الجيش السوري الجديد في ميزان الانتقال السياسي: قراءة نقدية في تقرير نيويورك تايمز

بين ضرورات التأسيس وملاحظات الإعلام الغربي في مرحلة ما بعد الثورة

 

مقدمة: الجيش في ميزان الانتقال السياسي

 

في لحظات الانتقال السياسي الكبرى، لا تكون الجيوش مجرد مؤسسات أمنية، بل تتحول إلى مرآة تعكس طبيعة التحول نفسه: هل هو انتقال من سلطة قمعية إلى دولة، أم مجرد إعادة توزيع للقوة؟ ولهذا، فإن تقييم أي جيش ناشئ بعد ثورة لا يُقاس بمعايير الكمال أو النماذج المستقرة، بل بميزان أدقّ: اتجاه التحول، وحدود القطيعة مع الماضي، وقدرته على التحول من أداة سلطة إلى مؤسسة وطنية خاضعة للشرعية السياسية. في تجارب ما بعد الثورات، من أوروبا الشرقية إلى أميركا اللاتينية وأفريقيا، لم تُبنَ الجيوش دفعة واحدة، بل عبر مسارات انتقالية متدرجة، تداخلت فيها ضرورات الأمن مع متطلبات العدالة الانتقالية وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

 

وغالبًا ما اتسمت هذه المسارات بالتوتر والتناقض، بين الحاجة إلى تفكيك البنى القمعية القديمة، واستيعاب الخبرات غير المتورطة بالجرائم، ودمج القوى التي حملت عبء الصراع ضمن إطار مؤسسي منضبط. من هذا المنظور، يصبح وضع تجربة الجيش السوري الجديد في ميزان الانتقال السياسي ضرورة تحليلية، لا موقفًا دفاعيًا ولا تبريرًا سياسيًا. وهو الميزان الذي يتيح قراءة تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» قراءة نقدية ، لا تنفي الملاحظات الواردة فيه، لكنها تعيد وضعها في سياقها التاريخي والسياسي، وتفصل بين الإشكالات البنيوية الطبيعية في مرحلة التأسيس، وبين الأحكام المتعجلة التي تقيس تجربة خارجة من الحرب بمعايير دول مستقرة.

 

أولًا: حلّ الجيش القديم بين الضرورة السياسية ومتطلبات العدالة:

 

يشير التقرير إلى أن أول قرار اتخذته قوى المعارضة بعد وصولها إلى الحكم كان حلّ الجيش السابق باعتباره أداة قمع لعقود. هذا الوصف، من حيث المبدأ، دقيق. فالجيش الذي ارتبط اسمه بالبراميل، والحصار، والتعذيب، وفقد أي حياد وطني، لا يمكن ببساطة إعادة تدويره بوصفه مؤسسة جامعة. في أدبيات العدالة الانتقالية، يُعد تفكيك أجهزة القمع شرطًا أوليًا لاستعادة ثقة المجتمع بالدولة. والمفارقة أن القيادة الجديدة في سوريا اختارت مسارًا أقل جذرية مما عرفته ثورات أخرى، إذ اكتفت بالعزل والملاحقة المحدودة لكبار المتورطين، بدل الذهاب إلى محاكمات واسعة أو إقصاء شامل.

 

أما مسألة إدارة الدولة وفق منطق الولاءات، فهي ليست استثناءً سوريًا، بل سمة ملازمة لأي انتقال سياسي، حتى في أعرق الديمقراطيات. فالتحولات الكبرى تعيد ترتيب مراكز النفوذ، وتعيد بناء دوائر الثقة، إلى أن تستقر المؤسسات وتُضبط بقواعد دستورية واضحة.

 

يثير التقرير مسألة عدم امتلاك بعض القادة العسكريين شهادات تعليمية كافية، ويقدّم ذلك بوصفه مؤشرًا على ضعف التأهيل. غير أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة الجيوش في مراحل ما بعد النزاعات، حيث لا تكون الشهادة الأكاديمية معيار الكفاءة الوحيد، ولا حتى الأهم في كثير من الأحيان.

