الإنكار والقمع» في بياناته حول «اتفاقيات هجين والقامشلي». ويُشيطَن المحيط في نصوص PDK-S كـ«النظام السوري الذي مارس التمييز القومي»، بينما يدعو يكيتي في برنامجه إلى «رفض الشوفينية العربية»، مما يُصوِّر الجوار كبيئة اضطهاد تاريخي.

 

هذا الانزياح ينتقِل من الانتماء الإسلامي السنِّي المشترك – الذي عاش فيه الكرد والعرب تحت سقف واحد من الدين والجهاد والعلم – إلى تموضع هويّاتي ضيِّق يقطع الجسور، فيصبح الغربي الداعم أقرَبَ من العربي السنِّي المُتَحَفِّظ، مخالفاً لقيم الأخوّة الإيمانية التي جمعت هذه الشعوب.

 

أثر المظلومية العابرة للحدود ومخاطر الاستنساخ:

 

تتغذَّى سردية الأحزاب السورية مثل PYD من خطاب PKK التركي الذي يصف «الكرد شعباً مضطهَدَاً في أربع دول»، ومن KDP العراقي الذي يستدعي «الأنفال والحلبجة» كدليل على «حق الكرد في الكيان»، ومن أحزاب إيرانية مثل PJAK. هذا الاستنساخ غير النقدي يتجاهل خصوصية سوريا السكانية المختلطة، ويُخاطِر بتحويل المجتمع الكردي إلى ساحة صراع إقليمي، وتعميق التوتر مع الجيران العرب والتركمان، بدلاً من بناء تعايش يستند إلى الروابط الدينية والاجتماعية المشتركة.

 

دور القوى الإقليمية في بناء السردية القومية: تقاطُع الأمن القومي والاستثمار الاستراتيجي:

 

تُشكِّل البيئة الإقليمية والدولية محوراً حاسماً في صياغة السردية القومية الكردية في سوريا، إذ تتحوَّل القضية الكردية إلى ساحة اشتباك جيوسياسي يُعيد تعريف حدود الهوية والشرعية والخيارات السياسية، ويكشف عن نسق ارتهان مزدوج يهيمن على علاقات الأحزاب الكردية السورية الخارجية: الارتهان إلى قنديل (كناية عن حزب العمال الكردستاني PKK وقنْدِيلِهِ الإيديولوجي اليساري – العسكري)، أو إلى أربيل (كناية عن حزب الديمقراطي الكردستاني KDP وبارتي، ومركزه الريعي – العشائري)، مع آثار عميقة على استقلالية الخطاب والقرار.

 

التهديدات الإقليمية والتصاعد المستمر:

 

ترى تركيا والعراق وإيران في القضية الكردية تهديداً أمنياً مباشراً، مرتبطاً بمخاوف الانفصال والتوسُّع. أنقرة، التي قَمَعَتْ ثورة الشيخ سعيد (1925) وشهدت صراعاً مستمراً مع PKK منذ الثمانينيات، تستثمر الورقة الكردية في سوريا عبر عمليات عسكرية مثل «غصن الزيتون» (2018) في عفرين لقطع خطوط التموين مع PKK، بينما يُستخدم العراق (أربيل خاصة) الكرد السوريين كورقة في توازناته مع أنقرة، كما في اتفاقيات بيشمركة مع PDK-S مقابل ضغوط على PYD، وطهران تدعم فصائل كردية معارضة لـPKK لمواجهة نفوذ أنقرة.

هذا الاشتباك ينعكس على خطاب الأحزاب السورية بنسق الارتهان المزدوج: PYD ويكيتي يميلان إلى «قنديل» في تشدُّد قومي عابر للحدود (دعم من بغداد أو روسيا ضد تركيا)، بينما PDK-S وAZADI يرتبطان بـ«أربيل» في مرونة تكتيكية (توافقات مع أنقرة أو بغداد)، مما يُنتج خطاباً يتذبَّذُ بين الاستقلالية الشعارية والارتهان الواقعي، كما في انقسامات حول اتفاق سينجار (2020).

 

دور القوى الدولية: من الوكيل الميداني إلى الاعتراف الرمزي

 

استثمرت الولايات المتحدة والتحالف الدولي الأحزاب الكردية (خاصة قسد/PYD) في الحرب على داعش (2014–2019)، حيث أصبحت PYD وكيلاً محلياً رئيسياً في معارك كوباني والرقة، مع دعم لوجستي وعسكري بلغ مئات الملايين، ثم إدماج ذلك في سرديتها كـ«اعتراف دولي بقضية الكرد المضطهَدة»، كما في بيانات PYD «القوى الديمقراطية حصلت على اعتراف العالم بحقوق شعبنا».

 

لكن هذا التموضُّع يحمل تبعات أخلاقية (تحالف مع قوى خارجية ضد إخوان الدين والعرق)، وعملية (توتر مع المحيط السنِّي الذي شارك الاستبداد، كما في ثورات الربيع العربي)، حيث يُقرَأ كانفصال عن الفضاء الإسلامي المشترك، مُعَادِلَاً لدعم PKK من سوريا أو إيران، مقابل علاقات PDK-S بأربيل وأمريكا.

