​المسألة الكردية في سوريا: من الشراكة التأسيسية إلى التوظيف الدولي.. ثم استعادة المواطنة

ليس من المبالغة القول إن قراءة المشهد السوري الراهن دون تفكيك عقدة “القضية الكردية” هو ضرب من العبث السياسي. فهذا الملف لم يعد مجرد قضية حقوقية لمكون أصيل، بل تحول عبر عقود من التلاعب الممنهج إلى “صندوق أسود” تتشابك فيه المظلومية المحلية مع الأجندات الإقليمية والدولية. إن ما نراه اليوم من عسكرة للملف الكردي ليس وليد الصدفة، ولا نتاجاً طبيعياً لتطلعات الكرد السوريين بقدر ما هو نتاج هندسة سياسية خبيثة حولت “المواطن” إلى “عنصر”، و”القضية” إلى “ورقة”.

تجادل هذه المقالة بأن المأساة الكردية في سوريا ليست مجرد قصة قمع، بل هي قصة “توظيف”؛ حيث تم اختطاف تطلعات الكرد مرتين: مرة من قبل الأنظمة القومية المتعاقبة التي جردتهم من المواطنة، ومرة أخرى من قبل مشاريع عابرة للحدود حولتهم إلى وقود لحروب الآخرين.

 

الحنين إلى “زمن الشراكة”: حين كانت سوريا للجميع

 

لعل أكثر ما يؤلم في استعراض التاريخ الكردي السوري هو المقارنة الصادمة بين ما قبل 1958 وما بعدها. قبل أن تقع سوريا في فخ الشعارات القومية الحادة، كان الكرد جزءاً عضوياً من “الآباء المؤسسين” للدولة السورية. لم يكن “عيسى آغا لقطة” حين قارع الفرنسيين يفكر في فيدرالية أو انفصال، بل كان يدافع عن “سوريا”. وحين رفع النائب الكردي “أحمد البرابي” علم الاستقلال فوق البرلمان، كان يعلن ولادة دولة تقوم على عقد اجتماعي غير مكتوب من المساواة.

 

في تلك الحقبة، لم يكن غريباً أن يترأس سوريا شخصيات من أصول كردية كفوزي سلو أو حسني الزعيم. كان ذلك “الاندماج الطبيعي” هو المناعة الحقيقية التي منعت ظهور أي كفاح مسلح كردي في سوريا لعقود، على عكس دول الجوار. لقد كان الكرد يشعرون أن الدولة “ملكيتهم” بقدر ما هي ملكية غيرهم.

 

هندسة الإقصاء: من المواطنة إلى “الخطر الديموغرافي”

 

بدأت الكارثة مع صعود “الجمهورية العربية المتحدة” وتمدد الفكر القومي الإقصائي. هنا، تحولت الدولة من حاضنة للتنوع إلى آلة للصهر القسري. وتُعد “مذكرة طلب هلال” (رئيس الشعبة السياسية في الحسكة آنذاك) الوثيقة المؤسسة لهذا الانحراف؛ إذ لم تكن مجرد تقرير أمني، بل مخططاً للهندسة الديموغرافية يهدف إلى خلق “حزام عربي” وعزل الكرد السوريين عن امتدادهم الجغرافي.

 

تجلى هذا الجنون العنصري في إحصاء عام 1962 سيئ الصيت، الذي شطب بجرة قلم مواطنة 150 ألف إنسان، محولاً إياهم إلى “أجانب” و”مكتومي قيد” في أرضهم. لقد أسس هذا الإجراء لشرخ نفسي واجتماعي هائل، ورسخ قناعة لدى النخبة الحاكمة بأن الوجود الكردي هو “تهديد أمني” يجب احتواؤه لا مكون وطني يجب استيعابه.

 

لعبة الأسد المزدوجة: التناقض القاتل

 

مع وصول حافظ الأسد للسلطة، دخل الملف مرحلة “الإدارة بالمتناقضات”. ففي الوقت الذي كان النظام يمارس فيه “التعريب” القسري في الداخل عبر مشروع الحزام العربي (1972) والاستيلاء على الأراضي، كان يفتح ذراعيه لحزب العمال الكردستاني (PKK) وزعيمه عبد الله أوجلان.

 

كانت استراتيجية الأسد الأب مكيافيلية بامتياز: تصدير الأزمة الكردية إلى الخارج. فمن جهة، يستخدم الـ PKK كورقة ضغط دامية ضد تركيا، ومن جهة أخرى، يفرغ الاحتقان الكردي السوري عبر توجيه شبابه للقتال في جبال تركيا، مروجاً لفكرة خبيثة مفادها أن “القضية الكردية في أنقرة وليست في دمشق”. استمر هذا الاستثمار الدموي حتى أجبرت اتفاقية أضنة (1998) النظام على التخلي عن ورقته، لكن بعد أن تم ترويض جزء كبير من الشارع الكردي لصالح أيديولوجيا الحزب.

 

انتفاضة 2004 وما بعدها: كسر حاجز الصمت

 

جاء سقوط نظام صدام حسين وتأسيس إقليم كردستان العراق ليقلب المعادلات، دافعاً برياح التغيير نحو القامشلي في 2004. ورغم أن النظام حاول افتعال أحداث الملعب كفخ أمني، إلا أن الرد الشعبي تجاوز التوقعات.

 

الأهم في تلك المرحلة هو بروز تيارات سياسية وطنية، مثل تيار المستقبل بقيادة الشهيد “مشعل تمو”، الذي طرح معادلة أرعبت النظام: “كردي سوري شريك في الوطن”. كان هذا الخطاب أخطر على النظام من البنادق، لأنه يضرب استراتيجية “فرق تسد” في مقتل.

