التنشئة وتوريث الانتماء الوطني في سوريا بعد الحرب عبر المؤسسات الحكومية

شهدت سوريا خلال السنوات الماضية حرباً طويلة تركت آثاراً عميقة على البنية المجتمعية والاقتصادية والسياسية، لم تقتصر تداعياتها على الدمار المادي، بل مسّت جوهر الانتماء الوطني، حيث تفرّق السوريون بين

 

انتماءات طائفية ومناطقية وإثنية، وفي ظل هذه الظروف، تبرز عملية التنشئة الوطنية كوسيلة حيوية لإعادة بناء الهوية السورية الجامعة وتوريث قيم المواطنة للأجيال الجديدة.

 

مفهوم التنشئة الوطنية بعد الحرب السورية

 

التنشئة الوطنية تعني إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والوطن على أساس مشترك يتجاوز الانقسام السياسي والعسكري، ويؤكد على قيم المواطنة، التعايش، والعدالة. وتتحقق هذه العملية عبر قنوات التنشئة في

 

المجتمع السوري التي يجب أن تعمل بتكامل تحت إشراف المؤسسات الحكومية.

 

تحديات الحالة السورية:

 

  1. تفكك النسيج الاجتماعي: إذ عمّقت الحرب الانقسامات الطائفية والإثنية، وأضعفت روابط الثقة بين مكونات المجتمع.

 

 

  1. الهجرة واللجوء: ملايين السوريين نشأوا في بيئات خارجية، ما يطرح سؤالاً حول كيفية إعادة ربطهم بالهوية الوطنية السورية.

 

 

  1. تعدد الروايات: سعى كل طرف في الصراع إلى فرض سرديته الخاصة للتاريخ والأحداث، ما أدى إلى تضارب الذاكرة الجمعية.

 

 

  1. الصدمة النفسية: جيل كامل من الأطفال نشأ في ظل الحرب والعنف، ما يؤثر على قابليته لتقبّل الانتماء الوطني الإيجابي.

 

 

  1. ضعف المؤسسات: غياب أو تراجع المؤسسات التربوية والخدمية بعد الحرب أضعف قدرة الدولة على أداء دورها المحوري في التنشئة.

 

 

دور المؤسسات الحكومية في خلق آليات التنشئة الوطنية:

 

  1. الأسرة السورية: ما تزال الأسرة نواة أساسية، لكنها تأثرت بالحرب؛ إذ اختلفت سردياتها اليومية لأبنائها بحسب الموقف السياسي أو المظلومية أو مناطق التواجد.

 

 

  1. المدارس والمناهج: تحتاج سوريا إلى مناهج تعليمية جديدة تعيد صياغة التاريخ بشكل جامع وتُعلّم قيم المواطنة بعيداً عن التلقين الأيديولوجي، وقد واجهت وزارة التربية والتعليم تحدياً كبيراً في توحيد المناهج بعد أن انقسمت لثلاثة مناهج تبعاً لاختلاف مناطق السيطرة بين النظام والمعارضة وقوات “قسد”، حيث غذّى كل طرف الأجيال بما يخدم رؤيته.

 

 

  1. الإعلام الوطني المستقل: للإعلام دور جوهري في محاربة خطاب الكراهية وبث رسائل تؤكد وحدة السوريين ومصيرهم المشترك، وذلك عبر إشراك مختلف المكونات وتوضيح الرؤى المتنوعة، مع الوقوف إلى جانب حقوق الشعب بكل أطيافه.

 

 

  1. الفن والثقافة: يشكلان مساحة مهمة لإعادة إنتاج الذاكرة الجمعية عبر السينما والمسرح والأدب، بحيث يُسلَّط الضوء على المعاناة المشتركة بدلاً من الانقسامات، مع إبراز تجارب التهجير والقصف والأزمات الاقتصادية والتدخلات الخارجية كتجارب جامعة.

 

 

  1. المبادرات المجتمعية: تستطيع منظمات المجتمع المدني تنفيذ برامج للمصالحة والتعليم والدعم النفسي، بما يسهم في إعادة بناء الانتماء الوطني وتعزيز التماسك الاجتماعي.

 

 

المؤسسات الحكومية المعنية بعملية التنشئة:

 

وزارة التربية والتعليم                 وزارة التعليم العالي   

                     

       

  وزارة الأوقاف                        وزارة الإعلام     

 

                          

 وزارة الثقافة                     وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل

                 

 

 

ولا يلغي ذكر هذه المؤسسات أدوار غيرها، لكنها تُعدّ المسؤول المباشر عن وضع استراتيجيات وطنية واضحة ومبنية على المصلحة العامة والمواطنة الجامعة، على أن تُنفَّذ هذه الاستراتيجيات ضمن إطار العدالة

 

الانتقالية، عبر برامج يقودها اختصاصيون مدرَّبون في المدارس والجامعات والمساجد ومنظمات المجتمع المدني.

 

ولو كنتُ صاحبة قرار في الحكومة الحالية، لخصصت ساعات من عمل موظفي القطاع العام لجلسات حوارية داخل كل مؤسسة، لمعالجة الأفكار المغلوطة وردود الفعل المبنية على المظلومية أو إقصاء الآخر، بحيث يصبح

 

الحوار أسلوب حياة تفرضه حساسية المرحلة، لا مجرد مؤتمر شكلي كالذي أُقيم عقب تحرير بعض المناطق.

 

 

أثر التنشئة الوطنية على مستقبل سوريا:

 

نجاح هذه العملية يمكن أن يؤدي إلى:

 

  • إعادة ترميم الهوية السورية وبناء الثقة بين المواطن والدولة.

 

  • تعزيز الانتماء للدولة بدلاً من الجماعات الضيقة، وبالتالي تقوية التضامن الاجتماعي على حساب الانقسام.

 

  • إعداد أجيال قادرة على المشاركة في بناء السلام والتنمية، يكون ولاؤها الأول للوطن ومصلحته العليا.

 

  • تحويل مأساة الحرب إلى ذاكرة مشتركة إيجابية تشكل دافعاً للتغيير والبناء، بدلاً من أن تبقى مصدراً للتفرقة والانقسام.

 

 

في الختام: إن إعادة بناء الانتماء الوطني في سوريا بعد الحرب ليست مجرد قضية سياسية، بل مشروع اجتماعي-ثقافي طويل الأمد يتطلب شراكة فاعلة بين الدولة، الأسرة، المدارس، الإعلام، والمجتمع المدني.

 

فالمستقبل السوري مرهون بقدرة المجتمع على توريث الأجيال الجديدة قيماً وطنية جامعة تعيد الثقة، وتفتح الطريق أمام مصالحة حقيقية تنهي دوامة العنف والانقسام، وتؤسس لسوريا أكثر عدلاً واستقراراً.

شارك المقال :

فيسبوك
واتسأب
تلجرام
اكس (تويتر)

مقالات قد تعجبك :

لم يتغيّر خطاب قسد نضجًا، بل انكسر تحت وقع الهزيمة، فاستبدل لغة الفرض بلغة التبرير، وحين يسقط الوهم الخارجي، لا…
سقوط قسد لم يكن مفاجئاً؛ إذ اجتمعت الضغوط السياسية والميدانية والإنسانية لتفكك مشروعها وتفضح هشاشته، نجاح الدولة السورية في حلب،…
قسد مشروع وُلد في فراغ الحرب وعاش على دعم الخارج، بلا شرعية وطنية ولا جذور شعبية، ومع تبدّل الموازين، تقترب…

القائمة