الحرب بين إيران وإسرائيل: قراءة في ميزان الصراع

يشهد الشرق الأوسط حرباً إيرانية وأمريكية-إسرائيلية، وهو توتر يثير تساؤلات عديدة حول موقف الدول العربية والإسلامية من هذا الصراع. ومن المهم النظر إلى هذه المواجهة بقدر من الوعي والاتزان، بعيداً عن ردود الفعل العاطفية. فهذه الحرب ليست معركةً بين حق وباطل، ولا صراعاً بين ظالم ومظلوم، بل هي في جوهرها صراع نفوذ ومصالح بين قوة عالمية – أمريكا وإسرائيل – أمام قوة محدودة النطاق وهي إيران.

 

ومن زاوية نظر كثير من الدول العربية والإسلامية، لم تشهد العلاقة مع إيران في العقود الماضية حالة من التماسك أو التعاون القائم على مشروع مشترك يخدم مصالح المنطقة. فقد اتسمت العلاقة في كثير من الأحيان بالتوتر والخلاف، وكانت سياسات إيران في بعض ملفات المنطقة مصدر خطر للعديد من الأنظمة العربية والإسلامية. ولذلك لم تشعر هذه الدول بأن إيران كانت دائماً طرفاً يعمل ضمن رؤية موحدة أو هدف مشترك يحقق الاستقرار والتعاون بين شعوب المنطقة.

 

ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا يُشرعِن أحقيّة إسرائيل في صراعها مع إيران. فإسرائيل ما تزال تمثل خطراً مستمراً على الدول العربية والإسلامية، سواء من حيث سياساتها الإقليمية أو ارتباطها بتحالف دولي واسع تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وهو تحالف يمتلك نفوذاً كبيراً في مجالات الاقتصاد والصناعة العسكرية والتكنولوجيا.

 

إن من المؤسف في هذا التصعيد الخطير أن هذه المواجهة لم تدفع الدول العربية والإسلامية – إلى الآن- إلى مراجعة سياساتها أو التفكير بجدية في مصيرها المشترك. فكان من المفترض أن تشكل مثل هذه الأحداث دافعاً لإعادة النظر في كثير من الحسابات السياسية والاتفاقيات والعلاقات؛ التي لم تحقق الأمن والاستقرار المطلوبين للدول العربية والإسلامية، فضلاً عن مصالحها الاستراتيجية.

 

إن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً كبيراً من الوعي لدى المسلمين، بحيث ينظرون إلى هذا الصراع من منظور أوسع وأعمق. فميزان القوى في المنطقة يشير إلى أن إسرائيل جزء من منظومة دولية قوية مدعومة بتحالفات عالمية واسعة، الأمر الذي يجعل تأثير مشروعها الإقليمي أكبر وأكثر تعقيداً. أما إيران، رغم نفوذها الإقليمي، فهي لا تقارن بحجم هذا التحالف الدولي من حيث القوة والقدرات.

 

وتظهر التجارب الإقليمية أن مواجهة النفوذ الإيراني ممكنة إذا توفرت الإرادة السياسية والقدرة الداخلية. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى ما شهدته سوريا من نصر أنهى حضور المشروع الإيراني وأذرعه في سوريا. ومع ذلك، فإن التحديات التي تفرضها إسرائيل ما تزال أكثر تعقيداً، وهو ما يفسر الصعوبات التي تواجهها الدول العربية والإسلامية في التعامل مع المشروع الإسرائيلي المهيمن على المشهد الدولي.

 

ومن هذا المنطلق يمكن فهم الفرق في درجة التهديد بين الطرفين. فالمواجهة مع إيران تبقى – في نظر الكثيرين – مواجهة محدودة يمكن التعامل معها ضمن نطاق إقليمي، بينما يمثل تفوق إسرائيل المدعوم بتحالف دولي تحدياً أوسع وأعمق. ولهذا فإن أي انتصار إسرائيلي واسع قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراعات والضغوط على الدول العربية والإسلامية.

 

وفي الختام، فإن هذه التطورات تستدعي قدراً أكبر من الجدية والوعي في قراءة الواقع الإقليمي. فالمطلوب ليس متابعة المجريات فقط، بل النظر بواقعية إلى موازين القوة في المنطقة، والاستعداد لمواجهة أي مشروع قد يشكل خطراً على أمن واستقرار الدول العربية والإسلامية، مع السعي في الوقت نفسه إلى بناء قدر أكبر من التعاون والتنسيق بينها لمواجهة التحديات المشتركة.

 

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

سقوط قسد لم يكن مفاجئاً؛ إذ اجتمعت الضغوط السياسية والميدانية والإنسانية لتفكك مشروعها وتفضح هشاشته، نجاح الدولة السورية في حلب،…
لم تكن عودة الشيخ مقصود والأشرفية استعادة جغرافيا فحسب، بل استعادة معنى الدولة حين تحضر بقانونها وجيشها ومؤسساتها، هناك حيث…
يحلل د. عرابي جذور الخلل في القطاع الأمني السوري وآليات إصلاحه على أسس قانونية ومؤسساتية حديثة، مؤكداً أن جوهر التحول…

القائمة