المرسوم (13) والجمهورية الثالثة: كيف فكّك الرئيس أحمد الشرع “لغم الانفصال” عبر بوابة المواطنة؟

في مشهد سياسي سوري شديد التعقيد برزت استراتيجية الرئيس الشرع تجاه المكون الكردي كواحدة من أكثر التحولات براغماتية وجرأة في التاريخ السوري. لم تكن هذه الاستراتيجية مجرد مناورة عسكرية عابرة، بل كانت “هندسة سياسية” متكاملة تهدف إلى فك الارتباط العضوي بين الكرد السوريين وأيديولوجيا جبال قنديل (المتمثلة في حزب العمال الكردستاني PKK)، وإعادة دمجهم في جسد الدولة السورية كشريك وطني لا كأقلية متمردة.

 

بدأت هذه الرحلة من خلال تغيير السردية؛ فبينما كان الخطاب التقليدي السابق يحصر القضية الكردية في إطار أمني أو صدام قومي، جاء الشرع ليطرح معادلة جديدة قوامها “المواطنة”.
لقد أدرك الرئيس الشرع أن استمرار سيطرة “قسد” بمرجعيتها القنديلية يشكل عائقاً أمام استقرار الدولة السورية، ليس فقط بسبب النزعة الانفصالية؛ بل لأنها تحول الجغرافية السورية إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية تحديداً مع الجانب التركي لذا اعتمد في استراتيجيته على سحب البساط الأخلاقي والسياسي من تحت أقدام منظومة قنديل عبر تقديم ما عجزت هي عن تقديمه للكرد “الشرعية القانونية داخل حدود الوطن”.

 

الثورة التشريعية التي أنهت عقوداً من التهميش والإقصاء:

يُمثل المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي أصدره أحمد الشرع بصفته رئيساً للجمهورية العربية السورية (في ظل التحولات السياسية الجديدة)، حجر الزاوية في استراتيجيته لفك الارتباط بين المجتمع الكردي وأيديولوجيا قنديل. هذا المرسوم ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو “مانيفستو” سياسي يهدف إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي السوري.

 

إن دسترة الهوية الوطنية بدلاً من القومية الإقصائية بنص المرسوم في مادته الأولى على أن “الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري”. يُنهي عقوداً من الإنكار الأيديولوجي. الرئيس الشرع يريد أن يقول للكرد: “الدولة السورية تعترف بكم كمكون بنيوي، وليس كأقلية طارئة. من خلال هذا المرسوم، عالج الرئيس الشرع أعمق الجروح الكردية؛ حيث أعلن إلغاء نتائج إحصاء 1962 الجائر، مانحاً الجنسية لآلاف السوريين الكرد الذين عاشوا لعقود كـ “أجانب” في أرضهم.

 

 

لم يتوقف الأمر عند الحقوق المدنية، بل امتد للرمزية الثقافية عبر دسترة اللغة الكردية كلغة وطنية واعتبار عيد النوروز عطلة رسمية، وهي خطوات كانت تُعتبر في السابق خطوطاً حمراء لا تجرؤ سلطة الأسد على الاقتراب منها. الهدف السردي من هذا المرسوم كان واضحاً من خلال توجيه رسالة مباشرة للمواطن الكردي في القامشلي وعفرين وكوباني بأن “حقوقك مصونة بضمانة الدولة، وليست رهينة لبندقية مقاتل قادم من خلف الحدود”. وبذلك، وضع الشرع قيادة “قسد” في مأزق وجودي؛ فإذا كانت الدولة قد منحت الحقوق الثقافية والسياسية والمدنية، فما هي الحجة للاستمرار في مشروع “الإدارة الذاتية” الذي يضع المنطقة في فوهة المدافع الدولية؟

 

بين سندان الأيديولوجيا ومطرقة الجغرافيا، أعاد أحمد الشرع تعريف الكينونة الكردية في سوريا من خلال إحلال الرمزية الصلاحية محل العدمية القنديلية. إن ندائه “يا أحفاد صلاح الدين” لم يكن مجرد استحضار لأسطورة تاريخية، بل كان تفكيكاً بنيوياً للمظلومية التي اقتات عليها حزب العمال الكردستاني؛ فبينما تسعى أيديولوجيا قنديل لـ تغريب الكردي السوري وتحويله إلى “بروليتاريا ثورية” عابرة للحدود بلا وطن مستقر، جاء الشرع ليمنحه المرجعية والمكان.

 

وبذلك يصبح المرسوم رقم (13) هو التجسيد المادي لهذا الانعتاق، حيث تتحول الحقوق من منحة حزبية ملوثة بالدماء إلى استحقاق سيادي يربط مصير أحفاد صلاح الدين بترابهم السوري، ويجعل من الانفصال ليس مجرد خيانة وطنية، بل انتحاراً تاريخياً ينفي عنهم إرثهم السيادي في قلب المنطقة.

 

في الختام، تمثل استراتيجية الرئيس أحمد الشرع تجاه الكرد محاولة لإعادة صياغة الهوية السورية على أسس مواطنة جغرافية بدلاً من الأدلجة القومية أو الحزبية. هي رهان على أن “المواطنة” هي الترياق الوحيد لمشاريع الانفصال والتدخلات الخارجية، ونجاح هذه الاستراتيجية قد يعني بداية النهاية لأطول صراع عرقي-سياسي، وفشلها قد يبقي المنطقة في حالة استنزاف دائم.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

لم يتغيّر خطاب قسد نضجًا، بل انكسر تحت وقع الهزيمة، فاستبدل لغة الفرض بلغة التبرير، وحين يسقط الوهم الخارجي، لا…
سقوط قسد لم يكن مفاجئاً؛ إذ اجتمعت الضغوط السياسية والميدانية والإنسانية لتفكك مشروعها وتفضح هشاشته، نجاح الدولة السورية في حلب،…
قسد مشروع وُلد في فراغ الحرب وعاش على دعم الخارج، بلا شرعية وطنية ولا جذور شعبية، ومع تبدّل الموازين، تقترب…

القائمة