منذ توليه رئاسة المرحلة الانتقالية، وجد الرئيس أحمد الشرع نفسه أمام أحد أصعب الملفات الموروثة من عقد من الزمان: منطقة شرق الفرات الخاضعة لسيطرة “قسد”. وبينما كانت التوقعات تشير إلى صدام عسكري وشيك لاستعادة “السيادة الكاملة”، انتهج الشرع مساراً دبلوماسياً حذراً اتسم بتوقيع اتفاقيات دمج وتنسيق أمني، مثيراً تساؤلات حول الدوافع الحقيقية خلف هذا التوجه.
أولاً: أسباب تجنب الخيار العسكري
لا يعود إحجام دمشق عن قتال “قسد” إلى الرغبة في المحاصصة، بل إلى حسابات استراتيجية دقيقة:
الفيتو الأمريكي والدولي: لا تزال القوات الأمريكية موجودة في قواعدها شرق الفرات. أي هجوم شامل على “قسد” يعني صداماً مباشراً مع واشنطن، وهو ما يحرص الشرع على تجنبه في مرحلة يسعى فيها لنيل اعتراف دولي ورفع العقوبات وإعادة الإعمار.
الحفاظ على موارد الطاقة: تسيطر “قسد” على معظم حقول النفط والغاز. القتال العسكري قد يؤدي إلى تدمير هذه المنشآت أو حرق الآبار، مما يحرم الدولة السورية من المورد الاقتصادي الوحيد القادر على إنقاذ الليرة المنهارة.
فخ الاستنزاف والشرعية: البدء بحرب أهلية جديدة ضد المكون الكردي سيقوض صورة “الشرع” كزعيم جامع لكل السوريين، وسيصوره أمام المجتمع الدولي كنسخة جديدة من النظام السابق الذي يتبع الحلول الأمنية فقط.
التوازن مع الجار التركي: يدرك الشرع أن أي هجوم يضعف “قسد” قد يغري تركيا للتوغل أكثر داخل الأراضي السورية، وهو ما ترفضه دمشق التي تطالب بانسحاب كامل للقوات الأجنبية.
ثانياً: التحديات والمآزق الراهنة
رغم توقيع “اتفاق آذار 2025” لدمج “قسد” في الجيش الوطني، إلا أن الواقع على الأرض يواجه عقبات:
رفض “الذوبان”: تصر “قسد” على بقاء تشكيلاتها العسكرية كفيلق مستقل تحت قيادتها الخاصة، وهو ما تعتبره دمشق “دولة داخل الدولة”.
خلافات الإدارة الذاتية: ترفض الإدارة الذاتية التخلي عن مكاسبها الإدارية والتعليمية والسياسية لصالح السلطة المركزية في دمشق.
عقدة “الأبوجية”: لا تزال الارتباطات الأيديولوجية لبعض أطراف “قسد” بحزب العمال الكردستاني تشكل استفزازاً لأنقرة، مما يضع دمشق في حرج دبلوماسي مستمر.
ثالثاً: الحلول المفترضة لإغلاق الملف
الخروج من حالة “لا حرب ولا سلم” يتطلب حلولاً إبداعية تتجاوز منطق الرصاص:
- اللامركزية الإدارية لا السياسية
تفعيل “قانون الإدارة المحلية” بشكل حقيقي، بحيث يُمنح سكان شرق سوريا حق إدارة شؤونهم الخدمية والتعليمية والاقتصادية، مع بقاء السيادة السياسية (التمثيل الخارجي، العملة، العلم) لدمشق.
- النموذج “الاحترافي” للدمج العسكري
بدلاً من حل “قسد” نهائياً، يمكن تحويل وحداتها إلى قوات حرس حدود وشرطة محلية تتبع إدارياً لوزارة الداخلية والداخلية السورية، مع تغيير عقيدتها القتالية لتكون وطنية سورية صرفة.
- الوساطة الدولية (ثلاثية دمشق-واشنطن-أنقرة)
التوصل إلى صفقة كبرى تضمن فيها دمشق أمن الحدود التركية (منع تهديد العمال الكردستاني) مقابل انسحاب أمريكي وتعهد دولي بدعم إعمار المناطق المدمرة في الشرق.
- تقاسم الموارد النفطية
إنشاء “صندوق وطني للثروات” يضمن توزيع عائدات النفط والغاز بشكل عادل على كافة المحافظات، مع تخصيص نسبة إضافية لمناطق الإنتاج المتضررة، لضمان ولاء السكان المحليين للدولة المركزية.
خلاصة القول: يبدو أن الرئيس أحمد الشرع يراهن على “عامل الوقت” وتغيير الظروف الدولية، مؤمناً بأن استعادة شرق الفرات بالسياسة والاقتصاد أقل كلفة وأكثر ديمومة من استعادتها بالدبابات.