قسد تئد الطفولة: الإفراج عن عشرات القاصرين من سجن الأقطان في الرقة

في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2026، خرج 126 طفلاً سورياً لم تتجاوز أعمارهم 18 عاماً من سجن الأقطان في الرقة، بعد سنوات من الاحتجاز في ظروف غامضة، ليعودوا إلى الضوء وهم يحملون في ذاكرتهم ما لا يُفترض أن يختبره طفل في أي مكان في العالم. لم يكن هؤلاء الأطفال مجرمين مدانين، ولم يُعرف على وجه الدقة سبب احتجازهم أو الأساس القانوني له، بل كانوا جزءاً من منظومة احتجاز تديرها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال وشرق سوريا، طالت آلاف المدنيين، من بينهم أطفال كان يجب أن يكونوا في المدارس والمنازل، لا خلف جدران السجون.

هذا الحدث لا يمكن التعامل معه كخبر عابر، لأنه يشكل مدخلاً ضرورياً لمساءلة قانونية وأخلاقية عميقة حول مدى التزام الأطراف المسلحة غير الحكومية بالقانون الدولي الإنساني، وحول الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية حقوق الطفل، ولا سيما مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” الذي يُفترض أن يكون بوصلة أي قرار يمس الأطفال في النزاعات المسلحة.

 

الإطار القانوني المنتهك:

 

تُعد اتفاقية حقوق الطفل، المعتمدة عام 1989 والمصادق عليها من قبل سوريا عام 1993، الإطار القانوني الدولي الأوضح والأكثر إلزاماً فيما يتعلق بحماية الأطفال. وهي لا تقوم على شعارات أخلاقية عامة، بل على التزامات قانونية محددة، أبرزها عدم التمييز، وإعلاء المصلحة الفضلى للطفل، وضمان حقه في الحياة والنمو، واحترام آرائه. هذه المبادئ ليست اختيارية، ولا تُعلّق في حالات الطوارئ أو النزاعات المسلحة، بل تزداد أهميتها في مثل هذه السياقات.

عند الانتقال من النص القانوني إلى الواقع العملي، يتضح أن احتجاز الأطفال لا يُعد في القانون الدولي إجراءً عادياً، بل استثناءً شديد الضيق، لا يُسمح به إلا كملاذ أخير ولأقصر فترة زمنية ممكنة، وفق ما نصت عليه المادة 37 من الاتفاقية، وما أكدته لجنة حقوق الطفل في تعليقها العام رقم 10 لعام 2007. هذا التعليق شدد بوضوح على أن أي احتجاز للأطفال يجب أن يكون مصحوباً بضمانات قانونية كاملة، وفصلاً تاماً عن البالغين، وحقاً فعلياً في التواصل مع الأسرة، إضافة إلى توفير التعليم والرعاية الصحية، وهي شروط لا تتوافر، بحسب الشهادات والتقارير، في حالات الاحتجاز التي خضع لها الأطفال في سجون قسد.

 

احتجاز خارج الشرعية:

 

الأرقام المتاحة، تكشف عن حجم مقلق للانتهاكات. فإلى جانب 126 طفلاً في سجن الأقطان وحده، تشير التقارير إلى أكثر من 3,098 حالة اختفاء قسري موثقة لدى قسد، من بينهم ما لا يقل عن 203 أطفال. كما تحتجز قوات قسد نحو 23 ألف شخص من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في مخيمات مثل مخيم الهول، يشكل الأطفال فيها النسبة الأكبر، بينما يُنقل قرابة ألف فتى وشاب ضمن آلاف المعتقلين إلى العراق، في ظروف قانونية غامضة تفتقر لأبسط معايير المحاكمة العادلة.

 

ما يزيد خطورة هذه الوقائع ليس فقط الاحتجاز بحد ذاته، بل السياق الذي تم فيه. فغياب الإجراءات القانونية الواجبة، وعدم وضوح التهم، واحتجاز الأطفال بسبب انتماءات عائلية أو شبهات عامة، كلها تشكل انتهاكاً مباشراً لمبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، ولمواد أساسية في اتفاقية حقوق الطفل، ولا سيما المادة 9 التي تكفل حق الطفل في عدم فصله عن والديه تعسفاً.

 

غالباً ما تُبرر هذه الانتهاكات بذريعة “مكافحة الإرهاب” أو “الضرورات الأمنية”، إلا أن القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان يرفضان هذه الحجج بشكل قاطع عندما يتعلق الأمر بالأطفال. فبروتوكول باريس ومبادئ باريس لعام 2007 يؤكدان أن الأطفال المرتبطين بالقوات المسلحة أو الجماعات المسلحة هم ضحايا في المقام الأول، ويجب التعامل معهم من خلال برامج الحماية وإعادة التأهيل، لا من خلال العقاب والاحتجاز. كما أن تحميل الأطفال مسؤولية أفعال ذويهم أو بيئتهم يُعد انتهاكاً صارخاً لمبادئ العدالة الأساسية.

