من إسرائيل إلى “قسد” ولبنان وروسيا، تكشف مقابلة أحمد الشرع مع الجزيرة عن محاولة لإعادة تعريف موقع سوريا: دولة تتجنب المحاور والصدامات، لكنها تواجه سؤالاً أصعب حول حدود البراغماتية وثمنها.
لم تكن المقابلة الأخيرة لأحمد الشرع مع قناة الجزيرة مجرد حديث عن ملفات سورية وإقليمية متفرقة، فمن خلف الكلمات المتعلقة بإسرائيل والجولان، ولبنان وحزب الله، و”قسد”، وروسيا والولايات المتحدة، بدت محاولة لرسم ملامح سياسة سورية جديدة، عنوانها الأبرز: الخروج من منطق المحاور والصراعات المفتوحة، والعودة إلى منطق الدولة والمصلحة الوطنية.
لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أكثر عمقاً من سؤال المواقف الآنية: هل تمثل هذه البراغماتية طريقاً واقعياً لاستعادة السيادة السورية، أم أنها قد تضع دمشق أمام تنازلات يصعب التراجع عنها لاحقاً؟
هنا تحديداً تكمن أهمية حديث الشرع، فالرجل لا يتحدث عن سوريا بمعزل عن محيطها، بل عن دولة تحاول إعادة بناء علاقاتها مع القوى التي تركت على مدى سنوات بصماتها على الجغرافيا السورية وقرارها السياسي، وهو يدرك على ما يبدو أن الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة بناء الدولة لا يمكن أن يتم بالشعارات، بل عبر تسويات شاقة وموازنة دقيقة بين المصالح السورية والإقليمية والدولية.
إسرائيل: وقف الصدام أم بداية تسوية أكبر؟
كان الملف الإسرائيلي الأكثر حساسية في المقابلة، فالشرع تحدث عن تجنب الصدام مع إسرائيل، وعن اتفاق أمني يمكن أن يشكل مدخلاً إلى مرحلة أكثر استقراراً، مع إبقاء قضية الجولان في إطارها السياسي والقانوني، هذه اللغة تستحق التوقف عندها.
فالحديث عن اتفاق أمني لا يعني بالضرورة الحديث عن اتفاق سلام، كما أن وقف التصعيد لا يساوي التطبيع، ويبدو أن دمشق تحاول إبقاء هذه المسافات مفتوحة، لأن الظروف السورية لا تسمح في المدى المنظور بخوض مواجهة عسكرية مع إسرائيل، في حين أن التنازل الصريح عن القضايا الوطنية الأساسية سيكون مكلفاً داخلياً وسياسياً.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة الموقف باعتباره محاولة للفصل بين هدفين: منع الحرب الآن، وعدم إغلاق باب الحقوق السورية مستقبلاً.
لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل في تفاصيل ما يمكن أن ينتج عنه، فالاتفاقات الأمنية ليست نصوصاً مجردة؛ إنها ترتيبات تحدد الحركة العسكرية، وطبيعة الانتشار على الحدود، وشكل التعامل مع الفصائل والسلاح، وحدود ما يمكن للدولة أن تفعله داخل أراضيها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يتفاوض الشرع مع إسرائيل؟
بل: ما الذي ستدفعه سوريا مقابل الأمن، وما الذي ستحصل عليه في المقابل؟
إذا كان المقابل هو تثبيت الحدود ووقف الضربات وفتح المجال أمام إعادة بناء الدولة، فقد تكون البراغماتية أداة لاستعادة السيادة، أما إذا تحولت الترتيبات الأمنية إلى قيود دائمة على القرار السوري، فإن ما يبدو اليوم واقعية سياسية قد يتحول غداً إلى شكل جديد من أشكال تقييد السيادة.
“قسد”: الاختبار الأصعب لمفهوم الدولة
في الملف الكردي، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً، فالشرع يميز بين الأكراد السوريين وحقوقهم كمواطنين، وبين “قسد” بوصفها قوة عسكرية وسياسية لها بنية مستقلة.
وهنا تظهر إحدى أهم أفكار المرحلة الجديدة: حقوق الأكراد لا تعني بالضرورة قبول وجود قوة عسكرية خارج سلطة الدولة.
من منظور دمشق، يبدو الأمر واضحاً: سوريا دولة واحدة، والسلاح يجب أن يكون تحت سلطة الدولة، ولا يمكن أن تستمر كيانات عسكرية مستقلة داخل حدودها.