 

الثورة والصفقة الكبرى: “التسليم والاستلام”

 

مع انطلاق ثورة 2011، وجد النظام نفسه أمام خيار وجودي. فكان قراره الاستراتيجي هو إعادة إحياء تحالفه القديم مع “قنديل”. لم يكن انسحاب النظام من المناطق الكردية في 2012 ضعفاً، بل كان “تسليماً” منظماً (Handover) لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) مقابل تحييد المنطقة عن الثورة.

 

لقد عاد صالح مسلم وكوادر الحزب ليلعبوا دور “الوكيل الوظيفي”؛ فتم قمع المظاهرات السلمية، واغتيلت الرموز الوطنية (مشعل تمو، جوان قطنة)، وفُرضت سلطة الأمر الواقع بالحديد والنار. الهدف كان واضحاً: منع انصهار الكرد في الحراك الوطني السوري العام.

 

​من “الميليشيا” إلى “الشريك الدولي”: فقاعة النفوذ

 

​تُوج هذا المسار بتدويل الملف عبر بوابة محاربة “داعش”. ومع تأسيس “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في 2015، تمت عملية “إعادة تغليف” (Rebranding) بتوجيه أمريكي لتسويق القوات دولياً. لكن خلف هذه الواجهة “الديمقراطية”، ظلت مفاصل القرار الحقيقية بيد كوادر قنديل. في هذه المرحلة، بدت “قسد” وكأنها القوة التي لا تقهر، مستمدة شرعيتها من الدعم الغربي وملف “سجناء داعش”، وليس من حاضنة شعبية حقيقية أو مشروع وطني جامع.

 

​سقوط الأوهام: حينما تفرض “الدولة” منطقها

 

​اليوم، تغيرت المعادلات بشكل جذري وانفجرت الفقاعة؛ فمع انحسار الغبار عن المشهد الميداني، بات واضحاً أن المشاريع التي لا تملك جذوراً وطنية محكومة بالزوال. إن انتقال ملف السجون والمخيمات رسمياً إلى عهدة الدولة السورية لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان إعلاناً بنهاية وظيفة “قسد” كحارس للسجون الغربية، لتفقد بذلك ورقة الابتزاز الرئيسية التي طالما لوحت بها في وجه العالم. ومع هذا التحول، انحصر نفوذ قوى الأمر الواقع جغرافياً، وباتت تعيش حالة من الانكشاف الاستراتيجي بانتظار استحقاقات التسوية النهائية.

 

​لكن الضربة القاصمة للمشروع الانفصالي لم تكن عسكرية فحسب، بل جاءت عبر “هجوم سياسي مضاد” قاده العهد الجديد في دمشق. إذ شكلت حزمة القرارات الرئاسية الأخيرة—وعلى رأسها إنهاء مأساة إحصاء 1962، ومنح الجنسية للمحرومين منها، والاعتراف بعيد النوروز كعطلة وطنية—انعطافة ذكية سحبت الشرعية الأخلاقية والسياسية من يد الأحزاب الانفصالية.

 

​استعادة “الورقة الكردية”: بين الواقعية الدولية والاحتواء الوطني

 

​لقد وضعت هذه الإجراءات التصحيحية قيادات “قسد” في مأزق وجودي؛ فقد جُردوا فجأة من ذريعة “حماية الحقوق الكردية” التي كانوا يختبئون خلفها. وتزامن هذا التحرك الداخلي المدروس مع قراءة دقيقة للتحولات الدولية، لا سيما العودة إلى “الواقعية السياسية” في واشنطن مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي باتت تفضل التعامل مع “دولة مركزية قادرة وضابطة للأمن” بدلاً من ميليشيات فرعية استنفدت أغراضها وباتت عبئاً على الأمن الإقليمي.

 

​نحن إذن أمام مشهد تتكامل فيه استعادة الحقوق في الداخل مع تغير المصالح في الخارج، لتجد قوى الأمر الواقع نفسها معزولة وبلا غطاء، بعد أن أدرك الجميع—بمن فيهم الحليف الأمريكي—أن الرهان الرابح هو الرهان على الدولة لا على الفصائل.

 

​خاتمة: نهاية “الاستثمار” وبداية “المواطنة”

 

​في المحصلة، يبدو أن الستار يسدل أخيراً على حقبة “الاستثمار في المظلومية الكردية”. فبينما كانت المشاريع العابرة للحدود تراهن على الزمن والتدويل، حسمت الدولة السورية الموقف عبر استراتيجية “تفكيك الألغام” بدلاً من تجاهلها.

 

​إن القرارات الجريئة بتصحيح الأخطاء التاريخية، والتي توجها الرئيس أحمد الشرع، لم تكن مجرد رد فعل، بل تأسيساً لعقد اجتماعي جديد يُعيد تعريف الكردي السوري بصفته “مواطناً شريكاً” في المركز، لا “أقلية خائفة” على الهامش. اليوم، تسقط مشاريع الكانتونات لا بقوة السلاح فقط، بل بقوة المنطق الذي أعاد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الجامعة، معلناً طي صفحة “التوظيف السياسي” لصالح شراكة المصير في سوريا الموحدة.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

التعيينات الدبلوماسية ليست اختبار أسماء، بل امتحان كفاءة وقدرة على الفعل في عالم سريع التحوّل، فالخبرة الحقيقية هي ما يصنع…
في لحظة تعيد فيها سورية إعادة مقاربة العلاقة بين الدين والدولة، يقف التعليم الديني الجامعي عند مفترق طرق حاسم بين…
تقوم السردية القومية الكردية في سوريا على تبني الهوية والأرض والمظلومية لتبرير احتكار التمثيل والقيادة، لكنها تتجاهل التعقيدات الاجتماعية والدينية…

القائمة