العلاقة بين النظام البائد وروسيا قامت على تبادل المصالح؛ إذ قدمت موسكو للنظام دعمًا سياسياً وعسكرياً مقابل امتيازات واسعة داخل سوريا، شملت استثمارات مجحفة في قطاعات الطاقة والثروات الباطنية.
كما تحولت الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة لتجارب الأسلحة الروسية الحديثة مجاناً، بهدف اختبار فعاليتها وخصائصها في ميدان حقيقي حي للقتال.
العلاقة بين روسيا وسوريا من لحظة التحرير الى اليوم:
منذ لحظة تحرير سوريا وحتى اليوم كانت العلاقات متوترة بين البلدين، إذ بحث الكرملين عن مدخل لفهم النظام الجديد والمعنيين فيه، وخلال الشهرين الأولين، تمهلت روسيا في اتخاذ أي خطوة لتقييم المشهد،
ومعرفة من يسيطر على الأرض ومن الدولة الأجنبية التي تمارس نفوذاً على النظام الجديد، وذلك تمهيداً للدخول لاحقاً في جولات لتحديد مستقبل تواجد القوات الروسية في البلاد.
فلم تقطع روسيا تواصلاها مع الجانب التركي والإماراتي ليكون وسيط بين روسيا والسلطة الجديدة لتمنع أي تعدي على عناصرها المتواجدين في الجغرافية السورية، فعندما أرسل الكرملين نائب وزير الخارجية الروسي
لشؤون الشرق الأوسط ميخائيل بوغد نوف، والتقى بالرئيس السوري أحمد الشرع وعاد بوغد نوف إلى موسكو ولم تكن هذه الزيارة على المستوى الذي أراده بوتين، مما أرجع مستشاري بوتين نتائج الزيارة الى عدم
فهم بوغد نوف لطبيعة التعامل مع أشخاص السلطة السورية الجديدة، فالرسائل التي أوصلها بوغد نوف كانت تدل على ضبابية المطالب الروسية بالإضافة لرغبة دمشق بكسب الوقت والتمهل لأي خطوة من شأنها
تأجيج الشارع السوري في مرحلة لم تنعم فيها دمشق بالأمان والانتهاكات الفردية حيث كان الشارع السوري ثائر وغاضب وقد يجعل أي تقارب سوري روسي أقرب إلى ثورة مضادة ونفير ضد السلطة الجديدة قد
يستغلها فلول النظام البائد وعناصر الميليشيات اللبنانية والايرانية.
الأهداف السياسة الروسية في سوريا 2025:
- استخدام الفيتو في مجلس الأمن لمنع أي قرار يضر بالنظام الجديد.
- التعامل وفق مبدأ 1=1، أي مقابل كل قاعدة أميركية وجود قاعدة روسية في سوريا.
- دعم السلطة الجديدة دولياً ومحلياً لتثبيت نفوذ موسكو.
كذلك فقد منحت روسيا السلطة السورية الوقت، لكن هذا لم يكن لصالح حكومة دمشق بقدر ما كان لصالح موسكو، التي لها تاريخ طويل في استغلال الوقت لتنفيذ مخططاتها البديلة وإطلاق خطط جديدة تعمل على
تعويمها، على سبيل المثال يعد تواجد روسيا في قاعدتها بالقامشلي أقوى وأكثر أهمية من أي تواجد آخر، لما له من دور في رسم أي مخطط قد ينفذ ضد سياسة دمشق.
ومنذ عام 2020 وحتى اليوم، حافظت روسيا على تواصل قوي مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، حيث طلب الأكراد قبل مدة محددة لتولي روسيا إدارة القواعد التي خرجت منها قوات التحالف الدولي، إضافة إلى نقل
ضباط وعساكر النظام البائد إلى روسيا وتأمين حماية ولجوء لهم، كما سلم الأكراد الروس مخططات لتقنيات عسكرية أميركية حصلوا عليها خلال عملياتهم وتواجدهم ضمن قوات التحالف الدولي.
روسيا والسويداء:
خلال الزيارة الأخيرة لنائب رئيس مجلس الوزراء الروسي إلى دمشق، تم الاتفاق على إعادة نشر الشرطة العسكرية على الحدود الجنوبية لسوريا، بهدف الحفاظ على السلام بين مكونات المجتمع السوري المتنوع في
المنطقة، وردع أي ضربات إسرائيلية محتملة، مع الإشارة إلى وجود خمس نقاط مراقبة روسية على الحدود.
وفي إطار الخطة البديلة للقيادة السورية الحالية، وفي حال نجاح الاتفاقيات بين الأردن وأميركا وسوريا تم الاتفاق على إعادة تأهيل محافظة السويداء وضبط الأمن فيها، فروسيا تدرس اليوم مقترحاً سورياً لإعادة نشر
الشرطة العسكرية في المحافظة لتكون رديفاً لعناصر قوات الأمن المحلية التي تختارها دمشق، وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز الأمن ومنع أي مشاريع تقسيم محتملة يسعى الكيان الصهيوني لتنفيذها، إضافة إلى ردع
أي ضربات إسرائيلية محتملة.
كما طلبت الإدارة السورية الجديدة من موسكو إحياء وجودها العسكري في المنطقة بشكل عام، ليكون هذا الإجراء بمثابة عودة للإطار الأمني الذي ساعدت روسيا على ترسيخه بعد عام 2018، حين لعبت دور الوسيط
والمنفذ لتحقيق توازن هش بين نظام الأسد والقيادة الدرزية وإسرائيل.
الأبعاد الاقتصادية والعلاقات التجارية بين روسيا وسوريا:
تراجعت العلاقات الاقتصادية بين موسكو ودمشق بشكل كبير، خاصة في الملفات الحيوية المهمة مثل إمدادات القمح الروسي، حيث تؤمن روسيا توفيره لسوريا بأسعار شبه مجانية، إضافة إلى ملف
الزيت المعد للاستهلاك البشري، الذي تعتبره دمشق مورداً موثوقاً بجودة عالية وأسعار مناسبة.
كما يتركز اهتمام الحكومة السورية على تحديث الجيش وتسليحه، إلى جانب السعي للحصول على منظومات دفاع جوية حديثة، خاصة وأن دمشق تدرك أن أي تعميق للعلاقات مع الولايات المتحدة أو أوروبا لن يؤدي
إلى تزويدها بهذه الأسلحة، وبخاصة منظومات الدفاع الجوي، لذلك ليس أمام الحكومة السورية سوى توقيع اتفاقات تسليح مباشرة للجيش والأمن الداخلي، كما تجسد ذلك في زيارة رئيس الأركان السوري الأخيرة
لموسكو لتوقيع صفقة شراء منظومة تسليح متكاملة.