 

أما الادعاء بنقص الإمكانيات، فلا يصمد قانونياً أو عملياً. فالالتزامات الدولية غير قابلة للتفاوض، والمجتمع الدولي قدّم دعماً واسعاً لقسد، كان يمكن توجيهه لإنشاء برامج إعادة إدماج وتأهيل للأطفال بدلاً من توسيع منظومة السجون. وفي حال العجز، فإن المسؤولية القانونية تقتضي طلب المساعدة من المنظمات الدولية المختصة، لا الاستمرار في احتجاز الأطفال في ظروف غير إنسانية.

 

 

مسؤولية دولية مركبة:

 

المسؤولية هنا لا تقع على قسد وحدها، بل تمتد إلى المجتمع الدولي الذي تعامل بصمت انتقائي مع هذه الانتهاكات. ففي الوقت الذي أُدينت فيه انتهاكات النظام السوري البائد بحق الأطفال، جرى التغاضي إلى حد كبير عن ممارسات قسد، رغم علم الحكومات الغربية والمنظمات الدولية بها. هذا الصمت، إلى جانب الدعم غير المشروط، ساهم في ترسيخ الإفلات من المساءلة، وأضعف مصداقية الخطاب الدولي حول حماية حقوق الإنسان.

 

كما تتحمل الدول الأصلية للأطفال الأجانب المحتجزين مسؤولية قانونية وأخلاقية جسيمة. رفض إعادة هؤلاء الأطفال لسنوات يشكل انتهاكاً لمبدأ عدم التمييز ولمبدأ المصلحة الفضلى، ويتركهم عالقين في بيئة تنتهك حقوقهم الأساسية، رغم أن إعادتهم وتأهيلهم في بلدانهم هو الخيار الأكثر اتساقاً مع القانون الدولي.

 

الآثار المترتبة على احتجاز الأطفال لا تقتصر على لحظة الاحتجاز، بل تمتد لسنوات وربما لعقود. فالدراسات النفسية تؤكد أن الأطفال الذين يتعرضون للاحتجاز المطول يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق والاكتئاب، وتأخر النمو العاطفي والاجتماعي، وفقدان الثقة بالمجتمع والسلطات. هذه النتائج لا تهدد الأطفال وحدهم، بل تُشكل خطراً على السلم المجتمعي والاستقرار طويل الأمد، خاصة في سياق هش كسوريا.

 

إن الإفراج عن الأطفال دون برامج تأهيل حقيقية، ودون مساءلة عن الانتهاكات التي تعرضوا لها، يكرّس دورة جديدة من العنف والتهميش، ويقوض أي حديث جاد عن عدالة انتقالية أو دولة قانون. لذلك، فإن معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة شاملة تبدأ ببرامج تأهيل نفسية وتعليمية متخصصة، وإعادة لم الشمل الأسري كلما كان ذلك في مصلحة الطفل، مع ضمانات قانونية تمنع تكرار هذه الانتهاكات مستقبلاً.

 

على المستوى الدولي، تبرز الحاجة إلى بعثة تقصي حقائق مستقلة، ودعم فعلي لبرامج إعادة التأهيل، والوفاء بالتزامات إعادة الأطفال الأجانب، إضافة إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك النظر في إحالة هذه الانتهاكات إلى المحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها جزءاً من نمط أوسع لانتهاكات جسيمة بحق الأطفال في النزاع السوري.

 

“يا محلاها الحرية”، بهذه العبارة البسيطة عبّر أحد الأطفال الخارجين من سجن الأقطان عن فرحته. لكنها فرحة ناقصة، لا تمحو سنوات الطفولة المسروقة، ولا تُسقط مسؤولية من احتجزوه، ولا تعفي المجتمع الدولي من تواطئه بالصمت. لا يوجد مبرر قانوني أو أخلاقي أو أمني يسمح بسلب طفل حريته بهذه الطريقة. الطفل ليس مسؤولاً عن الحرب، ولا عن أيديولوجيات الكبار، ولا عن خيارات لم يشارك في صنعها. الطفل ضحية، ومن واجب القانون أن يحميه لا أن يعاقبه.

 

إن مشهد خروج 126 طفلاً من سجن الأقطان يجب أن يُفهم كنقطة تحول قانونية وأخلاقية، لا كحدث إنساني عابر. فحماية الأطفال اليوم ليست فقط التزاماً قانونياً، بل استثماراً مباشراً في مستقبل سوريا واستقرارها. وأي تجاهل لهذه الحقيقة يعني إعادة إنتاج العنف بأشكال أكثر تعقيداً في الغد.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

التعيينات الدبلوماسية ليست اختبار أسماء، بل امتحان كفاءة وقدرة على الفعل في عالم سريع التحوّل، فالخبرة الحقيقية هي ما يصنع…
لم يكن الملف الكردي في سوريا أزمة حقوق فقط، بل مشروع توظيف سياسي جرى استثماره داخليا وخارجيا حتى لحظة انكشافه،…
في لحظة تعيد فيها سورية إعادة مقاربة العلاقة بين الدين والدولة، يقف التعليم الديني الجامعي عند مفترق طرق حاسم بين…

القائمة