لكن هذه الرؤية تصطدم بواقع مختلف على الأرض، فقد راكمت “قسد” خلال سنوات نفوذاً سياسياً وعسكرياً وإدارياً، وهي لا تنظر إلى مسألة الاندماج باعتبارها مجرد انتقال أفراد إلى مؤسسات الدولة، بل باعتبارها قضية تتعلق بمستقبل شكل الدولة نفسها.
ولهذا فإن نجاح الشرع في هذا الملف لن يتوقف على القوة العسكرية، بل على قدرته على تقديم صيغة سياسية قابلة للحياة: دولة سورية واحدة، وجيش واحد، مع مساحة حقيقية من الحقوق والضمانات واللامركزية الإدارية والسياسية.
أما إذا فهمت وحدة الدولة باعتبارها عودة كاملة إلى المركزية الصلبة، فقد يصبح الخلاف مؤجلاً لا محلولاً.
وهذا هو أحد أهم الاختبارات التي ستحدد ما إذا كانت “سوريا الجديدة” قادرة على استيعاب تعددها الداخلي، لا مجرد إخضاعه.
لبنان: سوريا التي تريد الخروج من سياسة المحاور
في حديثه عن لبنان، كان الشرع حريصاً على التأكيد أن دمشق لا تريد التدخل عسكرياً في الشأن اللبناني، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة اللبنانية.
قد يبدو هذا موقفاً متعلقاً بلبنان وحده، لكنه في الحقيقة يحمل رسالة سورية عميقة.
لسنوات طويلة كانت العلاقة السورية اللبنانية جزءاً من شبكة إقليمية واسعة، تداخل فيها النفوذ السوري مع الإيراني والإسرائيلي، وتحولت الحدود بين البلدين إلى مساحة مفتوحة للصراع.
الشرع يحاول على ما يبدو قطع هذه الحلقة.
فإذا كانت سوريا الجديدة تريد أن تكون دولة مستقرة، فإنها لا تستطيع أن تعيد إنتاج نموذج الدولة التي تتدخل في جيرانها أو تسمح باستخدام أراضيها ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وهذا يفسر أيضاً الحذر في التعامل مع حزب الله، فدمشق لا تريد مواجهة عسكرية جديدة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد العودة إلى مرحلة تكون فيها الحدود السورية جزءاً من منظومة عسكرية إقليمية تتجاوز قرار الدولة.
المعادلة التي يحاول الشرع بناءها تبدو إذن واضحة: دعم الدولة اللبنانية، رفض الفوضى، وعدم تحويل سوريا إلى طرف مباشر في صراع لبناني داخلي.
وهي من منظور المصلحة السورية، سياسة أكثر واقعية من العودة إلى المغامرات الإقليمية.
روسيا وأمريكا وتركيا: سياسة “لا محور دائم”
ربما كانت إحدى أكثر الرسائل أهمية في المقابلة حديث الشرع عن العلاقة مع روسيا بالتزامن مع الانفتاح على الغرب.
فدمشق الجديدة لا تبدو راغبة في استبدال محور بمحور آخر، وهذا تطور مهم.
السؤال لم يعد: هل سوريا مع روسيا أم مع الولايات المتحدة؟
بل: هل تستطيع سوريا أن تتعامل مع الطرفين وفق مصالحها الخاصة؟
هذه السياسة تمنح دمشق هامشاً للمناورة، فروسيا تملك مصالح وقنوات نفوذ تاريخية في سوريا، وتركيا تملك نفوذاً مباشراً في الملف الأمني والحدودي، والولايات المتحدة وأوروبا تملكان أوراقاً اقتصادية وسياسية مهمة، فيما يمثل الخليج عمقاً عربياً لا يمكن تجاهله، لكن تعدد العلاقات لا يعني تلقائياً الاستقلال.
فالاستقلال الحقيقي لا يتحقق بكثرة الحلفاء، وإنما بقدرة الدولة على القول “نعم” و”لا” وفق مصالحها، لا وفق حاجتها إلى إرضاء الخارج.
وهنا يواجه الشرع أصعب اختبار في مشروعه السياسي: كيف يستفيد من تناقضات القوى الدولية من دون أن يصبح أسيراً لها؟
البراغماتية: قوة الشرع أم مصدر ضعفه؟
من السهل النظر إلى مواقف الشرع باعتبارها تنازلات، كما أنه من السهل في الاتجاه المقابل، اعتبارها كلها انتصارات للواقعية السياسية.
لكن كلا القراءتين تبدوان ناقصتين.
فالشرع يقود دولة خارجة من سنوات طويلة من الحرب والدمار، وفي بيئة إقليمية شديدة التعقيد، ولذلك فإن قدرته على فرض شروطه محدودة، بينما حاجته إلى فتح الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وإعادة بناء المؤسسات، وتثبيت الأمن، كبيرة جداً.