 

الأهم من ذلك أن التقرير يغفل حقيقة أساسية، وهي أن قيادة الجيش الجديد دعت جميع الضباط المنشقين عن النظام السابق، ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين، إلى العودة إلى مواقعهم الطبيعية في المؤسسة العسكرية، مع منحهم الترفيعات التي حُرموا منها طوال سنوات الثورة بسبب مواقفهم السياسية. وهذا القرار يعكس اعتماد مقاربة مزدوجة: استيعاب الخبرة النظامية النظيفة من جهة، ودمج الخبرة الميدانية التي راكمها مقاتلو الثورة من جهة أخرى.

 

في هذا السياق، يصبح معيار السجل الأخلاقي والخبرة الميدانية لا الشهادة وحدها  عنصرًا حاسمًا في عملية الاختيار، وهو معيار يتسق مع روح التحول لا مع منطق الدولة البوليسية السابقة.

 

ثالثًا: التدريب، التأهيل الخارجي، والانضباط العسكري :

 

من النقاط التي أغفلها تقرير «نيويورك تايمز»، وتشكّل عنصرًا جوهريًا في تقييم تجربة الجيش السوري الجديد، اعتماد القيادة السياسية والعسكرية سياسة الإيفاد الخارجي للتأهيل والتدريب. فقد باشرت الحكومة الجديدة بإرسال بعثات عسكرية إلى دول إقليمية، على رأسها تركيا والسعودية، مع خطط معلنة لتوسيع هذا المسار مستقبلًا ليشمل دولًا أخرى، في إطار بناء جيش نظامي متكامل منفتح على مدارس عسكرية متعددة.

 

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تعكس إدراكًا واضحًا لوجود فجوة بين الخبرة الميدانية التي راكمها مقاتلو الثورة خلال سنوات القتال، وبين متطلبات الجيوش النظامية الحديثة. بدل تحويل هذه الفجوة إلى ذريعة للإقصاء، اختارت القيادة الجديدة معالجتها عبر الاستثمار في التأهيل، وتحويل الخبرة القتالية إلى كفاءة مؤسسية مدعومة بالتدريب والشهادات العسكرية المعترف بها. وبذلك، لا يمكن قراءة مسألة غياب الشهادات لدى بعض القادة أو الضباط خارج هذا المسار التطويري، الذي يسعى إلى بناء كوادر مهنية تجمع بين الشرعية النضالية والتأهيل العسكري المنهجي.

 

رابعا: الانضباط، التدريب، ومسألة التدخين:

 

توقف التقرير عند شكاوى مجندين من تشدد في الانضباط، لا سيما حظر التدخين أثناء التدريب، واعتبر ذلك انعكاسًا لتوجهات أيديولوجية. غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل أن الجيوش الحديثة، في مختلف دول العالم، تفرض قيودًا صارمة على التدخين خلال التدريب لما له من أثر مباشر على اللياقة البدنية، والقدرة على التحمل، والانضباط الجماعي. الأهم أن المنع لم يكن قرارًا دائمًا بالإقصاء، بل شرطًا مرتبطًا بمرحلة التدريب المكثف. وعليه، فإن قراءة القرار بوصفه إجراءً صحيًا وتنظيميًا تبدو أكثر اتساقًا مع منطق بناء قوة قتالية منضبطة، بعيدًا عن إسقاط النوايا أو تفسير كل إجراء من زاوية أيديولوجية.

 

خامسا : التوجيه المعنوي والدروس الدينية :

 

أثار تخصيص الأسبوع الأول من التدريب لدروس دينية انتقادات في التقرير، بوصفه انفصالًا عن متطلبات جيش حديث. غير أن التوجيه المعنوي يشكل، في جميع الجيوش، عنصرًا أساسيًا في بناء الانضباط والضبط الأخلاقي، سواء أتى بصيغة وطنية، أو تاريخية، أو دينية.