 

أثر البعد الإقليمي – الدولي على الخيارات: مفترق الارتهان أو الاستقلال:

 

يضع هذا النسق الكرد السوريين أمام مفترق حاد: الاستمرار في الارتهان المزدوج إلى «قنديل» (تشدُّد عسكري – إيديولوجي، دعم من روسيا/إيران، كما في PYD) أو «أربيل» (ريع سياسي – عشائري، توافقات مع أمريكا/تركيا، كما في PDK-S)، مع مخاطر التقلبات الخارجية كما في انسحاب أمريكي جزئي (2019)؛ أو الانتقال إلى إعادة وصل بالمحيط الاجتماعي – الديني السنِّي عبر مراجعة داخلية، كدعوة يكيتي لـ«شراكة وطنية ديمقراطية» بغض النظر عن صدق توجهها، لتحقيق استقلالية حقيقية بعيداً عن الارتهان.

 

التحرر من أسر السردية القومية: نحو أفق جامع:

 

يتطلب الخروج من أسر السردية القومية المغلَّفَة بالمظلومية إعادة ترتيب جذريّة لأولويات الوعي الكردي في سوريا، بربطها من جديد بمحيطها الإسلامي السنِّي الذي شكَّلَ مسارها التاريخي والعقدي.

 

إعادة تأكيد الانتماء العقدي والتاريخي المشترك:

 

تنتمي الغالبية الساحقة من الكرد في سوريا والعراق وتركيا وإيران إلى الفضاء الإسلامي السنِّي، مشاركين العرب والتركمان وغيرهم ميراثاً واحداً من العقيدة الإسلامية والفقه الشافعي والتصوف، مع إسهامات كردية بارزة في العلوم الشرعية. هذا الانتماء لا ينفي الخصوصية القومية الكردية اللغوية والثقافية، بل يضعها ضمن دائرة أوسع هي الأمَّة، مانعاً تحويلها إلى جدار عازل أو مشروع انعزال يقطع الجذور الدينية والاجتماعية الممتدَّة قروناً.

 

ملامح حلٍّ يقوم على شراكة إسلامية جامعة:

 

يستثمر الحلُّ المشتركات العقدية كالعدل كما في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ»، رفع الظلم، حرمة الدماء، والأخوّة الإيمانية، لبناء تعايش يُقِرُّ بحقوق الكرد اللغوية والثقافية والاجتماعية ضمن رابطة إسلامية عابرة للعرق. يُشجَّع على أطر علمائية مشتركة بين علماء كرد وعرب وتركمان، كمجالس فقهية أو مؤتمرات شرعية تصوِّغ خطاباً يُحَارِبُ العصبيَّات القوميَّة ويُؤَسِّسُ لوعي «أمَّتِيٍّ» لا «قَبِيلَتِيٍّ»، مستلهِمَةً من تجارب الإصلاح الإسلامي الإقليمي والمحلِّي.

 

استبدال منطق الصراع بمنطق الإصلاح والميثاق الأخلاقي:

 

تدعى الاحزاب القومية الكردية في سوريا الى مراجعة نقدية داخلية تنقلها من توظيف المظلومية لتبيت نفوذ ضيق الى خطاب اصلاحي يستند الى قيم العدل ورفع الحيف عن جميع المكونات. ويطرح ميثاق اخلاقي مشترك يضبط ادارة الاختلاف القومي، ويضمن عدم استغلال الخارج لخلافات الداخل، مع ترك الباب مفتوحا لاجتهادات سياسية متعددة ما دامت محكومة بهذا السقف القيمي العام.

 

خاتمة:

 

في ختام هذه الورقة البحثية، تكشف السردية القومية الكردية عن بنية رمزية تجمع بين الجرح الحقيقي والتعميم المفرط، حيث تُختزل تعقيدات التاريخ إلى قصة «أمة مظلومة» تمنح نخبة معينة احتكار التمثيل والقيادة، مع إغفال ما يفقده الجميع من حرية وعَدْل. ودون تجاوز لهذه الحدود الضيقة، سيظل الخطاب الكردي محاصراً بمفترق الارتهان بين قنديل العنف المستمر وريع أربيل، مع مخاطر تقلب المصائر حسب مصالح الخارج.

 

الحل يكمن في ترتيب دوائر الانتماء المتراكبة: أمَّة إسلامية جامعة كإطار أساسي، تحتها خصوصية قومية معترف بها، وروابط جهوية متداخلة، فتصبح المظلومية دافعاً للتراحم لا للقطيعة. هذا الأفق الإصلاحي يتجسَّد في ميثاق أخلاقي يُجدِّد عهد الفضل والقسط، يدير الاختلاف دون صراع، ويمنع استغلال الخارج للداخل، مع مجال لاجتهادات سياسية متعددة تحت سقف قيمي عام. إذا صدَقَتْ النيَّاتُ وتوافَقَتْ النُّخْبُ، يمكن – بإذن الله – تحويل العداوة إلى حلف إيماني، والخلاف إلى تكافل عادل، والجرح إلى شفاء للجميع في رابطة كردية حقيقية تتجاوز العصبيَّات.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

التعيينات الدبلوماسية ليست اختبار أسماء، بل امتحان كفاءة وقدرة على الفعل في عالم سريع التحوّل، فالخبرة الحقيقية هي ما يصنع…
لم يكن الملف الكردي في سوريا أزمة حقوق فقط، بل مشروع توظيف سياسي جرى استثماره داخليا وخارجيا حتى لحظة انكشافه،…
في لحظة تعيد فيها سورية إعادة مقاربة العلاقة بين الدين والدولة، يقف التعليم الديني الجامعي عند مفترق طرق حاسم بين…

القائمة