زيارة أحمد الشرع إلى موسكو: تحوّل استراتيجي في العلاقات السورية الروسية

الزيارة وأهميتها

تعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو خطوة مفصلية في رسم ملامح علاقات جديدة بين دمشق وروسيا، في ظل التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، الزيارة وُصفت بأنها

“مفيدة ومؤثرة”، كونها تُمهد لمرحلة جديدة من التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي بين البلدين، بما يفتح الباب أمام إعادة تموضع سوريا على الساحة الدولية بعد سقوط النظام

السابق.

 

تحول الموقف الروسي:

 

منذ عام 2020 وحتى 2024، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتعمّد إذلال بشار الأسد إعلامياً وسياسياً، أما اليوم فقد أظهر تقديراً واضحاً للرئيس السوري أحمد الشرع وتعامل معه كشريك عربي كامل، لا كحليف ضعيف.

الاجتماع بين بوتين والشرع تضمن جلستين: إحداهما عامة والأخرى مغلقة، تطرق خلالها الجانبان إلى مستقبل الوجود الروسي في الجنوب السوري، مع حديث عن قدرة بوتين على التأثير في القرار الإسرائيلي بدرجة تفوق ما كانت عليه في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بايدين

 

شكل الاستقبال الرسمي:

 

الاستقبال الذي حظي به الرئيس أحمد الشرع في موسكو كان لافتاً على المستويين البروتوكولي والسياسي، إذ جرى التعامل معه كزعيم عربي، لا كرئيس سوري فحسب.

وقد دخل الرئيس الشرع والوفد المرافق له من البوابة ذاتها التي يدخل منها الرئيس بوتين، في مشهد رمزي عبّر عن احترام وتقدير روسي واضح للقيادة السورية الجديدة، هذا التغيير

في البروتوكول حمل دلالات سياسية عميقة، تعكس تحول النظرة الروسية تجاه دمشق بعد مرحلة التحرير.

 

تحليل مضمون الزيارة:

 

1. الموقف الروسي من الماضي:

رغم الانتهاكات التي ارتكبتها روسيا خلال تدخلها العسكري في سوريا، فإن السياسة لا تعرف الصداقة الدائمة ولا العداوة المطلقة، اليوم تتجه موسكو إلى مراجعة مواقفها السابقة، وينتظر منها الاعتراف بمسؤوليتها عن المجازر التي ارتكبت خلال الحرب، وتقديم اعتذار رسمي وتعويض عائلات الضحايا، وهو ما طرح بالفعل خلال الاجتماع المغلق بين الطرفين.

 

2. العلاقات السورية – الروسية:

العلاقة بين قادة سوريا الجدد وموسكو لم تكن قديمة، لكنها شهدت تطوراً لافتاً خلال عملية التحرير، حين جرى تواصل مباشر بين الكرملين وقيادة “ردع العدوان” التي كان يقودها أحمد الشرع، في تلك المرحلة تضمنت التخلي عن الأسد مقابل بعض التفاهمات.

 

3. الدعم العسكري والاقتصادي

تعهدت روسيا بدعم الأمن العام السوري بأسلحة خفيفة ومتوسطة، وبموافقة أمريكية ضمنية، أما منظومات الدفاع الجوي فستصل دمشق عبر تركيا، على أن يجري

تدريب الكوادر الأمنية والعسكرية عبر وفود روسية – تركية مشتركة.

 

4. الملف الكردي والجنوب السوري

طرحت روسيا فكرة تعيين مظلوم عبدي نائباً للرئيس للشؤون الإدارية، لكنها رفضت بشكل قاطع منح الأكراد أي استقلال سياسي، معتبرة القضية ذات طابع محلي لا إقليمي.

كما تم الاتفاق على نشر شرطة عسكرية روسية في الجنوب السوري كقوات حفظ سلام مؤقتة، مع تأكيد الجانبين على وحدة الأراضي السورية وعدم فصل أي منطقة عن دمشق،

سواء في الشمال الشرقي أو الجنوب، ومن المقرر أن تبقى القوات الروسية في الجنوب لمدة تتراوح بين سبعة أشهر  وحتى سنة ونصف، إلى  استقرار الأوضاع خلال المرحلة الانتقالية.

 

6. مطالب موسكو من دمشق

تسعى روسيا من خلال هذه المرحلة الجديدة إلى:

 

فتح صفحة سياسية جديدة مع القيادة السورية.

الحصول على استثمارات نفطية استراتيجية، تمكّنها من دخول سوق الطاقة في الشرق الأوسط عبر البوابة السورية.

تثبيت وجودها في القواعد الجوية على البحر المتوسط، بما يضمن استمرار نفوذها العسكري في المنطقة.

 

الخاتمة:

 

زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو لا يمكن اعتبارها مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل هي إعادة صياغة للعلاقات السورية – الروسية على أسس الندية والمصالح المتبادلة، بعد سنوات من التبعية والانكسار.

فروسيا اليوم تدرك أن سوريا الجديدة تمثل مركز ثقل سياسي في المشرق العربي، وأن التعامل معها كشريك متوازن هو السبيل الوحيد للحفاظ على نفوذها الإقليمي.

أما من الجانب السوري، فقد شكلت الزيارة رسالة واضحة للعالم بأن دمشق تدخل مرحلة جديدة من الاستقلال السياسي والسيادة الكاملة، وأن زمن الارتهان للخارج قد انتهى.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

لم يتغيّر خطاب قسد نضجًا، بل انكسر تحت وقع الهزيمة، فاستبدل لغة الفرض بلغة التبرير، وحين يسقط الوهم الخارجي، لا…
سقوط قسد لم يكن مفاجئاً؛ إذ اجتمعت الضغوط السياسية والميدانية والإنسانية لتفكك مشروعها وتفضح هشاشته، نجاح الدولة السورية في حلب،…
قسد مشروع وُلد في فراغ الحرب وعاش على دعم الخارج، بلا شرعية وطنية ولا جذور شعبية، ومع تبدّل الموازين، تقترب…

القائمة