من الطبيعي إذن أن يختار التفاوض بدل المواجهة، وأن يتجنب الدخول في حروب جديدة.
لكن البراغماتية لا تصبح استراتيجية ناجحة إلا إذا كانت وسيلة للوصول إلى هدف واضح.
وهدف دمشق المفترض يجب ألا يكون مجرد الحصول على اعتراف خارجي أو رفع العقوبات أو تهدئة الحدود، وإنما بناء دولة قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها.
بمعنى آخر: التنازل التكتيكي قد يكون مقبولاً إذا أدى إلى مكسب استراتيجي، لكنه يصبح خطيراً إذا تحول إلى مسار دائم.
ما لم تقله المقابلة
ربما كان السؤال الأهم هو ما لم يظهر بالوضوح نفسه في الحديث عن السياسة الخارجية: كيف ستبنى الدولة السورية من الداخل؟
فكل التفاهمات الخارجية ستظل محدودة القيمة إذا لم تترافق مع عقد سياسي داخلي واضح.
كيف ستدار العلاقة بين المركز والمحافظات؟
كيف ستضمن حقوق الأكراد وسائر المكونات؟
كيف ستتم عملية دمج القوى المسلحة؟
كيف ستُبنى مؤسسة عسكرية وطنية؟
كيف ستتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات؟
وما حدود السلطة السياسية والقضائية؟
هذه الأسئلة قد تبدو أقل إثارة من الحديث عن إسرائيل وروسيا وتركيا، لكنها في النهاية هي التي ستحدد مستقبل سوريا.
فالدولة القوية لا تبنى فقط عبر اتفاقات الحدود والعلاقات الدولية، وإنما عبر شرعية داخلية ومؤسسات مستقرة واحتكار قانوني للسلاح وثقة المواطنين بالدولة.
سوريا أولاً؟
يمكن قراءة معظم تصريحات الشرع في المقابلة ضمن فكرة واحدة: سوريا أولاً.
لا حرب جديدة مع إسرائيل.
لا تدخل عسكري في لبنان.
لا عودة إلى سياسة المحاور.
لا سلاح خارج الدولة.
لا تقسيم للبلاد.
وانفتاح على مختلف القوى الدولية بدل الارتهان إلى طرف واحد.
هذه السياسة، إذا نجحت يمكن أن تمنح سوريا فرصة تاريخية للخروج من كونها ساحة للصراع إلى كونها طرفاً يصوغ مصالحه بنفسه، لكن النجاح ليس مضموناً.
فالشرع يتحرك بين قوى أكبر من سوريا، لكل منها أجندتها الخاصة. وإسرائيل تريد أمناً طويل الأمد على حدودها، وتركيا تريد معالجة ملف “قسد”، وروسيا تريد الحفاظ على نفوذها، والولايات المتحدة تريد ترتيبات أمنية وسياسية تتوافق مع مصالحها، بينما تريد دول الخليج سوريا مستقرة وغير خاضعة للنفوذ الإيراني.
وفي وسط كل ذلك، تحاول دمشق أن تقول للجميع: يمكنني أن أقدم الاستقرار الذي تريدونه، لكنني أريد في المقابل دولة سورية مستقلة.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية.
الخلاصة: بين استعادة الدولة وثمن استعادتها
أحمد الشرع في هذه المقابلة لم يتحدث، في تقديري كقائد فصيل خرج لتوه من معركة، بل كرئيس دولة يدرك أن ميزان القوة لا يسمح لسوريا بخوض كل المعارك دفعة واحدة.
وهذه نقطة قوة إذا كانت البراغماتية وسيلة لبناء الدولة، لكنها قد تصبح نقطة ضعف إذا تحولت إلى سياسة تقوم على تقديم التنازلات من دون مقابل استراتيجي واضح.
لذلك، فإن الحكم على تجربة الشرع لن يكون من خلال تصريح واحد عن إسرائيل، أو موقف من “قسد”، أو انفتاح على روسيا، أو تفاهم مع تركيا.
سيكون الحكم من خلال سؤال واحد:
هل يستطيع أحمد الشرع أن يخرج بسوريا من دور الساحة التي تتصارع عليها القوى الإقليمية والدولية، إلى دولة تمتلك قرارها وتوازن علاقاتها وفق مصالحها؟
إذا نجح، فإن البراغماتية التي تبدو اليوم للبعض تنازلاً قد تصبح غداً الأداة التي استعادت بها سوريا سيادتها.
أما إذا فشل، فقد تخرج سوريا من حرب المحاور، لكنها لا تخرج بالضرورة من نفوذ المحاور.
وهذا هو الفارق بين إنهاء الحرب وبناء الدولة.