 

في السياق السوري، حيث يشكل الإسلام مرجعية ثقافية وأخلاقية واسعة، لا يمكن فصل التربية العسكرية عن منظومة القيم التي تحكم المجتمع. كما أن السيرة النبوية، في بعدها الأخلاقي، تتضمن نصوصًا صريحة تضبط السلوك في الحرب، من ذلك وصية رسول الله ﷺ لجنوده: «انطلقوا باسم الله… ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا منعزلا بصومعة ،ولا تغلّوا، ولا تقطعوا شجرًا، ولا تحرقوه، »، وهي وصايا تؤسس لمنظومة أخلاقية واضحة تحرّم استهداف المدنيين، وتمنع التدمير غير الضروري، وتقيّد استخدام القوة. وهذه المبادئ لا تتعارض مع القانون الدولي الإنساني المعاصر، بل تلتقي معه في جوهره وتسبقه تاريخيًا بوصفها ضابطًا أخلاقيًا للسلاح والقتال. وبذلك، لا يكون التوجيه الديني نقيضًا للتدريب على قوانين الحرب، بل يمكن أن يشكل أساسًا أخلاقيًا داعمًا لها، متى أُدرج ضمن إطار مؤسسي متوازن.

 

سادسا: الأقليات الدينية، الدمج، وشروط المؤسسة العسكرية :

 

يشير التقرير إلى عدم دمج الأقليات الدينية في الجيش حتى الآن، محذرًا من تداعيات ذلك. غير أن هذا الطرح يتجاهل أن الدمج العسكري لا يُبنى على الهوية الدينية، بل على معيار الولاء للدولة والاستعداد للالتزام بسلسلة القيادة. الجيش السابق ضم، في بنيته القيادية، أفرادًا من أقليات مختلفة، وكان ذلك جزءًا من منظومة حكم استخدمت الجيش لتكريس السلطة لا لحماية المجتمع. من هنا، فإن أي عملية دمج في المرحلة الانتقالية يجب أن تسبقها عملية تدقيق فردي، تضمن عدم التورط في جرائم، وعدم الارتباط بأجندات خارجية، والقبول الصريح بمرجعية الدولة الجديدة.

 

التريث في هذا الملف، في مرحلة تأسيسية حساسة، لا يعني الإقصاء الدائم، بل يعكس حذرًا مشروعًا يهدف إلى منع اختراق المؤسسة العسكرية أو إعادة إنتاج الانقلابات التي عرفها التاريخ السوري الحديث.

خاتمة: بين النقد المشروع وتضخيم الإشكالات :

 

يطرح تقرير «نيويورك تايمز» ملاحظات تستحق النقاش، لكنه يقدّمها أحيانًا خارج سياقها التاريخي والسياسي، وكأن الجيش السوري الجديد يُقاس بمعايير دول مستقرة لم تعرف تفكك الدولة أو ثورة طويلة ، التجربة السورية لا تزال في طور التشكّل، وهي بطبيعتها مليئة بالتحديات والتناقضات. غير أن الحكم عليها يجب أن ينطلق من سؤال الاتجاه لا من البحث عن الكمال: هل يتحول الجيش من أداة قمع إلى مؤسسة وطنية؟ وهل تُبنى قواعد مهنية وأخلاقية قابلة للتطور؟

 

الإجابة على هذين السؤالين لا تُختزل في شهادة دراسية، ولا في تقرير صحفي واحد، بل في مسار طويل ستحدده قدرة الدولة الجديدة على الموازنة بين الأمن، والعدالة، وبناء الثقة مع المجتمع.

 

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

في شرق الفرات، يواجه أحمد الشرع معركة بلا مدافع، حيث تُدار السيادة بالحساب لا بالنار، رهانه واضح: ما يُستعاد بالعقل…
يعد عام 2026 محطة مفصلية في مسار المرحلة الانتقالية السورية، مع تصاعد الرهانات على تثبيت الاستقرار وبناء الدولة، وتأتي هذه…
الجيش السوري الجديد يُولد في حقل ألغام سياسي وعقائدي، بين ذاكرة الفصائل وضغوط العواصم، فإما أن يصبح مظلة سيادة وطنية…

القائمة